حيفا ذات صيف ـ عيون موصدة
- مشاهدات 495
(3-3)
اعتدتُ طيلة حياتي أن أقصد البحر للترويح عن النفس، صارت زيارة البحر في الآونة الأخيرة زيارةً شاقة.. أقتربت من الجزء الشمالي للمتنزة والأغاني الصاخبة تصل مسمعي وأفكاري تتمرد عليها لتمضي قدمًا تحاول أن تسبق خطاي، وأن تعرف مصير البيت المهدد بالإعدام في أية لحظة. وهناك في الشارع الطولي عند الشاطئ بيت رقم 23، بيت مكون من طابقين، حُكم عليه بالعزلة وبسدِّ النوافذ والأبواب. رأيتُ سيارة فورد حديثة تقف قبالته، ترجل رجلٌ في متوسط العمر وشابٌ في مقتبله. إقترب الرجل من السّور القريب من الرصيف راح ينظر الى الداخل، سار قبالة البيت عدة مرات جيئة وذهابًا، ويبدو أنه إقتنع أن ما من مدخل، رفع نظره نحو الطابق الثاني ثم هزّ رأسه وأشار للشاب بالركوب، توجها للسيارة وانطلقا.. تمنيتُ أن أستوقفهما لأطلب منهما أن يحدثاني عن هذا البيت.. لكن سرعان ما اختفيا عن نظري. اقتربت من البيت ليس ثمة فراغ يمكن الدخول عبره، عند الفراغ الأول يوجد قطع صفيح مثبتة بسلاسل ثم جدارٍ، فأسلاكٍ، فبوابةٍ، فأسلاكٍ وأقفال. في مدخل الدار يوجد الكثير من التراب، والبيت موصد من كافة الأنحاء..
سرتُ قدمًا في الطريق وعند الصفيح الذي يحيط البيت المهدد بالهدم رأيتُ لافتة معلقة.. تساءلت ترى ماذا كُتب عليها؟ هل يعلنون عن جريمتهم على الملأ..؟ اقتربت وراحَ الذهول يتملكني أمامها وأنا أعيد قراءة الكلمات مرة تلو أخرى
»خطر
هنا نبني
يمنع دخول الغرباء»
أحدق في السطرين الثاني والثالث ذاهلة، هنا نبني.. كأنّ هذا البيت غير موجود.. أو كأن ليست هناك عملية هدم ستسبق البناء..
شعرتُ بأنظار العجائز الجالسات عند المقعد القريب وظهورهن للصفيح، تحدقن في البحر... تتجه إلي، أنا التي لم أكن أنظر الى البحر بل أحدق بالسطور، وأنظر اليهن وأتساءل من المقصود بالغرباء؟ من هم الغرباء؟ أردتُ أن أسألهن من هو الغريب؟ لكنّ عيونهن تركتني وعادت تنظر الى البحر.. وأنا سرتُ وأنتبهتُ الى أنّ بيتًا آخر كان بقرب هذا البيت قد هُدم ولم يبقَ في هذا الجزء من المتنزه سوى بيتٍ وحيد معصوب العينين يقف على الكرسي وأنشوطةٌ تحيط عنقه قرب المشنقة، ينتظر دوره في الموت بعد أن رحل صديقاه.. ويُلَخص موته بكلمة »بناء».
على جثة البيت الثالث قرب معرض الرسم يوجد مصف سيارات، على ما يبدو أنه مؤقت ريثما يبدؤون بمشروعٍ جديد. الكلب الضخم الذي فوق سطح بيت آخر، ما زال يصول ويجول وينبح على المارين، أو يصمت ليرتفع صوت اللهاث..
سرتُ وسمعتُ صوت أصحاب النعال الثقال، رأيتهم قادمين يقتربون، شعرتُ أنهم سيحيطونني، فاقتربتُ نحو البحر أكثر.. يقتربون.. وتسقطُ ظلالهم علي، أحاول أن أردها، وأقتربُ من البحر أكثر فيزداد صخب الموج ويسقط علي من الجهة الأخرى رذاذ.. رحتُ أركض أحاول أن أردَ عني ظلالهم ورذاذ البحر.. أركضُ وأبتعد وتبقى ذاكرة البيوت.. ليتهم يفجرون الطوب.. كانت هناك خمسة بيوت قربَ البحر تحدقُ تجاه الغرب.. سُدت عيونهم بالطوب.. إثنان قُتلا.. واحدٌ معصوب العينين يحدقُ في موتٍ قريب.. واثنان ينتظران.. ورأيت مثلهما الكثير من البيوت في أنحاء حيفا، في شارع الاستقلال والطريق الى الهدار.. جميعها معصوبة العيون تحدق نحو كل الجهات وتنتظر.. تهمسُ: »لعلهم يأتون.. لعلهم يعودون..».





