القدس عروس عروبتكم

123

* نشرت مضمون هذا المقال في صفحة الرأي في "الأهرام"، منذ ثلاثة عشر عاما، ومغزى العودة إليه، بعد تحديثه، أن المأساة التي استصرخ المقال العرب للتحرك بشأنها ما برحت قائمة، بل استفحلت. وحيث الذكرى تنفع، فلا غضاضة في الإعادة، إن كان هناك من مؤمنين!.
والعبارة، البليغة الجزلة عنوان المقال، تعود للشاعر العراقي الفحل مظفر النواب، في قصيدة شهيرة. وحري بمن لم يقرأ القصيدة، أو يسمعها بإلقائه النافذ للقلوب، أن يسعى إلى ذلك. عندي أن القدس راية العرب، إن بقيت لهم من راية. ولكن ماذا يفعل العرب برايتهم؟ هم عنها غافلون، أو بالأحرى متغافلون. بينما الصهيونية تنال مأربها، وترفع على القدس علمها هي، جليا خفاقا. بينما العرب خانعون والعالم قابل، ومن يشتري الضعف بدلا من القدرة، والفشل بدلا من النجاح؟
بداية، القدس ليست قضية فلسطينية فقط. ولا فلسطين كلها قضية فلسطينية فحسب كما يحاول أعداء العرب، وبعضهم العرب اسما، الإيهام. عند الكاتب أن هذه التقسيمات التشريحية، كانت سبيل البوار في قضية القدس، والشأن الفلسطيني، والصراع العربي- الاسرائيلي، وفي النهاية، في تحدي التقدم في هذه المنطقة من العالم.
إن مأساة القدس، والقضية الفلسطينية بوجه عام، تجد موقعها السليم تاريخياً، في صياغة «الأمة العربية» مقابل «المشروع الاسرائيلي». ولن يتحقق نصر لفلسطين، ولا أقول تسوية، دون انتصار العرب في هذا الصراع، الحضاري في الأساس. وليس مطروحاً علينا أن نواجه أو لا نواجه. فهناك جدل قوي بين نيل انتصار في الصراع العربي الإسرائيلي وبين أن يجد العرب لهم موقع وجود مقتدر في الألفية الثالثة. فالضعيف، لا محالة، يُملى عليه مثل هذا الوجود المقتدر رهن، في النهاية، ببناء القدرة العربية، في المعرفة، في الإنتاج، في القوة في المعترك الدولي. وكل ذلك رهن في البداية والنهاية بنسق الحكم في البلدان العربية، قطريا وقوميا.
وبيت الداء في هذا هو هيمنة الفرد على مقدرات الوطن والناس. لكن قضية القدس تكثف الصراع العربي - الاسرائيلي أيما تكثيف بؤرة الصراع مساحة صغيرة من الأرض، لكنها تحمل تاريخا فريدا بين المدن جميعا، تاريخ مسجل يعود إلى عشرة آلاف عام، وينتمي إليه غالبية بني البشر، تتعدى الصهاينة والعرب. ولذلك فإن قضية القدس تتجاوز الصراع العربي - الاسرائيلي إلى تناقض بين المشروع الاسرائيلي والإنسانية جمعاء - وهذا مصدر قوة محتمل يختار العرب التخلي عنه طواعية. لكن لا يخدعن أحد نفسه، فالعرب هم الطرف الأصيل في هذا الصراع.
للعرب، وللمسلمين وللمسيحيين ولليهود في أرجاء المعمورة، حق إنساني ثابت في قدس الأقداس بلا ريب. لكن إسرائيل ظلت تتبنى، وتنفذ بكفاءة، منذ عقود مشروعا تاريخيا، تصاعد بعد ضم القدس الشرقية إثر هزيمة العرب في العام 1967، يُقصي الجميع إلا اليهود عن القدس، ويُخضع قدر المدينة المقدسة لاسرائيل ومن أسف أن رؤية إسرائيل للقدس، توشك أن تتحول لواقع، ومخططها لإنفاذ هذه الرؤية يكاد يتحقق بالكامل.
«القدس الكبرى» تعد فعلا الآن، بقليل تجاوز، «عاصمة إسرائيل الأبدية» كما يدّعون. يتفق على ذلك صقور وحمائم الحكم في الدولة الاسرائيلية، إن وجد بينهم حمائم. ويدعم ذلك قرار للكونغرس الأمريكي، مر من دون أن يعترض رئيس الولايات المتحدة الأمريكية - وقد كان بمقدوره أن يعترض.
هذه «القدس» تقارب الآن ربع مساحة الضفة الغربية. وتضاعف عدد سكانها منذ ضمها لدولة إسرائيل. وعلى حين كانت غالبية أحياء القدس الغربية وقت التقسيم (1948) مناطق عربية، فقد تحول العرب في «القدس الشرقية»، رغم تضاعف عددهم منذ الضم، إلى أقلية في المدينة منذ مطلع التسعينيات.
ويقدر أن أكثر من 95% البناء الجديد فيها يقوم به اليهود. وفي إسرائيل الديمقراطية ادعاء، يعد العرب من ساكني القدس الشرقية «أجانب مقيمين» ليس لهم من حقوق إلا في الشؤون البلدية. وتتعرض الملكيات العقارية العربية في القدس للاستلاب المنظم والمطرد. وتُطمس الهوية العربية للمدينة بدأب. ويحيط بالامتداد الحضري للقدس حزام ضخم من المستوطنات الإسرائيلية، يجري البناء فيها على قدم وساق في ظل خدعة «عملية السلام»، ويُحكِم الطوق على العرب فيها. وقد نفّذت حكومة إسرائيل منذ أطول من عشر سنوات برنامج استثماري ضخم استهدف «تحسين البنية الأساسية» للمدينة - في حدود المخطط الاسرائيلي ولا ريب.
والقدس منطقة حرام في مفاوضات التسوية - التسليم. وحين تأتي مفاوضات «الحل النهائي»، إن أتت، لن يكون هناك ما تتفاوض عليه السلطة الفلسطينية. وإن بقي من المخطط الإسرائيلي ما يتيح مجالا - ولو هامشيا - للتفاوض، أو وضعت مسألة القدس على جدول الأعمال ذرا للرماد في العيون، وحفاظا على ماء وجه السلطة الفلسطينية، فماذا يمكن أن تستنقذ هذه السلطة مما قد يكون بقي من القدس؟ ماذا يمكن لسلطة قهرية، خالية الوفاض، ومن ثم رهينة كرم «الأصدقاء» - وهم في المقام الأول أصدقاء لإسرائيل - ومكبلة بقيود اقتصادية وسياسية وعسكرية، حاكمة مع الغريم، أن تستنقذ منه للحلم العربي. وبالنسبة للقدس على وجه الخصوص، تردد أن رأس تلك السلطة اعترف ذات مرة بأن «القدس» هي، في الأساس، مسألة إسرائيلية «داخلية».
وليست المسألة لوم السلطة الفلسطينية، وإن كان نصيبها من اللوم كبير. فالتقصير عربي كما هو فلسطيني. بل هو عربي في الأساس ودون الدخول في تفاصيل - حتى لا نتهم بسخف «جلد الذات» - يقوم في مقابل النجاح الإسرائيلي، على الجانب العربي، تخل مشين، وجهل فادح، وتقصير فاضح.
حقا هناك «لجنة» للقدس. لكن كان يستضيفها حاكم من أصدق العرب صداقة لإسرائيل، وتتخذ قرارات لا تنفذها حتى دولة المقر.
وظلت قرارات جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي في نطاق الخطابة الرنانة التي تستصرخ المجتمع الدولي، المنحاز أصلا، للقيام بمسؤوليته، ولا يسندها مال أو مواقف سياسية صلبة.
وهذه الأيام ما زالت دول العرب الغنية تبذل الغالي والنفيس في مقاومة إيران والإسلام الشيعي بتواطؤ وتنسيق مع دول الغرب المهيمنة وإسرائيل بينما تتنصل من تعهداتها الرسمية في إطار جامعة الدول العربية المتهرئ بإنهاء الحصار على غزة الباسلة. وحاليا نرى دول الخليج تدفع الملايين الكثيرة لتمويل الصراع المسلح في سوريا بينما تبخل على أهل غزة بالوقود اللازم لكهرباء المستشفيات والمدارس. فأنى لهؤلاء أن يحرصوا على استنقاذ القدس بينما بصيرتهم المستقبلية عمياء وتحدد جداول أعمالهم لهم قوى خارجية معادية لفلسطين ولعروبة القدس.
خلاصة القول إن انساق الحكم في البلدان العربية أجبرت رعاياها، في السياق العام لتهميش سواد الناس، على التخلي عن مسؤوليتهم الأصيلة عن القدس للحكام. ولكن أنساق الحكم هذه - وعلى رأسها السلطة الفلسطينية - لم تحمل الأمانة التي استلبتها من الناس، كما سلبت منهم حقهم الأصيل في تقرير المصير، في بلادهم ذاتها.
ولن يتغير نصيب العرب من قضية القدس، أو من قضية فلسطين، أو الصراع العربي - الاسرائيلي، أو حظ العرب من التقدم، في النهاية - وهذه، دون أي مبالغة، مهام جسام - دون أن تقوم علاقات حكم مغايرة في البلدان العربية، تتحمل فيها أنساق الحكم ما تفوّض فيه نيابة عن مواطنيها، وبكفاءة، وتُسأل عنه أمام عموم الناس، بحق. ولكن على كل عربي واجب يتعين ألا يتهاون فيه، وإلا فلا يلومن إلا نفسه.

* عن "الاهرام" المصرية

123
0

التعليقات على: القدس عروس عروبتكم