أوباما والقدس...

2
1286
د. أحمد رفيق عوض
د. أحمد رفيق عوض

لم يجد الرئيس الأمريكي باراك اوباما نفسه مضطراً لأن يبعث رسائل معينة الى العرب او المسلمين كما فعل في المرة الأولى، و لم يثقل على نفسه او على ادارته بوعود أو أقوال أو حتى مجرد اشارات، بل على العكس من ذلك كله، فقد أكد مرة اخرى أنه ملتزم بأمن اسرائيل ليس الا، و في الحقيقة فإنه و من معه من مستشارين و خبراء و بما لديه من معلومات ووقائع تشير صراحة الى ان اسرائيل تدخل مرحلة التقلص و الانكماش ، و انها لم تعد شرطي المنطقة و لا الخادم المطيع للسياسة الاستعمارية التي سادت خلال القرنين التاسع عشر و العشرين، فقد تغير مفهوم الاحتلال في أيامنا هذه، و تغير مفهوم الشرطي أيضاً، و السبب في ذلك أن المنطقة العربية و الاسلامية تغيرت و يبدو أن ذلك سيطول الى ازمنة لا يعلمها الا الله.. فاسرائيل لم تعد تحارب أنظمة و لم تعد تستطيع ان تثق بمعاهدات أو اتفاقات هي عرضة للانتقاد أو النقض، و لم تعد تستطيع المحافظة على التفوق و القدرة او حتى الشرعية و لا استمرار التغطية الاعلامية و الدبلوماسية الغربية التي عادة ما تكون جاهزة لأن تخفي انتهاكات اسرائيل المتكررة و المتلاحقة، لهذا أشار أوباما الى أن زيارته تأتي في سياق تعزيز أمن اسرائيل الذي أهتز و تخلخل، و الذي من المتوقع ان يزداد اهتزازاً و تخلخلاً في واقع عربي و اسلامي متغير بوتيرة غير متوقعة و لا حتى محسوية.اسرائيل- و كما أدعي- تدخل مرحلة انكماش و تقلص على المستوى العسكري و على مستوى دورها الوظيفي في المنطقة، فالدول الغربية الكبرى هي من يدفع و يدافع عن مصالحه بجنوده و دباباته و طائراته ودماء ابنائه وليس اسرائيل، فالعنف و الارهاب و تخريب المصالح و تشويه الصورة و تدمير كل الدعاوى الديموقراطية و الليبرالية و المواجهة المتزايدة بين الشرق الاسلامي و الغرب المسيحي، كل ذلك هو نتاج و ثمرة السياسات الغربية البائسة حتى الآن في منطقتنا، و هو أيضاً ثمن مرتفع ليس بمقدور الغرب أن يقدمه طيلة الوقت متحملاً سياسات اسرائيل الرعناء و المستفزة. اكثر من ذلك، هناك اطراف اقليمية مستعدة لأن تنافس اسرائيل على أدوارها الكلية او الجزئية. كما أن المواجهات أو الاحلاف أن شئت هي مواجهات بين جماهير غاضبة أو جماعات عرقية أو طائفية واحزاب عسكرية و شبه عسكرية و جماعات مؤدلجة قادرة على التحشيد و التجييش، الأمر الذي يجعل من السيطرة و الضبط أمراً في غاية الصعوبة ، و قد ينذر هذا بعقد قادم من الفوضى غير الخلاقة، مع عكس ما ارادت بعض القوى، و قد ينذر هذا بمخاطر لا تستطيع اسرائيل ان تواجهها و حدها، كائنا ما كان الأمر، فإن امن اسرائيل و دور اسرائيل مطروحان على الطاولة تماماً. فاسرائيل لم تفقد دور الشرطي فقط و انما أصبحت بشكل او بآخر عبئاً عسكرياً و اقتصادياً. و لا ادعي هنا أن هذا يعني بداية التخلي عن اسرائيل أو تركها وحدها تعاني ما تعاني، على العكس من ذلك، ما أقوله ان الغرب سيسعى الى نوع آخر عن العلاقة مع اسرائيل بمعنى التوجيه و السيطرة و تقليل الخسائر و تفادي المواجهات الى حدٍ كبير، و قد يكون ذلك سبباً في التعيينات الأخيرة في الادارة الامريكية الجديدة، و قد يكون ذلك ترجمة لصعود الاسلام السياسي المستعد للتسوية أو للحوار، و على الرغم من كل الصعوبات التي يواجهها هذا التيار و تعلمه الدرس بصعوبة بالغة، الا أن هذا التيار بالذات هو القادر ايضاً على قيادة المنطقة باتجاه التسويات الأقل حدة و مواجهة. ارتباك الاسلام السياسي و اضطرابه لا يعني خسارته أو تخليه أو عزوفه عن استلام السلطة و المجتمع، ان الغرب يدرك تماماً ما الذي يحدث في منطقتنا، و يعرف ان هناك عقدا آخر على الأقل من الاضطراب السياسي و الاجتماعي، و يعرف تماماً ان أية اخطاء اسرائيلية أخرى من شأنها أن تقلب السحر على الساحر، و ان تسهم في تغيير الأوضاع بطريقة لا يرغب بها الغرب اطلاقاً، و يعرف الغرب أيضاً ان مثل هذه المرحلة من الاضطراب و الارتباك و غياب النظام العربي هي مرحلة مثالية للتسويات- ان بالقوة او بالاغراء-.ولهذا تأتي زيارة أوباما الى منطقتنا دون وعود و دون اشارات سوى حماية اسرائيل، بمعنى انه يريد اسرائيل أقل ازعاجاً و أقل استفزازاً، و لأنه يأتي و هو يعرف أن ليس هناك نظاماً عربياً واحداً او موحدا او يمتلك رؤية جامعة، فإن هذا يعفيه من تقديم حسن نوايا أو لفتات، ولهذا فانه سيأتي للقول أنه يحمي اسرائيل و سيحميها، و لكنه في الوقت ذاته، سيطلب منها بالسر أو بالعلن أن تقلل حدة المواجهة مع الفلسطينيين بشكل أو بآخر، و هو بالتأكيد، سيضغط على الطرف الفلسطيني ضغطاً غير محتمل من أجل اعادته الى المفاوضات لتسجيله كانجاز اميركي كبير في كسر الجمود في العملية السلمية و نجاح الديبلوماسية الأمريكية..ولهذا لن ننتظر الكثير من زيارة أوباما الى المنطقة سوى الضغط و الاغراء، و من المؤسف حقاً ان يقف الفلسطينيون وحدهم أمام ذلك كله، فليس هناك من طرف عربي مستعد للمغامرة أو الجرأة لأن يقدم المساعدة للفلسطينيين، فالسياسة الرسمية العربية التي تتلخص بالقول أنهم يقبلون بما يقبل به الفلسطينيون، انما هي سياسة مريحة و غير مكلفة و تخفي وراءها العجز و عدم الرغبة في العمل أو المواجهة، أذ كيف يترك الفلسطينيون وحدهم أمام الاسرائيليين والامريكيين ثم يقال بعدها اننا نقبل بما يقبل به الفلسطينيون. اوباما اذن سيأتي الى المنطقة مطمئناً كثيراً، فلا وعود و لا خطط جديدة و لا مواقف مزعجة و لا أحلاف معادية و لا مصالحة فلسطينية تجبره على نقاشها أو اتخاذ موقف منها، فالمصالحة الفلسطينية تصبح صعبة أكثر فأكثر، وهي تغرق في اللجان و المواقف المسبقة و العنيدة و تندفع الى تكريس حالة الاقتسام السياسي و الجغرافي، سيأتي اوباما لينصح اسرائيل نصح الأصدقاء و ليحذر الفلسطينيين في غياب كامل للمنطقة و قواها.أخيراً ذكر ان الرئيس أوباما سيزور المسجد الأقصى، و السؤال هو: هل ستشكل هذه الزيارة دلالات كبرى لموقف الرئيس و ادارته من مصير القدس و أقصاها؟! اذ لا تخفى الاجراءات على الأرض و لا الحملات الدعائية ضد الأقصى و ما حوله، فهل ستكون زيارة أوباما الى الأقصى تدشيناً لمرحلة جديدة أم تأكيداً لمواقف سابقة، الرد على ذلك سيكون برسم كل أولئك الذين يدعون محبة الأقصى وحمايته والدفاع عنه.

1286
2

التعليقات على: أوباما والقدس...