حيفا ذات صيف ـ عيون موصدة
- مشاهدات 756
(2-3)
(3)
خرجتُ في ساعات العصر نحو السادسة والنصف.. منذ مدةٍ لم أزر متنزه البحر.. أردتُ أن أرى كيف هو حال المكان. مجموعة من الرجال يلعبون الزهر في الجزء الشمالي من الشاطئ، ما زالوا على المقعد الحجري حول طاولة الزهر كما رأيتهم قبل أسابيع.
ازداد عدد المستجمين كثيرًا، اقتربت من المقطع الجنوبي للمتنزه، واستغربت عدم ظهور الجنود بعد.. أردت أن أجلس عند الصخور، في جعبتي الكثير من الأحاديث للبحر.. مررت بالمقهى، ثم بالمطعم، ثم توقفت ذاهلة..
صفائح حديدية تحيط المنزل القديم في أول هذا المقطع من المتنزه.. تُرى ماذا سيفعلون؟ هل سيرممون البيت؟ هل بات منظره يؤذي السُّياح والسكان وموظفي البلدية، ويزيد من أسئلتهم..؟ مثلما كبرت أسئلتي مذ أتيت.. لكن لماذا هذه الصفائح؟ هل هي الستائر التي توضع حول المريض قبل الفحوصات الطبية؟
إعتليت مقعدًا حجريًا قريبًا من البحر.. ونظرتُ نحو البيت، ورأيتها.. رأيتها تلك الجرافة تقف قريبًا هناك.. وسمعتُ صوت خُطاهم يركضون.. مرّوا بيني وبينه، أحدقُ فيه، يدي متجمدة لن تصله وإن حاولت مدّها.. موجٌ يتلاطم خلفي، وموجٌ أمام زجاج عيني.. أجدني ألملمُ موجي وأحاول قدر استطاعتي أن أبتعد..
(4)
تقدمتُ بوجلٍ في الطريق، هل سقطَ بيتٌ صار صديقي في هذه المدينة؟ أم أنه ما يزال على قيد الحياة؟
في الطريق تذكرت أنّ هناك بيتين آخرين بعده لم أعلم ما حلَّ بمصيرهما..؟ البيت المحاط بالصفائح ما يزال على قيد الحياة. لاحظتُ في مكان آخر وجودَ فراغٍ قريبًا من معرض للرسومات رحتُ أتذكر هل كان من فراغٍ هنا؟ إقتربتُ من أشتال شوكية مزروعة في المكان لأنظر.. رأيت بقايا جثة.. حجارة بُنية ملقية..
هكذا لن يؤذي مشهدُ القرميد، ونوافذ البيت الموصدة عيونَ أيٍ من المارة.. لن يثيرَ ذاكرة أحد.. ولن يُبقي إحتمال عودة..
معرض الرسم، كان ذات يومٍ مثل البيت الذي قُتل قبل أيام، لكن تمّ ترميمه ليصبح »جميلا جدًا» .. إخترت مقعدًا قريبًا من مصباح كهربائي وجلستُ لأقرأ محاولة أن أنسى المصيبة التي نزلت بالمكان..
وانغمستُ في كتاب الشاعر الكبير سميح القاسم، أبحث عن سبب دعائه على الليلك وأقرأ:
» الساعة السابعة..
لحظات، وتبتل تلك الثقوب برذاذ من الدم. يتململ الدم عبرها، يسحُ، يشخب، ينغر، يسيل، يتدفق، يتحول لون الدم شيئًا فشيئًا يصطبغ بخيوطٍ من الليلك. تبقى خيوط من الأحمر. ثم سيل جارف من الدم الليلكي.. الليلك يسح ويتسرب ويتفشى. ليلك يغطي تراب المعسكر. يرتفع بهدير مرعب، طوفان من الليلك يتدفق عبر الأبواب والنوافذ. يغطي السطوح المعدنية المثبته بحجارة الصوان الثقيلة. الليلك يغمر معسكر اللاجئين وجنود الاحتلال. الليلك يتدفق على كل الجهات ويعلو.. يغمر سطح الكرة الأرضية ويعلو ليغطي المجموعة الشمسية والفضاء. ليلك يغمر الوجود برمته، الساعة السابعة والوجود ليلك..»
تنهدتُ.. رفعتُ نظري الى الأفق البحري، الأفق ليلك، نظرت الى ساعتي، إنها السابعة ووسط استغرابي وقع نظري على قميصي، حيث انتشر الليلك على القميص الليلكي.. أعود للكتاب وأنظر الى الليلك من حولي بذهول.. فجأة شعرت بشيء عند قدمي، نظرتُ.. رأيتُ كلبًا صغيرًا بقربي ورأيتُ آخر يقترب من الجهة الأخرى.. نهرتهما فابتعدا.. وسمعتُ صوت لهاثٍ مرتفع، الصوت قريبٌ من أذني.. تجمدتُ للحظة، الصوت قريب، أخفضت رأسي وغطيته بيدي، ورحتُ أرفع نظري رويدًا رويدًا.. ورأيته كلبًا كبيرًا ضخمًا، يقف على سطح بيتٍ قديم خلفي.. يصول ويجول.. وأحيانًا ينبح.. نهضت مغادرةً وأردت أن أصرخ »أبعدوا هذه الكلاب عني.. أبعدوا الكلاب..» والقاسم يصرخ في الصفحات التالية من الكتاب» الى الجحيم.. الى الجحيم أيها الليلك».. وسرت على غير هدى لم أكن أرى سوى بقايا صخورٍ تتوشح بالليلك وأسمع لهاث الكلاب.





