16-05-2013
تحت قوس النار واصطلاء الفرح ... علي الخليلي .. سادن الحركة الثقافية في الأرض المحتلة ..(إهداء إلى علي الخليلي وهو ينازل المرض الناهش)
في بيت الشعر، وتحديداً قاعة معلمي الشاعر والمفكّر حسين البرغوثي .. إنها لحظة استثنائية حقاً، عندما التفت »بيت الشعر» التفاتة واجبة لتكريم سادن الحركة الثقافية في الأرض المحتلة، الشاعر والمثقف الكبير علي الخليلي .. ولأعترف أن الدرع الذي تسلّمه أبا سري حينها كان بالدين، ومن هنا جاءت أهمية التكريم وصدقه .. فقد تقاعد علي الخليلي من وزارة الثقافة وكان مديراً عاماً لها .. وهي أعلى مرتبة وظيفية منحت له حتى مغادرته الوزارة !! من هنا نقرأ سطر الإقصاء والمحو!!
خرج أبو سري ولم يرمَ بوردة الوفاء، فكان لزاماً علينا أن نطلق الوفاء على أشدّه .. نحن الأجيال الجديدة. فأن تأتي المبادرة من الجيل الرابع في الثورة الفلسطينية، جيل التسعينيات فلذلك دلالته .. في تلك اللحظة منحنا أبو سري أغمار الفرح وسنبلات العطاء وفيض المحبة الشاسع .. أضاء علي الخليلي قناديل القصائد وأضاء الحضور بما نثره من كلام وضّاء وإرادة الشاعر المحتشد بروائح نيسان وفيوضات الربيع الضاحك وغناء الشجر المحارب .
كانت بلادنا تحت سياق الطحن، وقذائف الموت الأسود تستبيح خضرة الحقل ونوم الصغار وبراءة الطير .. وسط كل ذلك نطوّق أعناق مبدعينا بالأقحوان وشقائق الحنّاء، تأكيداً على قوة الحياة والإصرار على المواجهة، لنغترف من كنانة الكتيبة المؤسسة أشدّ سهام الثقافة مضاء وتماسكاً .. وعلي الخليلي الذي أرسى قواعد الفعل الثقافي الناجز على تراب بلادنا المشتعل، وعمل تحت قوس النار، وتعرّض لويلات الجراد الاحتلالي، وظلّ يعلي فعل الكتابة فضاء وسيعاً ويلم شتات الحركة الثقافة بكدٍّ واثق وعناد لا ينكسر .. يطوّف البلاد تأسيساً لسياق ثقافي وإبداعي مقاوم وعطاء نادر وغامر ..
»الكتابة فرح»
هكذا بدأ علي الخليلي .. قولة بحجم الشعر والإبداع، وأصرّ عليها حتى اليوم مؤمناً أن الشعر انفتاح على الأمل، وانشباك حلم، والكتابة فيوضات ضوء ساطع يتجدّد ويتمدّد في الروح المبدعة حقل فراش وغيم مطير وغناء حجل بري ورشاقة غزالات البرّ .
»الكتابة فرح» ثيمة الشاعر العنيد الذي واصل الطريق المرّ بقلب مضيء شفاف يعبر الظلمة وشظف اللحظة باقتدار وهبوب إبداعي مكين .
»الكتابة فرح» قولة تسند الروح من النكوص والتردي المريب .. وتوسّع مدار الرؤيا بما يجعل الشعر فعلاً كالعشق والقتال والقنص في البرّ والحرث المقدّس وملاعبة فراش الحقل وسنبلات الماء .
تعجّل علي الخليلي الفرح لأنه يعرف فاعليته الخضاء وشمسه المهيمنة ونداءاته البعيدة .. تعجّل الفرح في أشدّ اللحظات إظلاماً وفتكاً ووجعاً واغتراباً، وآنس الفعل جوهراً الكلام الفعّال ..
*
طالعاً من قصبة حي الياسمينة، في نابلس فتى طامحاً بالتغيير طافحاً بالمحبة، وتلك فضيلته الأمضى .. فلم تنل منه المغتربات ولم تكسر صبره النبوي أنياب المنفى وظلاله الباهتة ..
خرج من البلاد ليعود إليها، حنيناً إلى أول المطر وبلاغة الميلاد وشهقة المطر، وانتظاراً للمواجهة التي أعدَّ لها الروح والجسد الفهد ..
(1978) : عودة رآها واجبة لتأسيس مساحة اشتباك مع العدو ومقولاته .. ليكون »فجره الأدبي» حاضنة للأصوات المبدعة والأجيال الجديدة التي تعهدّها بالمتابعة والرعاية والتشجيع، لتتخلّق بين يديه الكريمتين الممطرتين أغصان حديقة الإبداع على امتداد الوطن .. فيملأ دنيا الكتابة حراكاً وفعلاً ثقافياً ويتوزّع في المشهد الثقافي : شعراً ورواية وتراثاً ومقالة صحفية، في تكاملية فذّة تقدّم المختلف وتتقدّم الصفوف بما يليق بمناضل حرّ ومثقف مشتبك، وقلم سيّال كعين الجبل ويخضور السنديان الهتّاف على التلال العاليات .
يؤسّس مع جمهرة من الأرواح المبدعة اتحاد الكتّاب الفلسطينيين قنطرة للثقافة والمقاومة، يؤكّد من خلالها أن الثقافة الفلسطينية هي الجوهر الأنقى في معركة التحرّر وأنّ الوعي المتماسك المحمول على إرث البطولة والشهادة وشقائق دم البلاد، يظلّ سراجاً عالياً بحجم هذه الفلسطين .
بدأب وأمل فيّاض أمسك علي الخليلي غرّة الثقافة ومضى بها إنجازاً وعطاءً في وفرة الصدام وبروق العصف وأشواك الدرب وعثراته وأهوال البلاد .
»الكتابة فرح» ..
أيُّ أبا سري ..
وأنت تواصل ديمومة الإبداع ودَفْقه العميم، تحفر عميقاً في طبقات الوعي الثوري بما يجعل الثقافة حاضرة وتشقّ الجفاف بعناء ماء الكلام وهبوه الباقي والأكيد ..
منحت الثقافة الفلسطينية الوقت باتساعه، وأعطيت للأجيال فضائل الكبار، فصرت »توحيديّ» الأرض المحتلة، مؤانسة للمعرفة وإغناء للمشهد الثقافي بما قدّمته من تجريب كتابي، وفتحت »شرفات الكلام» على »جدلية الوطن» »لتمضي نابلس إلى البحر» وتغتسل بزرقة الغيم وإيقاعه الصعب. ليصعد »الضحك من رجوم الدمامة» على الرغم من أن »الحلم مازال محاولة خطرة»، وحفرت بإبرة القلب كتابة »بالأصابع المقيّدة» لتهتف عالياً : »القرابين إخوتي» .
وتصرخ في برية العتمة معلناً :»تكوين للوردة» وترفع قلب اللغة بصُداح شرس: »هات لي عين الرضا .. هات لي عين السخط» .. حتى »تدور المفاتيح في الأقفال» إيذاناً بعودة الطيور إلى أعشاشها، والنساء لنبع الماء، والرجال للحصيد السماوي وزفّات البيادر وسهرات العلالي ومساطيح البلاد .
وها أنت تفعل كل ذلك بوثوقية أبي حيّان في اصطلاء الشعر وكدح العارفين. تتقزّم بين عينيك مناصب الأدعياء والناهبين، وتجّار الحَرْف والحرفة، وترضى لنفسك بيتاً في أعالي الغيم والرمّان، هو مكانك الأتم والأبهى تنفتح منه على العالم بما يتسرب من كلام بهيّ عفيّ .. وتظلُّ »وحدك ثم تزدحم الحديقة» .. تنازل العتمة في حكاية تحمل أنساغ الوجع المثمر والتأمّل الرحيم ليكون ثمّة »ضوء في العتمة» تندلع »شرفات الكلام» بشعرية طافحة .
»الكتابة فرح» ..
أيُّ أبا سري ..
بعد عودة ما تيسّر من مثقفي أوسلو إلى الأرض المحتلة تم اقتسام الغنائم الثقافية والمواقع الباهتة .. وأنت الذي خُلِقْتَ للعطاء لم تزاحم أحداً على مكان لأنك تدرك مكانتك التي حرستها بأهداب العين وحبّة القلب .. المكانة التي يعرفها أدباء وكتّاب الأرض المحتلة ولا ينكرها من شلفوا واختطفوا ولم تهتزّ لهم قصبة وفاء، أو رجفة وجدان .. هابوك بما قدمته من إنجاز برسم المشهد الثقافي بجمّاعه. وتقاسموا الجوائز وتناهشوا الامتيازات وتهارشوا قوت الصغار الثقافي !!
وعندما حان تقاعدك الوظيفي نأوا بأنفسهم عن حصادك الثقافي، لتأخذ القليل وقد أخذوا كل شيء وزاحموا الطير على الحَبِّ لا على الحُبّ .. »والذي نفسه بغير جمال .. ».
»الكتابة فرح» ..
ايُّ أبا سري
»الكتابة فرح» على الرغم من غوائل السرطان المخاتل وأنيابه الناهشة الكيّادة .. ها أنت تُدْميه بالصبر واجتراح الشعر والكتابة .. وتحدُّ من تغوّله بما تملكه من صهيل روح وعافية الأمل »وتضاريس الذاكرة». ففي غمرة المرض أبرقتُ لشاعرنا رسالة أشاغله من خلالها حتى تنتهي مرحلة إنجاز الأعمال للطباعة، هذا فحواها : »الأستاذ الكبير الشاعر أبا سري... منشغل بكتابة تشبه التقديم/ وأنت المقدّم.. فلا أقدّم الأعمال، أيّها المعلّم، بل أتقدّم بها وبك عالياً بما يمنح المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي دفقه الهادر... إنّ من حقّ الأجيال الجديدة أن تكون ذخيرتك الشعرية بين يديها، ذلك زادنا الثقافي والشعري لاستكمال الرحلة وعبور الطريق إلى أول الحلم وآخره الأمل الممتد فينا إصراراً وقوّة حياة وفرح بها.. لا نقوم سوى بالواجب.. وهذا فضلك أنك منحتنا البصيرة للجدّ والاجتهاد والتماسك في شغف العيش وظلمة الدرب وتلك مسؤولية المثقف الكفْء والشاعر الندّ هاأنذا أشارف على اقفال النصّ الذي أتشرف أن تحتضنه أعمالك الناجزة فالسلام عليك من قبل ومن بعد إنساناً ومبدعاً وطاقة خير وفعل يبقى وينتصر »، فجاء ردّه بستان محبّة كعادته وأثبته هنا لتبيان حوارية الأب الشعري مع أبنائه، إذ لا مكان ولا مكانة لمن يقتل الآباء.. إنّه درس في التعليم أيّها الأعزّاء .
(28 كانون الأول 2011) :
تتقلّد وسام الاستحقاق والتميّز من بلادك اعترافاً واجباً بدورك وإرثك الإبداعي والشعري العارم، بإشارة من الاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين »بيتك الأول» الذي أرسيته تحت قوس النار وأصابعك في النار، ومن جبل النار تندلع الأغنيات والحراب العاليات وسنجات دم الشهيد، وصليات العناد . وهنا يظهر استفهام مرّ: لماذا لم تمنح جائزة فلسطين للشاعر علي الخليلي ؟! ولماذا لم تمنح جائزة محمود درويش، المختطفة مؤسسة وجائزة، للشاعر علي الخليلي ؟!!
الإجابة واضحة وضوح الإقصاء المدان، ففي زفّة السلام الجنائزي الباهت، التقى بعض مختطفي الثقافة في الخارج ببعضهم الآخر في الداخل .. ليتقاسموا فضاء الثقافة كلٌّ بطريقته .. ولكلّ فنّه في الحذف والحجبِ والمنع!! فتخلّفت نخبة ثقافية مضادّة في الأرض المحتلّة جلُّ سعيها إسدال عباءة النسيان على الكتيبة المؤسسة في الوعي والثقافة والمقاومة .. لتأكيد ذوات بقيت على الهامش سنوات طوال .. طحالب ثقافية وعلق إبداعي احترف الأخذ ومازال !!
وبنظرة للوراء مراجعة ونقداً سنجد الكثير من الأسماء الشعرية التي حُجبت نصوصها وغابت عن بلادنا بقصد وعن سبق إصرار وترصّد، فأين إرث نوح إبراهيم والشاعر الفارس عبد الرحيم محمود وبرهان الدين العبوشي وإبراهيم طوقان وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ويوسف الخطيب، وناجي علوش، وحسن البحيري، وهارون هاشم رشيد، ومعين بسيسو، وكمال ناصر، وعلي فودة، وفواز عيد، ومحمد القيسي، وخالد أبو خالد، ومحمد حسيب القاضي، وعزّ الدين المناصرة، ومريد البرغوثي، وتوفيق زيّاد، وراشد حسين، وأحمد حسين، وحنّا أبو حنّا، وأحمد دحبور وعبد اللطيف عقل وحسين البرغوثي ومحمد لافي وزهير أبو شايب، ويوسف أبو لوز، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزكريا محمد، وعمر شبانة، وعبد الناصر صالح، ومحمد الريشة .. وأين الشاعر الكبير سميح القاسم صنو الراحل الكبير محمود درويش !! لماذا لا يحتفى بحديقة الإبداع الفلسطينية التي أثبتت حضورها بفاعلية على خارطة الإبداع العربي والكوني ..
أيُّ أبا سري ..
ياهٍ على ثقافة أصابها عشّابو الجماليات والفرح باليباس والمحل .. لكنها حتماً تشقّ صخر الوقت لتعلن ميلاد الخضرة والأمل للأجيال القادمة أنّ ما ينفع الناس يمكثُ في الأرض.
»الكتابة فرح» ..
أيُّ أبا سري ..
.. ونحن إذ نفرح بك ومعك بإطلاق عطاياك الشعرية الناجزة نضع قندول الجبل ونرجسة النبع وأقحوان الوعر على فعالك البيضاء إعلاناً لانتصار الشعر على القبح والإظلام والغياب والتغييب المريب ..
نطلق الفعال الشعرية لتأخذ الأجيال الشعرية الطالعة كلاماً سائغاً، وشعرية رانخة بتفاصيل البلاد والفجر القادم والفرح بالطريق وانتصار الشعر على الألم والحزن .
واقتراح الربيع في منازلة اليباس والجفاف الكالح .





