شجرة الزنزلخت

343

أغراني انسجام الهدوء وصوتها، وهذا النسيم العليل في أواسط آب أن أجلس الى أوراقي وكتبي وأعود لأتسامر معهم وأقضي الوقت.. وكنت بين الفينة والأخرى أراهم يحدقون بي جميعهم.. أحدًا منهم لا يعلم من هذه الفتاة.. كل منهم يجلس مقتنعًا بإطاره ويحدق بي من خلف الزجاج..
وأنا أنظر اليهم وأبتسم، وأتناسى وجودهم في بعض الأحيان.. بالكاد أعرف شيئًا عنهم.. لكن قدر الله لي أن أجلس في تلك الغرفة التي جعلتها متحفًا لهم، كلما عدت الى قريتي.. أحيانًا نتبادل الأحاديث السرية.. ونستمع أحيانًا الى أخبارٍ تصل من مذياع عمتي.. وأحيانًا يبقى كل منا على صمته، ننتظر.. ربما الفراغ.. أو قدوم زائرٍ جديد.. وربما ننتظر أن نسمع صوتها وأوراقها تراقص النسيم فيقطع على الحارة صمتها..
هنا الحارة القديمة حيث يخبرني معظم سكان القرية أنه كانت بينهم وبيننا جيرة قديمة قبل أن يترك بيته ويبتعد الى منطقة أخرى.. وهنا أمام بيتنا كان جزء من السوق القديم الذي أغلق أبوابه منذ عشرة أعوام.. وهنا كنا نحن أيضًا أطفال هذه الحارة..
أما اليوم حوانيت حيّنا أغلقت.. ونحن كبرنا، فافترقنا ورحلنا.. لم يبق من آثار تلك الأيام سوى شجرة الزنزلخت قرب بيتنا..
ولهذه الشجرة قصة ولادة غريبة.. إذ وُلدت إثر حروب شلة حارتنا مع شلةِ حارةٍ أخرى، أتوا يريدون أن يسيطروا على أماكن لعبنا، فصرنا نقطف ثمار الزنزلخت من شجرةٍ شرقي الحارة نملأ بها جيوبنا ونأتي الى موقع المعركة قبالة بيتي لنقصفها عليهم .. وغالبًا ما كنا ننتصر ونجعلهم يرحلون، لكن أحدًا من الكبار الذين سمعوا بحروبنا تلك لم يطلق علينا لقب أطفال الزنزلخت. ويبدو أن عددًا من الثمار سقط في حوض زهورنا اثناء تلك المعارك.. وكبرت الثمرة لتصبح شتلة واشتدّ عودها عامًا بعد عام.. لكنها بقيت موقع وعيد، فكلما التقى بنا جارنا ينصح أمي بقطعها لأنها تجلب سوء الحظ، وكلما زارنا الخريف تكتسي الأرض بأغصانها وأوراقها فيزداد توعد أمي باقتطاعها.. وتؤجل ذلك للعام التالي..
تركت قريتي وانتقلت الى منطقة أخرى.. وصرت كلما أعود أجد الشجرة تكبر ومعها يكبر وطنٌ حديث للعصافير..
عشرة أعوامٍ انقضت منذ أن رحلنا جميعًا، شلة الحارة وأصحاب الدكاكين. ولم يعتد أصحاب الزيارات المتباعدة لحيّنا هذا الهدوء.. لم يسمع أحد منهم أناشيد الشجرة وغناء العصافير.. هذه الشجرة التي أصبحت أجمل ما تركت طفولتي.. وبقيت حبوب الزنزلخت تطل علي تذكرني بانتصار قديم كان لنا ذات يوم..
فقررت أن قرار قطعها أصبح غير قابل للتنفيذ ولم أعِر توعد أمي للشجرة قبل يومين اهتمامًا، فقد اعتدت الوعيد.
وبينما أنا منسجمة بأفكاري أتبادل النظرات أحيانًا مع أجدادي قاسم وفريد ومحمد ونجيب وأسعد وحسين.. وأقرأ في كتبي، راحت أناشيد الشجرة تغيب، وأصوات العصافير تبتعد.. لم يكن هذه المرة صوت المذياع يعلن عن وقوع ضحايا أخرى في غزة أو إغلاق في القدس.. هناك صوت آلةٍ كهربائية، إحترت في البداية ما هو نوعها، واستغربت ماذا يفعل جارنا الآن.. وحينما ارتفع صوت شيء سقط، هببت راكضةَ، رأيت فرعًا كبيرًا قد سقط مسجى قرب أمه الشجرة، العصافير ابتعدت.. وأنا واقفة هناك استجمع بقايا صوتي لأصرخ بصاحب المنشار:» ابتعد.. ابتعد.. لا لن تسقط هذه الشجرة..
لن تسقط شجرة الزنزلخت..»

343
0

التعليقات على: شجرة الزنزلخت