رغم التوجه الحديث نحو التصنيع الآلي .. الخليل تحافظ على صناعات العنب التقليدية

1253
الخليل تحافظ على صناعات العنب التقليدية
الخليل تحافظ على صناعات العنب التقليدية

الخليل - جهاد القواسمي - يتباهى محمد النتشة ويفتخر بما صنعه من منتجات العنب كالدبس، ويصر على عمله بالطريقة القديمة التقليدية، رغم التوجه الحديث نحو التصنيع الآلي، حيث يتم عصره بواسطة آلات خاصة بدلا من الطريقة التقليدية التي توارثتها الأجيال ومساهمة كبير العائلة وصغيرها جهدا في فرط العنب وغسله وطبخه، وذلك تجنبا للكلفة المالية الناتجة عن اتخاذهم قرار بتحضيره آليا، فضلا عن القناعة الشخصية بأن ما يصنع في المنزل أفضل صحيا، لذلك ما زال استخدام الآلات قليل . وتتزين أراضي المحافظة في موسم الصيف بالعنب, والتي تعتبر الأشهر في زراعته وصناعاته, وما أن يحين موعد قطافه, يتوجه المواطنون إلى أراضيهم قبل بزوغ الفجر, لينتجوا بعدها العديد من صناعات العنب على اختلافها, من دبس وزبيب وملبن وعنطبيخ وخبيصه، كموروث تراثي يتناقلها الأبناء عن الآباء والأجداد بالرغم من الخوف والقلق الذي يبديه المواطنون من اندثار هذه المنتوجات. فموسم جني محصول العنب موسم اقتصادي ومصدر مهم من مصادر العيش والتغلب على الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتدر مدخولا جيدا يساهم في رقي المدينة تجاريا وجذب الزوار من مختلف أنحاء الوطن بحثا عنها واقتنائها مهما ارتفع سعرها.وتنتج الخليل ما نسبته 70% من إنتاج محصول العنب الكلي في فلسطين، ونتيجة الحصار والاغلاقات المفروض ومنع تسويقه وتصديره ودخول عنب الاحتلال المهرب إلى الأراضي الفلسطينية يلحق بالمزارعين خسائر مادية ومعنوية كبيرة.كيفية صناعاتهوقال النتشه، أن لصناعات العنب التقليدية في الخليل، عدة مسميات وأشكال وأهمها الدبس والزبيب والعنطبيخ ومربى العنب والملبن والخبيضة ومربى السفرجل بالعنب وجميعها تصنع في المنازل .وأوضح، انه يحصل على الزبيب بعد قطف العنب تزال الحبة الضاربة التالفة ويوضع في محلول يتكون من ماء وكربونة غسيل أو الصودا وزيت الزيتون ويترك تحت أشعه الشمس ليجفف لفترة تتراوح من 10 إلى 20 يوما ، مشيرا الى أن سعر الكيلو الواحد يتراوح ما بين 12-15 شيكل، أما الدبس فيتم عصر العنب بعد وضع مادة الحور " الكلس " ويوضع على النار حتى يصل إلى درجة أقل من الغليان، ثم يرفع عن النار ويترك لمدة نصف ساعة للترويق، وتسمى "عملية ترويق " ثم يؤخذ المحلول الصافي الذي يكون في أعلى الوعاء ويوضع على النار مرة أخرى لمدة من 3-5 ساعات حسب قوة النار حتى ينضج، مشيرا الى أن ما تبقى في أسفل الوعاء هو مادة الكلس مع شوائب العنب توضع في كيس من الخيش حتى يزل عصير العنب ويسمى " الراوق "، ويتراوح سعر كيلو الدبس بين 12-15 شيكلاً.وأضاف، أما عملية العنطبيخ أو العنبيه، فبعد قطب العنب يفرط حبة حبه وبعدها يوضع في "الدست" ويحرك جيدا من 4-6 ساعات حتى ينضج، مشيرا انه يجب أن يبقى التحريك مستمرا وبعدها يوضع عليه اليانسون للنكهة، موضحاً أن مربى العنب نفس طريقة العنطبيخ إلا أن الفرق هو انه بعد الغليان يوضع في مصفاة ويعصر وتؤخذ فقط العصارة ويزال البزر وتوضع العصارة في وعاء لمدة أربع إلى ست ساعات تحت النار.يختزل الوقتوقال طاهر ابو ريان، أمين صندوق الجمعية التعاونية للتسويق والتصنيع الزراعي, أن الاتجاه نحو التصنيع الآلي للدبس يختزل الوقت والجهد والأيدي العاملة, وتلقائيا تقليل التكلفة المترتبة على وجود العمال, مؤكدا ضمانها العامل الصحي أكثر من الطرق القديمة, إذ انه يصنع بعيدا عن مشاركة الجميع في تحضيره, كما يحدث في المنزل, وبالتالي تجنب الشوائب وما إلى ذلك, إلى جانب الابتعاد عن وضعه بأكياس خيش وعصره بالأرجل, وهكذا يضمن الأفضلية الصحية.وأضاف أبو ريان أن العمل الآلي في صناعة الدبس يبدأ من ماكينة غسيل العنب مرورا بعملية فرمه, والتي يبدأ بعدها عصره عن طريق المكبس, ثم لحوض الترويق الذي يتم فيه إضافة مادة الحور عليه لتنقيته من الشوائب, وتنتهي عند الطبخ, موضحا أن هناك ثلاثة طرق لطبخه إما عن طريق النار, أو الغاز, أو البويلر الذي يستخدم تجنبا لحرقه بطبخه عن طريق البخار.مصدر دخلوقال المزارع بهجت شحده ، انه يعتمد على زراعة العنب وصناعاته التقليدية كمصدر رزق أساسي لعائلته، والتغلب على سوء الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها، مشيرا انه يتعب وينفق على العنب، لحصل على إنتاج جيد، يستطيع تصنيعه وبالتالي تسويقه بشكل كبير وأفضل.وأشار أن صناعات العنب التراثية تساعد المزارع على استرداد مصروفاته على المحصول، موضحا انه لم يبقى يعمل في تلك الصناعات سوى كبار السن و10% من السكان، وأصبحت تتركز في أيدي بعض التجار التي استبدلوا الطريقة التقليدية بالماكينات.وأكد شحده، أن هناك خطر حقيقي يتهدد صناعات العنب الخليلية التقليدية، فمن لديه عنب يبيعه ويشترى الدبس والمنتوجات الأخرى خوفا من التعب.استهداف الاحتلالويستهدف الاحتلال عنب الخليل، لتوجيه ضربه للاقتصاد الفلسطيني، وسط حديث الجهات المعنية في السلطة عن إجراءات لحماية العنب، سواء من المنتج الإسرائيلي أو من يعملون على إدخاله إلى السوق الفلسطينية.وقال عبد الجواد سلطان، من سكان البويره شرق الخليل، التي تعاني معاناة شديدة، أن المستوطنين يعيثون فسادا بالأرض ويعتدون على الإنسان والأشجار والأحجار، مشيرا الى أن منطقتهم مستهدفة من المستوطنين وتتعرض كروم الدوالي ومحصول العنب للإتلاف المتعمد والتقطيع.وأكد كامل حميد محافظ الخليل، على ضرورة حماية عنب الخليل الذي يعتاش عليه أكثر من ستة آلاف أسرة بمقاطعة العنب الإسرائيلي وعنب المستوطنات وتوفير مقومات الصمود والتطور والبنية التحتية من تسويق وتصدير، مشيرا أن المزارع الفلسطيني بحاجة إلى الدعم لمواجهة كل العقبات والعراقيل التي يضعها الاحتلال ومستوطنوه ولكي يصمد ويستمر، موضحا إنه لا يريد الوصول إلى مرحلة يضطر إلى اتخاذ إجراءات لمعاقبة تجار أو مزارعين يدخلون العنب الإسرائيلي، مشيرا إنه يريد أن تصبح تلقائية وطنية ذاتيه.وبين حميد، إنه اضطر إلى اتخاذ إجراءات بإتلاف أطنان من العنب الإسرائيلي الذي دخل بطريقة غير وطنية من أجل حماية الإنتاج الوطني.تراجع بالإنتاج والجودةوقال المهندس أيمن العطاونه، رئيس قسم التسويق في مديرية زراعة الخليل، إن موسم العنب هذا العام شهد تراجعا في كميات الإنتاج والجودة وهو قليل نسبيا مقارنة بالسنوات السابقة، بسبب قلة الأمطار وبعض الظروف المناخية، ما ساهم بضياع نسبة 40% من إنتاج محصول العنب، موضحاً أن معدل الإنتاج السنوي يتراوح ما بين 35 -40 ألف طن، وقدر هذا الموسم بحوالي 27 ألف طن تقريبا.

وأضاف أن عنب الخليل محاصر ويتعرض لمضايقات إسرائيلية في تسويقه، مشيرا أن هذا العام كان مميزا في تسويقه وأسعاره.وأوضح العطاونه أن الاستهلاك المائدي للعنب الطازج قدر بحوالي 12 ألف طن، والباقي 8 آلاف طن، استخدم في صناعات العنب التراثية التقليدية التي تشتهر بها المدينة من الدبس والزبيب والملبن والعنطبيخ، مشيرا الى أن تلك الصناعات مميزة أيضا هذا العام، لرفع سعر العنب وبالتالي تم رفع سعر منتجاته، مؤكدا إنها تعتبر مصدر دخل للتغلب على الحصار الاسرائيلي المفروض على الاراضي المحتلة.ولا يخفي العطاونه خوفه على هذه الصناعات، مشيرا الى انها أصبحت مقتصرة على بعض المزارعين الذين هم أشبه بالتجار، عازيا ذلك لقلة حيازات مساحات العنب وبالتالي أصبح الدور الفاعل للمساحات الكبرى.موروثاً ثقافياً وحضارياًويرى بدر الداعور، رئيس تجمع الحرف التراثية، أن زراعة العنب في الخليل وصناعاته التقليدية هي ثقافة يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، مؤكدا تمسك أهالي وسكان الخليل بزراعة العنب كرمز للمدينة رغم المخاطر الاقتصادية، مشيرا الى أن كروم العنب تعتبر منجعاً صيفيا يلجأ إليها المواطن هربا من حرارة الصيف.وأضاف انه من ضمن ثقافة العنب التي توارثناها هو اقتطاع جزء من محصول العنب لتوزيعه على الجيران والأصدقاء، وعمل أصناف مختلفة من المأكولات بواسطة العنب، مثل ( الدبس والملبن و العنطبيخ والزبيب) وغيرها، بالإضافة إلى استخدام ورق العنب " الدوالي" كوجبات غذائية تعتبر من أشهر وألذ الوجبات الغذائية التي يحبذها سكان وأهالي الخليل.ويبدى الداعور قلقه على هذه الصناعات التي كان معظم عائلات الخليل تعتاش منها وتصدرها للخارج دون الحاجة لمساعدات داخلية أو خارجية، داعيا المواطنين والمزارعين إلى العودة والاهتمام بزراعة العنب وصناعاته.هذا هو عنب الخليل الذي طالما تغنى الناس والشعراء بمذاقه وأصبح رمزا من رموز مدينة ضاربة في جذور التاريخ تروي حكايات وقصص مزارعيه وتحديهم المتواصل للمحتل، ما جعل الشاعر النعيمي الخليلي عز الدين المناصرة يقول " خليلي أنت يا عنب الخليل الحر لا تثمر وإن أثمرت كن سما على الأعداء كن علقم.

1253
0

التعليقات على: رغم التوجه الحديث نحو التصنيع الآلي .. الخليل تحافظ على صناعات العنب التقليدية