قناديل ملك الجليل!

325

منذ مدة طويلة لم استمتع بقراءة كتاب ، كما استمتعت في الأيام القليلة السابقة بقراءة رواية ابراهيم نصر الله الطويلة"قناديل ملك الجليل" التي روى فيها بأسلوب عذب سلس ومشوق ، حياة ظاهر العمر، الذي مررنا عليه مر الكرام في مناهجنا الدراسية، ولم يعط حقه في التخليد الفلسطيني، كمناضل وفارس شجاع، ثائر على ظلم ولاة ووزراء ومحصلي الضرائب العثمانيين، في القرن الثامن عشر، والذي تزعم منطقة الجليل، ثم كل فلسطين، ثم مناطق من سوريا ولبنان والاردن، على مدى زمني يقارب السبعين عاما ...
درسونا سابقا في منهاج التاريخ وفي فصل الدولة العثمانية، أن ظاهر العمر تمرد على الدولة العثمانية، وانها ارسلت له عدة حملات لتأديبه... لكنهم لم يصوروه لنا على انه بطل قومي، أو اسطورة قومية وطنية، أحب الأرض والتصق بها، وناضل لها وعليها، من أجل حياة أفضل، وظلم أقل، وكرامة أعلى للإنسان العربي .. ولم يحدثونا عن خيانات تعرض لها من أقرب المقربين له، ومن حلفائه، ومن اخوته وابنائه الذين تمنوا موته كي يرثوه وهو حي.
ورغم ان هناك عدة كتب ودراسات وابحاث تناولت حياة ظاهر العمر، الا أنهت كتب بحثية اكاديمية تاريخية، لا تجذب اليها الا المتخصصين والباحثين في التاريخ، لكن ابراهيم نصر الله في روايته "قناديل ملك الجليل"، قد نقل لنا صورة ادبية نابضة حية حين تناول حياة ظاهر العمر بشكل روائي فني متميز، واعتبر هذه الرواية هي الجزء الأول مما اسماه : الملهاة الفلسطينية، رغم انني اختلف معه في هذا التعبير، فقد رأيت في الرواية ملحمة اقرب الى المأساة منها الى الملهاة... واعتبر روايته السابقة التي قرأناها قبل سنوات والتي تحمل عنوان " زمن الخيول البيضاء" .. هي الجزء الثاني من هذه الملهاة كما يراها هو.
بدأ ظاهر العمر حياته في طبريا، حيث كان والده متسلمها من الدولة العثمانية، وكانت تتبع والي صيدا، الذي كان يتبع الوزير العثماني في دمشق، توفيت امه اثناء ولادته، ولم يقبل حليب اية مرضعة وفروها له حتى كاد يموت، لكن فرسا بيضاء حلبوا له بعضا من حليبها فتقبلته نفسه، ونشأت بينه وبين الفرس علاقة اقرب الى علاقة الأم بابنها، فأصبحت تتركه يرضع من ضرعها عدة سنوات من طفولته، كما نشأت بينه وبين عمته التي رعته علاقة امومة أخرى... امومة اقرب الى التوجيه والمرجعية، عمته التي لم تلبس حذاء في حياتها، وانما بقيت حافية القدمين، لتبقى ملتصقة بالأرض، لا يفصلها عنها حتى نعل الحذاء، ليبقى حب الأرض هو عشقها الذي زرعته في ظاهر، وجعلته يصعد جبل الكرمل الى قمته حافيا ليعرف معنى وقيمة الأرض والالتصاق بها واستمداد قوته من هذه الأرض الطيبة.
نحن نقول في امثالنا الشعبية عن أي بطل شجاع مقدام انه " راضع من حليب سباع" لكن ظاهر العمر كان مثالا للشجاعة والفروسية، واستحق ان يقال عنه انه " راضع من حليب فرس".
ومع خرافة القناديل، التي تشبه بعض العادات الجاهلية، حيث توقد عدة قناديل كمية زيتها واحد ، وطول فتيلها واحد، ومن سينطفئ قنديله اولا يعني انه سيموت أولا، جاء اسم الرواية، وتكررت معها سيرة الخيول الأصيلة الجميلة، التي تظهر لنا مدى سيطرة حب الخيل على كاتب الرواية، ليعطيها صورا ادبية جمالية زخرفية.. بين الخيول والقناديل، التي اوصلت ظاهر لأن يخلف اباه على زعامة طبريا بعد موته، رغم انه اصغر اخوته .. ليبدأ بعدها طموحه بالتوسع، للسيطرة على مرج بني عامر وقرى المثلث والجليل، وصولا الى عكا وحيفا ثم صفد فيافا والرملة والقدس وغزة ونابلس.. يقوي اسوار كل مدينة يستولي عليها، ويزرع بين السكان المسلمين والمسيحيين واليهود الطمأنينة والعدل، يصد عنها الحملات التأديبية لوزراء الشام، وللعربان الذين كانوا يقطعون الطرق، ولا يقدمون الحماية للقوافل الا اذا دفعت الاتاوة أو "الخاوة". وفي كل مرة يرسلون اليه جيشا، ينتصر عليه ويوسع نفوذه الى مدينة او قرية أو منطقة جديدة، حتى تملك معظم فلسطين، أما نابلس فقد تأخر في استلامها نتيجة قوة وعلاقة بكواتها واغواتها ، بالدولة العثمانية التي انعمت عليهم بهذه الألقاب والاقطاعيات، وسلحتهم وحصنتهم ووسعت منطقة نفوذهم.
تعرض ظاهر العمر لخيانات كثيرة، من حلفائه العربان، ومن أولاده واخوته الذين ولاهم بعض المناطق، تحالف بعضهم مع العربان ضده، وتحالف بعضهم مع والي الشام، ومع مماليك مصر، وحتى مع الروس، وجميعهم حاولوا قتله، والكيد له اكثر من مرة، وتسيير حملة عسكرية تلو الأخرى للقضاء عليه، لكنه كان ينتصر عليهم ويمتنع عن قتل اخوته واولاده رغم معرفته بأنهم يخونونه. لكن حلفه الأقوى، او على الأقل من لم يحاول نقض عهوده والتحالف معه، فلم يكونوا الا المتاولة، وهم شيعة جنوب لبنان، وحلفه الثاني كان مع مسيحيي البلاد الذين أحبوه وأخلصوا له وأصبح بعضهم وزرائه ومستشاريه.
انتهى عصر ظاهر العمر وسلالته، بخيانة قائد جنده "الدنكزلي"، الذي تحالف مع القائد العثماني الذي حاصر عكا من البحر، وقتل ظاهر العمر وقطع رأسه وحمله لقائد البحرية العثماني، الذي كافأ الخائن بقطع رأسه! سبب الخيانة الذي ادى الى قطع الرؤوس كان جارية جميلة لم يهدها ظاهر له!
بعد قرنين ونصف من عهد ظاهر العمر، ارى انه " ما أشبه اليوم بالبارحة". تحررنا من ظلم الدولة العثمانية، فوقعنا في ظلم " ألعن وأدق رقبة" .. لم نتحرر حقيقة ولم نتوحد، بقينا نعيش ثقافة التآمر والتحالف ضد بعضنا البعض، ثقافة التفسخ الأسري، حيث يتصارع الإخوة على ميراث حتى وإن قلّ. ثقافة ان يخاصم الأخ أخاه ، والابن اباه ويسعى كل منهما للتخلص من الآخر ويدفع ليد ثالثة او دولة أخرى لتقوم بالعمل القبيح نيابة عنه.
بعد قرنين ونصف من عهد ظاهر العمر، اصبحنا نتقاتل من أجل جمل وليس من أجل حصان. ولا زلنا نتآمر على بعضنا البعض، لا زال فينا من يصطاد في الماء العكر، ولا زلنا نتحالف من اجل مصالح ذاتية وليس من أجل وطن يضيع ويتفسخ ويتقسم كأنه قطعة من البسكويت الهش، يسهل ان يقضمها أي عابر سبيل او أي شخص ذي مصلحة. ضعفت وستضعف شوكتنا اكثر وأكثر ..
كم ذكرني كتاب ابراهيم نصر الله واسلوبه المشوق بميشال زيفاجو ورواياته عن باردليانوفوستا، فارس العصور الوسطى، عصور ظهور البروتستانية، والتفسخ الديني المسيحي،ومحاكم التفتيش والممالك الأوروبية المبعثرة والمتصارعة، والمؤامرات التي شارك فيها باباوات روما، مع الملوك والاباطرة.. مرت اوروبا وفي نفس فترة ظاهر العمر تقريبا بنفس مأساته، لكننا اليوم ننظر الى حالنا وحال اوروبا، فنراهم تعلموا الدرس من تاريخ الصراعات، لكننا لا زلنا نمارس هذه الصراعات ، وبأسلوب العصور الوسطى، عصور الظلامة!
كم أود ان أحيي ابراهيم نصر الله على روايته الملحمية، قناديل ملك الجليل، فقد وضع اضاءات فنية القاها على شخصية قومية وحدوية، لم نعرف عنها الكثير، او لم نتعب نفسنا لنتعرف عليها أكثر، وضع لنا هذه القناديل بأسلوب روائي ممتع، يجعلني أنصح بشدة بقراءة هذا الكتاب، والاستمتاع به والتحسر على شخصياته واحداثه ..

325
0

التعليقات على: قناديل ملك الجليل!

التعليقات

صورة ظاهر الزيداني

رواية رائعة و تاريخ جميل رحمك الله يا ظاهر كم ودت ان اكون معك واقبل قدمك كما قبلت انت قدم الفرس حليمه ‏........ لا هنت يا نسل الاشراف خلفت ابن زيدان ولا هان عودن علمك ذا المزايا مبطي زرعت التاريخ يا منقع التاريخ ما هي غريبه يا حميد السجايا ما دمت من ربع ابن زيدان الي لهم في المجد رايا عدوهم يجرع مرار المشاريب لا صار جرد الخيل يوم السبايا والله لو جيت اقارن كل من قدموا التاريخ مع تاريخك اقسم ما تبقى لهم بقايا