العيد.......... أفراح وأحزان

121

مضى شهر رمضان...... شهر القرآن الكريم.....شهر الصيام والقيام ... شهر ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر....شهر تصفيد الشياطين واغلاق أبواب الجحيم .... شهر فتح أبواب الجنان وباب الريان......
شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وأخره عتق من النار....شهر ترويض النفوس على الطاعة وقهر شهواتها.... شهر النفحات الربانية والدعوات الصادقة المستجابة .... شهر التقوى والخشوع والتضرع والتبتل.....شهر الاعتكاف والاستغفار والانابة والتوبة.....شهر ينادي فيه ملك: يا باغي الخير أبشر , ويا باغي الشر أقصر.... شهر من صامه ايمانا واحتسابا غفر ما تقدم من ذنبه... شهر من صامه وعرف حدوده , وتحفظ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه كفر ما قبله....شهر التضامن والتكافل ....شهر الصدقة والاحسان وزكاة الفطر.....شهر الله – سبحانه وتعالى- حيث قال في حديثه القدسي:"كل عمل ابن أدم له الا الصوم فانه لي ,وأنا أجزي به , يدع طعامه وشرابه وشهوته من اجلي.
شهر من صامه عبد في سبيل الله باعد الله النار عن وجهه سبعين خريفا.
انقضى رمضان فهنيئا لمن صام وقام , وراعى حدوده , وأحيا ليله, وجاء العيد ... يوم الجائزة للصائمين... لقد صاموا رمضان طاعة لله وصدوعا بأمره وابتغاء مرضاته وطلبا لرحمته. لقد فازوا وأفلحوا فاستحقوا الجائزة ,وعيد الفطر هو الجائزة....هو الفرحة الكبرى لكل من صام وقام وقرأ القرآن ودعا الرحمن وأحيا ليلة القدر , وتصدق على الفقراء والمحتاجين والمعسرين, ومسح دمعة طفل يتيم فقير , وواسى مسكينا وأدخل الفرحة الى قلبه وقلب اسرته.
جاء عيد الفطر وجاءت ايامه وهي أيام أكل وشرب وارتداء أجود اللباس والتطيب بأجود أنواع الطيب , وذلك اقتداء بالرسول الاكرم – صلى الله عليه وسلم- الذي كان يلبس في العيد أجمل ثيابه , حيث كان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة.
جاء عيد الفطر وجاء معه اللهو البريء البعيد عن المجون والمعاصي والفجور وانتهاك الحرمات , وأتى معه اللعب المباح والغناء الحسن الذي لا يخدش الحياء ولا يثير الشهوات ولا يشيع الفواحش ما ظهر منها وما بطن , ولا يؤذي الاخرين بالمفرقعات وقطع الطرق والتسكع في الشوارع ومطاردة الفتيات , واسماعهن بذيء العبارات.
الفرحة في العيد مشروعة والسرور في العيد مشروع , لكن في حدود ما أمر به الشرع , وتبادل التهاني مع بعضنا بعضا سنة مستحبة , حيث أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانوا اذا التقوا يوم العيد قال بعضهم لبعض : "تقبل منا ومنكم ". أي تقبل الله منا ومنكم صالح الاعمال.
والعيد فرصة كبرى لصلة الرحم وزيارة الاقارب وبرهم والاحسان اليهم , ومساعدة المحتاج منهم , وادخال الفرحة والسعادة الى قلوبهم وقلوب أطفالهم . وهو فرصة لزيارة المرضى ومواساتهم والتخفيف من الامهم وشد عزائمهم ورفع معنوياتهم . وهو فرصة لزيارة أضرحة الراحلين من الاحبة والاعزاء الذين سبقونا الى دار الحق, وقراءة الفاتحة على أرواحهم الطاهرة , والدعوة لهم بالرحمة والمغفرة , ولكن بعيدا عن البكاء والنحيب والصراخ والعويل,لأن هذه امور مستنكرة نهى عنها رسولنا الأكرم – عليه الصلاة والسلام- .
ان الله – سبحانه وتعالى – خص الامة بعيدين لا غير , هما عيد الفطر وعيد الاضحى, وهما عيدان شرعا لاعلان الفرحة الغامرة والسعادة الوافرة , بأن اعاننا الله على القيام بطاعته بصيام شهر رمضان وباداء فريضة الحج, ذلك ان العيد الحقيقي في الاسلام والفرحة الصادقة , انما تكون بمقدار اطاعتنا لله سبحانه , والقيام بفرائضه واداء سنن نبينا الأكرم _صلى الله عليه وسلم- .
هذا هو عيد الفطر , عيد فرحة الصائم بأن أعانه الله –سبحانه وتعالى- على صيام هذا الشهر الفضيل في هذا الجو اللاهب , وفي هذه الايام طويلة الساعات .
ولكن مما يؤلم أن الفرحة بالعيد ممزوجة بالاحزان النابعة من كثير من الممارسات الخاطئة في مجتمعنا الفلسطيني عامة ومدينتنا المقدسة خاصة.
فالقدس , التي نؤكد دائما أنها عاصمة دولتنا الفلسطينية , التي تسعى قيادتنا وشعبنا لاقامتها, شهدت الكثير من الظواهر السلبية التي تسيء الى سمعة هذه المدينة المقدسة ومواطنيها الصامدين المنزرعين فيها.
ولعل أخطر تلك الظواهر جرائم القتل التي حدثت فيها مؤخرا حيث ازهقت ارواح بريئة لاتفه الاسباب , وحرمت اسر من معيلها وترملت نساء وتيتم أطفال , ولم يقتصر ذلك على اسر الضحايا, بل امتد ذلك الى اسر وذوي الجناة القتلة , حيث رحلت عائلاتهم من منازلها, اضافة الى خسائر اخرى كبيرة, وان كانت هذه الخسائر مهما عظمت لا تعادل نقطة دم واحدة اريقت من دماء اولئك الضحايا الابرياء.
وهناك أيضا ظاهرة أخذة في التوسع والتفاقم تنذر بشر ,هي ظاهرة اتساع تعاطي المخدرات في المدينة المقدسة, خاصة بين صفوف الشباب , والمؤلم أن بعض الفتيات سقطن في هذه الهاوية السحيقة,وكل ذلك بسبب سهولة الحصول عليها, وبسبب عدم مراقبة العديد من الاسر لأبنائهم, وعدم متابعة ما يقومون به وما يفعلونه , خاصة مصاحبتهم لرفاق السوء وشياطين الانس, الذين يزينون لهم تعاطي هذه المخدرات كتسلية أوكتجربة, ويكون هذا هو الخطوة الاولى للوقوع في براثن هذه الافة القاتلة لمتعاطيها والمدمرة لاسرته ومجتمعه.
وهناك ظاهرة اخرى ايضا تسيء الى جمال هذه المدينة وقداستها , وهي انتشار البسطات من كل الانواع والالوان على الارصفة, واحيانا في وسط الشارع, مما بعرقل حركة المارة والمتسوقين,ويلحق الضرر الكبير بالتجار اصحاب المحال التجارية الذين يدفعون الاجور الباهظة لمحالهم ناهيك عن ضرائب الارنونا وفواتير الماء والكهرباء والهاتف , واذا ما حاول أصحاب تلك المحال الاحتجاج فانهم قد يشتبكون مع أصحاب تلك البسطات والباعة الجائلين, الامر الذي قد يؤدي الى ما لا يحمد عقباه .
هذا علما أن كثيرا من هذه البضائع التي تعرض على أرصفة الشوارع,يكون قد انتهت صلاحيتها, خاصة بالنسبة للمواد الغذائية, علما أن كثيرا من عديمي الضمير وطالبي الكسب الحرام, يقومون بتغيير تاريخ انتهاء صلاحية تلك المواد لايهام المشترين انها صالحة للاستعمال. وكذلك الامر في الاجهزة الكهربائية التي تباع على أرصفة الشوارع فهي مجملها مقلدة ومزورة وسريعة التلف, ولا يملك مشتريها الكفالة اللازمة التي يستطيع من خلالها صيانة ماله الذي أنفقه في شرائها.
وظاهرة سلبية اخرى تسيء الى صورة المدينة المقدسة , وتشوه وجهها الجميل هي انتشار المتسولين والمتسولات في شوارع المدينة وعند أبواب البلدة القديمة وعند مساجدها وكنائسها, وخاصة داخل المسجد الاقصى المبارك, والذين يزعجون المارة والمصلين بالحاحهم في الاستجداء والتسول, ويتاجرون بأطفال مشوهين , ويحملون وثائق مزورة وصور هويات يدعون كذبا أنهم يعيلون مرضى أو أسرا فقيرة, أو يريدون اجراء عمليات. والاسوأ من ذلك أن كثيرا منهم يدخل الى مساجد القدس , خاصة فى الاحياء الشمالية في بيت حنينا وشعفاط, ويقفون أمام المصلين بجوار المحاريب يحملون أوراقا مزورة ويتظاهرون بالبكاء لخداع المصلين, وهذه الظاهرة السيئة اتسعت حتى أصبح بعضهم رجالا ونساء يقفون عند اشارات المرور في المدينة المقدسة , ويزعجون سائقي السيارات وركابها عند توقفهم لدى اشارات المرور الحمراء.
ومن الظواهر السلبية الاخرى التي تهدد أرواح المواطنين , خاصة الاطفال قيام بعض الشباب المستهترين بقيادة سياراتهم بسرعة جنونية و"التفحيط" بها , من خلال قيادتهم بمنتهى السرعة ثم الدوس على الكوابح وايقافها بسرعة, ويتم هذا بشكل خاص في حي بيت حنينا,وخاصة عند دوار جنة عدن , وحتى اوائل حي شعفاط , ويتم ذلك حتى ساعة متأخرة من الليل. وأحيانا يقوم هؤلاء الشباب الطائشون باجراء سباق في السيارات بينهم, في الشارع الرئيسي في بيت حنينا , الذي يكون مزدحما بالسيارات والحافلات والمشاة العابرين , ما يهدد أرواحا بريئة.
ان كل هذه الظواهر السلبية والخطيرة تستدعي حلا جذريا وتستدعي ايلاءها كل الاهتمام, ووضع حد لها , وان المواطن المقدسي يتساءل أين المرجعيات المقدسية التي تتصدى لهذه الممارسات المشينة التي تشوه وجه هذه المدينة المقدسة, وتهدد نسيجها الاجتماعي , اننا نريد مرجعية موحدة قوية قادرة على مواجهة هذه الممارسات الخاطئة ’ ويتم تشكيلها من رجالات المدينة المقدسة, برئاسة محافظ القدس المهندس عدنان الحسيني. والمدينة حافلة بالرجالات والشخصيات ذات الكلمة المسموعة والنفوذ القوي التي تحظى بالاحترام.
نريد مرجعية تنزل الى الشارع المقدسي وتختلط بالمواطنين عن قرب, ولا نريد مرجعيات نراها فقط في مآدب الافطار او في الحفلات واللقاءات الاعلامية المختلفة. وهذه المرجعية الواحدة والموحدة تكون ملجأ للمقدسيين في قضاياهم ومشاكلهم,تساعدهم في حلها بما يضمن الحقوق لاصحابها, دون ظلم أو انتقاص لأحد او تعد على شرعية أحد أو انتقاص من سلطة أو تجاوز للقانون. فهل تتنادى شخصيات المدينة ورجالاتها لاقامة هذه المرجعية الموحدة , بعيدا عن العشائرية والطائفية والعصبية والفصائلية والحزبية. وتكون بدعم وتنسيق مع وزارة شؤون القدس في السلطة الوطنية الفلسطينية , نأمل ذلك والله الموفق.

121
0

التعليقات على: العيد.......... أفراح وأحزان