أمور لا تصدق !

103

نتائج الانتخابات المصرية، اوصلتني الى مرحلة من الاحباط، ومرحلة من عدم تصديق ما رأيته وسمعته وأنا اتابع المحطات الفضائية المصرية وغير المصرية وهي تحلل وتجمع معطيات صناديق الاقتراع في المحافظات المصرية المختلفة ، وما حملت معها من نتائج خيبت آمالي، وآمال كثيرين ممن عولوا على ديمقراطية سليمة ستفرز في النهاية عما سعى اليه، ويرغب به شباب مصر والعالم العربي الذين عولوا على الربيع العربي، واعتقدوا بأن ثورة شباب العرب في عدة أقطار من العالم العربي، ستغير الأحوال نحو الأفضل، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ونزاهة وشفافية ...
لقد بدت لنا الديمقراطية وكأنها تمارس بشكل سليم، وفعلا لم نجد أي فرصة للتزوير في هذه الانتخابات، ولم تحصل الا مخالفات ثانوية يمكن إهمال وجودها، لكن بالطبع انفق بعض المرشحين مبالغ طائلة لا نعرف مصدرها بالضبط على الحملة الانتخابية، ووزعت في بعض المناطق الفقيرة جرات الغاز والسكر والزيت، وهي من سمات انتخابات البرلمان في عهد مبارك، لكنها لم تكن لتؤثر على نتائج الانتخابات بشكل ملموس، بل أظهرت لنا ، مع الأسف أن شعوبنا لم تتهيأ بعد لممارسة الديمقراطية بشكل سليم، وربما لم تفهم وتتفهم معنى الديمقراطية، فبدأ المرشحون يطلقون برامجهم ويدافعون عنها، دون ان يعوا أننا بحاجة قبل ذلك الى توعية بمفهوم ومضمون ومعنى الديمقراطية، التي بدا لي أن أيد خفية لعبت بالعقول التي لا تتفهم مواصفات المجتمعات المؤهلة لممارسة الديمقراطية، كان الأولى بنا أن نخاطب تلك العقول لنحررها من الافكار القديمة عن الديمقراطية.
لقد أوهمتنا التحليلات، واستطلاعات الرأي التي أظهرتها وسائل الإعلام المصرية لنا، أن أقوى المرشحين هما عمرو موسى وابو الفتوح، وان الرئاسة ستكون بينهما، وتم اجراء مناظرة تلفزيونية بينهما وكأن الأمر مسلم به، وفوجئنا في النهاية ان المرشحين القويين اللذين سيتنافسان على رئاسة مصر هما اسمان آخران .. اسم يمثل استمرارا لنظام سابق ثار المصريون عليه، واسم لمرشح الاخوان المسلمين، الذين كانوا أكثر تنظيما وحشدا، والذين اذا فاز مرشحهم، فان الغرب سيقف في وجهه، ولن يتيح له العمل من اجل مصر الا اذا بدأ يتراجع ويتنازل عن أفكاره ومبادئه وثوابته، واحدا تلو الآخر.
إن بعض الظواهر التي آلمتني في الوعي المصري والوفاء المصري، هو نتائج انتخابات محافظة أسيوط، مسقط رأس الرئيس الأسطورة الراحل جمال عبد الناصر، حيث لم تدعم هذه المحافظة المرشح الناصري حمدين صباحي! كما آلمني أن أقباط مصر الذين كان بأصواتهم هم فقط أن يحددوا وجها مشرقا أكثر لمصر، فغالبية أقباط مصر شعروا أن أمانهم أكثر هو مع الفريق شفيق، بالتأكيد ليس مع الإسلاميين، لكنهم لم يكونوا مع مرشحي الشباب أو الذين دعمهم شباب الثورة من أجل تغيير حقيقي يبتعد عن فئتين تم تجربتهما وأثبتا فشلا واضحا، مرشح استمرار النظام الذي ثار الشباب عليه، ومرشح الإخوان المسلمين الذين يوجهون البرلمان المصري إلى قضايا بعيدة كل البعد عن الإصلاح الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
أيا كان الوضع المحبط في مصر الآن، حيث يمكن تلخيص الأمر أن شباب مصر الذين ثاروا على الظلم طلبا للإصلاح قد خسروا معركة الربيع العربي... كما خسر باقي شباب العرب في العالم العربي قضيتهم لأن ثورة "الفسابكة" أي شباب الفيس بوك قد تمت سرقتها في كل مكان من العالم العربي، من قبل من رسموا الشرق الأوسط الجديد، وينفذونه بطريقتهم.
لسان حالنا اليوم مع هذا المشهد العربي هو دعاء من شكل آخر:
اللهم بلِّغنا ديمقراطية اليمن، ورخاء الصومال، وحرية ايران، وأمان أفغانستان، وحضارة بنجلاديش، واستقرار الشيشان، ووحدة السودان وائتلاف العراق وإخاء موريتانيا،
اللهم لا توقعنا في دكتاتورية السويد، ولا تخلف انجلترا ولا قمع الدانمرك، ولا ارهاب فنلندا، ولا مجاعات سويسرا، ولا جهل المانيا، ولا تكاسل اليابان، ولا حول ولا قوة الا بالله.

103
0

التعليقات على: أمور لا تصدق !

التعليقات

صورة hazim el-hasan

Good article, substance and style. The writer reminds me of my favorate teacher Tawfiq Abu al-Saud 65 years ago. He was very eloquent poet and good teacher.