Advertisement

شارك بواسطة ال SMS

الرجاء لبعث ال SMS

روبرت فيسك: في فلسطين لا فرصة للحاضر للصمود امام الماضي والصمت الرهيب

مشاهدات 9189
القدس : 28 كانون الثاني 2012
بناء المستوطنات الاسرائيلية على ارض فلسطين يستمر
بناء المستوطنات الاسرائيلية على ارض فلسطين يستمر
لندن – – نشرت صحيفة "ذي انديبندنت" البريطانية مقالا للمحلل الصحافي روبرت فيسك تناول فيه ما تشهده الضفة الغربية من تطورات في الوقت الحالي واحنمال ان تنسخ الاعمال الاسرائيلية ماضي الاراضي الفلسطينية عن الوجود. وفي ما يلي نص المقال:

"يبدو ان الفلسطينيين ليسوا "شعبا مخترعا" فحسب، حسب التعبير المستعار من نيوت غينغريتش، ولكنهم العرب الوحيدون في منطقة البحر الابيض المتوسط الذي لا يتمتعون بربيع او نهضة او حتى بشتاء.

ثم هناك بنيامين نتنياهو (رئيس وزراء اسرائيل) الذي ظل يفاخر بانه كان على حق في ما يتعلق بمصر وتونس وليبيا. فهو لم يرحب بثورات قامت فيها بهدف تحقيق الديمقراطية العام الماضي. ويتساءل عمن يمكنه ان يلومه الان على التزامه الصمت؟ وقد لاحظت ان صمت رئيس وزراء اسرائيل متواصل في الشأن السوري. اللهم الا باستثناء الاتهام القائل بان نظام الاسد كان متورطا في محاولة اللاجئين الفلسطينيين عبور الحدود عبر الجولان العام الفائت – ولا بد ان يكون نتنياهو محقا في قوله هذا – وما يتصل بتعليق بسيط في حزيران (يونيو) من ان "الشبان السوريين يستحقون مستقبلا افضل"، ولا شيء أكثر من ذلك. فاسرائيل، منار الديمقراطية في الشرق الاوسط، ليس لديها ما تقول اكثر من ذلك.

غير اننا نحن – رجال الصحافة والتلفزيون وفي برلماناتنا – لسبب او لاخر لا نولي هذا الصمت حقه من البحث. ولكن مثلما ذكر البروفيسور إيان بوروما أخيرا، فان الورثة السياسيين لـ"مفاهيم متعمقة في العنصرية" هم الابطال الجدد في دولة اسرائيل، الذين تنسب سياساتهم الحالية الى شوفانية عنصرية القرن التاسع عشر اكثر منها الى الجذور الاشتراكية للصهيونية. واليوم هناك اشكال متعددة من الناس الغريبين الذين يؤيدون اسرائيل.

ومما يثير القلق الشديد ان نشاهد انديرز بيرينغ بريفيك، القاتل الجماعي في اوسلو، يؤيد التطهير العرقي للفلسطينيين من الضفة الغربية. وهذا ليس من اخطاء اسرائيل. غير ان الجمهوريين في اميركا يحذرون الان من سيطرة قانون الشريعة الاسلامية في الولايات المتحدة. وهي فكرة اثارها، حسب صحيفة "ذي نيويورك تايمز" الاميركية، المحامي اليهودي الحسيدي المحافظ ديفيد يروشالمي وجمعيته "أميركيون للوجود القومي"، الذي يجد من يردد افكاره في اشخاص مدير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية السابق جيمس وولسلي والجمهوريين نيوت غينغريتش ومشيل باخمان. والاخيران وقعا تعهدا بالفعل "لرفض الشريعة الاسلامية".

ولكن من اجل ماذا؟ ان اسرائيل التي كانت في الماضي تستطيع تحليل الاحداث بعقلانية، وان لم تصب كبد الحقيقة في كل الاوقات، تبدو وقد فقدت قدرتها على فهم الاحداث، ورئيس وزرائها يختبئ خلف خطب مضللة للذات في وقت عليه ان يدرك فيه الاعصار الذي يعم الدول العربية المحيطة به. فالشعوب التي لم تعد تقبل بطغاة وليست على استعداد لقبول اتفاقات سلام مع اسرائيل التوسعية الى الحد الاقصى – اذ قرر نتنياهو انشاء 2000 مسكن اضافي للمستعمرين كعقاب للفلسطينيين الذين كانت لديهم الجرأة للمطالبة بدولة مستقلة.

واوباما ايضا صامت. وعندما يستطيع نتنياهو وملك السعودية الاصطفاف في موقف واحد لدعوة اوباما لانقاذ مبارك، فان اي شخص يدرك ان خللاً جسيماً قد وقع. وقد كتب جدعون ليفي، احد ابرز الصحافيين الاسرائيليين، ببلاغة قاسية عن حماقة حكومته، وفشلها في ان ترى الديمقراطية العربية سببا صالحا وليس طالحا، وان علاقتها مع الولايات المتحدة هي اكثر خطرا على اسرائيل من منظور محبط بل واستعماري. ومع مسيرة الايام تتواصل اعمال الاستيطان، وهو السبب الذي يدفع الفلسطينيين الى عدم استئناف محادثات السلام مع اسرائيل تحت مظلة حياد غير صادق من جانب الولايات المتحدة.

وتثور مشاعر الغضب اكثر من اي وقت اخر لدى الليبراليين اليهود في اميركا تجاه هذه الظاهرة. فقد شاهدوا في احيان كثيرة شيئا فاشستيا الى حد ما في ما يتعلق باليمين في اسرائيل. والواقع ان هناك رسالة على مقربة مني وانا اكتب هذا المقال، كانت قد ارسلت الى صحيفة "ذي نيويورك تايمز" في 2 كانون الاول (ديسمبر) 1948 تحذر من زيارة الشاب مناحم بيغين للولايات المتحدة، والذي تقول الرسالة ان حزبه الحرية كان "قريب التجانس في تنظيمه واساليبه وسياسته وفلسفته وتوجهه الاجتماعي مع الاحزاب النازية والفاشية". ومن بين الذين انشأوا هذه الرسالة البرت اينشتاين. اما اليوم فان يساريين اسرائيليين جريئين من امثال ميكو بيليد، وهو ابن الجنرال الاسرائيلي الشهير ماتي بيليد، يقومون بجولات في الولايات المتحدة يحذرون من المخاطر التي تمثلها اسرائيل. وفي خطاب القاه اخيرا، وصف البداية الرهيبة لعملية قصف غزة في 27 كانون الاول (ديسبمر) 2008 (وقد بلغ عدد القتلى فيها 1300 فلسطينيا و 13 اسرائيليا) على انها "التاريخ الذي حفر في ذاكرتنا على اساس انه احلك الايام واكثرها مدعاة للخجل في تاريخ الشعب اليهودي الطويل".

ويقول بيليد الان ان الاف الفلسطينيين في سلوان القريبة من القدس الشرقية قد يطردون من منازلهم "حتى يمكن لاسرائيل ان تقيم متنزها في ذكرى انتصار مضت عليه ثلاثة الاف سنة، في الوقت الذي لا يبدو فيه وجود اي اي دليل علمي مهما كان ضئيلاً على ان ذلك الملك (ديفيد/داود) قد وجد على قيد الحياة، اكثر من وجود الادلة على ان العالم انشئ في ستة ايام. فالماضي ينسخ الحاضر في اسرائيل – كدولة تريد استئصال وجود شعب يعيش فوق ارضه بهدف تثبيت اسطورة ماض مجيد". حجة دامغة اليس كذلك؟

أليس مفاجئا ان الفلسطينيين يؤمنون بذلك عندما يعمد رئيس قال لهم انهم يستحقون دولة الى استخدام حق النقض ضد مطلبهم من الامم المتحدة الاعتراف بدولتهم المستقلة، في الوقت الذي تحرمهم بلاده من ملايين الدولارات لانهم كانوا حريصين على تصديقه، وتقوم بسحب تمويل الـ"يونيسكو" عندما تضفي الاخيرة صفة دولة على الفلسطينيين- ثم لا يلبث ان يظل صامتا عندما تقول اسرائيل انها ستحتجز اموالا تعود شرعا للفلسطينيين في الضفة الغربية؟ الا انه لما كانت عملية اعادة انتخاب اوباما تعتبر اهم من "فلسطين"، فان السؤال يبقى ملحَاً عما يمكن ان تكون عليه فرص السلام في الشرق الاوسط. ولعل اسرائيل تريد ان تؤكد ان الماضي ينسخ الحاضر في الولايات المتحدة ايضا. وليت الفرصة تسنح لنا لنسأل احد الحاخامات الذين اختار نتنياهو ان ينقل عنهم في خطابه امام الامم المتحدة ضد الدولة الفلسطينية العام الماضي: وهو الحاخام نفسه الذي اوحى للقاتل باروخ غولدشتاين ان يقتل العديد من الفلسطينيين قبل 18 عاما.

لكننا – بطبيعة الحال – نبقى صامتين.

تسجيل الدخول