باحث في مؤسسة كارنيغي للسلام يقترح على الرئيس الاميركي القادم فكرة "الدولة ثنائية القومية" كاحد الحلول البديلة للصراع
- مشاهدات 94
واشنطن ـ
- بعد عام تقريباً على انفصال قطاع غزّة ، لا يزال الحوار معطّلاً بين «فتح» و«حماس»، في الوقت الذي يتراجع حلم الدولة الفلسطينية المستقلّة بسرعة قصوى. وفي تقدير المراقبين الفلسطينيين والإسرائيليين معاً، أن إعادة توحيد الضفّة والقطاع باتت عملية معقّدة، وأن الوضع الراهن مرشّح للاستمرار، وأن في مصلحة إسرائيل ترسيخ التقطيع الجغرافي وتكريسه بكل الأشكال الممكنة، وليس ما يدلّ على العكس. وما لم تحدث معجزة سياسية تعيد خلق نوع من التوافق الاجباري بين الفلسطينيين، على قاعدة التوقّف عن التدمير الذاتي، فإن منطق «الدول الثلاث» (إسرائيل والضفّة وغزّة) هو السائد، وهو منطق لا يشكّل حلاً على المديين القريب والبعيد. ومع توالي الانهيارات السياسية داخل إسرائيل، والمأزق الذي يمرّ به حزب «كاديما» بعد انكشاف فضائح إيهود أولمرت، وتراجع التأثير "البوشي" في القرار الأميركي الداخلي والخارجي معاً، بات الكلام عن مفاوضات تقود الى اتفاق على الاطار النهائي للدولة الفلسطينية القابلة للحياة، نوعاً من الوهم. وكثيرون هم الخبراء الاستراتيجيون، في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى في الدول العربية نفسها، الذين باتوا يعتقدون بأن الممارسات العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية منذ ستة عقود بدّلت الجغرافيا السياسية بصورة جذرية، وبأن أي تفوّه بعبارة «الدولة الفلسطينية المستقلّة» على لسان بوش أو أولمرت أو عباس تمرين لفظي يحتوي على الكثير من السخرية والنفاق.(لمزيد من التفاصيل انقر على العنوان)
ومن الواضح أن المستوطنات الإسرائيلية تحتل مساحة كبيرة من الضفة الغربية، وأن المساحة المتبقّية عبارة عن مناطق عسكرية مقفلة ومحميّات طبيعية وطرقات مخصّصة للإسرائيليين فقط، فضلاً عن الجدار الذي ارتفع في عمق الأراضي الفلسطينية، والمساحة المخصّصة للفلسطينيين مزروعة بمئات الحواجز، والقدس الشرقية (العربية)، أي قلب فلسطين العربية، مفصولة بشكل كامل تقريباً عما تبقّى من الضفة بطوق من المستوطنات اليهودية الآخذة في التضخّم عاماً بعد عام.
والكلام على «حلّ الدولتين» الذي يلوّح به الرئيس الأميركي بعد سبع سنوات ونصف السنة على إهمال القضية، مجرّد فرضية تجاوزتها الأحداث، وهو مناورة مكشوفة لتحييد الصف العربي في أي مواجهة أميركية أو إسرائيلية محتملة مع إيران، علماً أن «المحافظين الجدد» داخل الادارة الأميركية يعارضون تماماً قيام الدولة الفلسطينية المستقلّة.
وفي معرض رسم السياسة الخارجية للرئيس الأميركي الجديد، نشرت «مؤسّسة كارنيغي للسلام الدولي» قبل أيام، دراسة بتوقيع كبير الباحثين ناثان ج. براون تحت عنوان " غروب الشمس على حل الدولتين " تؤكّد أن خيار الدولتين اصبح شبه مستحيل ، وان احد ا لخيارات ( عرض 4 خيارات ) لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي هو خيار الدولة الواحدة ثنائية القومية .
نقرأ في دراسة براون: ترك التوقّف الفعلي لعملية السلام التي بدأت في مدريد سنة ١٩٩١، واستكملت في أوسلو سنة ١٩٩٣، حالة اكتئاب لدى المراقبين، نتيجة ما خلّفته من الاستبعاد الحالي لتحقيق أي تسوية أو إدارة للصراع. هذا بالاضافة الى ما فرضه هذا التوقّف من إتقان عدم تحقّق الغايات المرجوّة من أسس الديبلوماسية الدولية التي اتبعت في إدارة الصراع خلال العقدين المنصرمين أو حتى قابليتها للتنفيذ.
اعتمدت هذه الديبلوماسية على صيغة «الأرض مقابل السلام» لإنشاء كيان سياسي فلسطيني في الضفة الغربية وغزّة، وهو الأمر الذي لم يتحقّق. ومع أن معظم اللاعبين الدوليين، والعديد من الإسرائيليين والفلسطينيين، ما زالوا يفضّلون اتّباع هذه الديبلوماسية، إلا أن هذا لا ينفي مشاركة جميع الأفرقاء في تقويض فاعليتها، سواء كان ذلك من دون قصد أحياناً أو عن قصد أحياناً أخرى.
لقد آن الأوان للتوقّف عن الادعاء بأن الديبلوماسية الدولية الحالية فعّالة، بشكل يمكن أن يقود الى إنجاح حلّ إقامة الدولتين، بل أصبح يتوجّب ابتكار مقاربة جديدة تعترف بالحقائق المرّة على الذين يدعمون حلّ إقامة الدولتين، وأن يدركوا مدى الانهيار الذي أصاب الاطار الذي كان يقوم عليه هذا الحلّ.
بعد انقضاء عقدين من الزمن، في ظلّ أولئك الذين دعموا جلياً حلّ الدولتين، قام الفلسطينيون في كانون الثاني (يناير) 6002 بانتخاب حزب يرفض هذا الحلّ، ليصبح مثل هذا الحلّ بمثابة إجراء موقّت، وزادت موجة العنف التي حدثت في غزّة في حزيران (يونيو) ٢٠٠٧ المشكلة تعقّداً، من خلال تدميرها أي قدرة، ولو كانت محدودة، لدى الفلسطينيين، على العمل المتماسك لتنفيذ أي برنامج عمل سياسي يدعم استمرار اتّباع فرضية اقتراب إقامة الدولتين.
أما على صعيد القادة الإسرائيليين، فقد اتخذوا الكثير من الخطوات الملموسة خلال أربعة عقود زادت في صعوبة نجاح حلّ الدولتين. فقد ظلّوا حتى فترة قريبة يعارضون هذا الحلّ من الناحية المبدئية والعملية على حد سواء. ولم تعرب الحكومة الإسرائيلية عن تأييدها بوضوح لإقامة دولة فلسطينية إلا بعد اندلاع «الانتفاضة الثانية».
استمرت إسرائيل في تقويض قدرات السلطة الفلسطينية التي تشكّل الأساس لقيام تلك الدولة، وهو ما اتّبعه أرييل شارون إبان فترة حكمه، أما في ظلّ حكم إيهود أولمرت، فقد أصبحت المشكلة بمثابة العجز عن العمل بجرأة لدعم تنفيذ هذا الحلّ.
على صعيد المجتمع الدولي، يمكن القول إن المجتمع الدولي ساهم في تعجيل القضاء على حلّ الدولتين كخيار قابل للحياة، فالاجراءات المالية والسياسية القاسية التي اتخذت ضد السلطة الفلسطينية بعدما شكّلت «حماس» الحكومة في آذار (مارس) ٢٠٠٦، لم تعاقب «حماس» وحسب، بل عاقبت أيضاً المؤسّسات الفلسطينية، كما تركت محاولة الولايات المتحدة دعم القوّة العسكرية للسلطة لكي تواجه «حماس»، نتائج عكسية، فقد أضرّت بسمعة هذه القوات في أعين الفلسطينيين، والتي تثبت مدى ضعفها عندما هزمت في المواجهة المفتوحة في غزّة خلال الصيف الماضي. يقرّ المسؤولون الأميركيون الآن سرّاً بأنهم لا يملكون أي فكرة حول كيفية معالجة مسألة الكيان الفلسطيني المتشرذم. ورغم ذلك، تستمر الولايات المتحدة في محاولتها المتواضعة والعقيمة لإعداد قوّات الرئيس محمود عباس لاحتمال نشوب نزاع مسلّح مع «حماس»، تزامن ذلك مع القبول المتردّد للجهود المصرية لوقف لإطلاق النار بين إسرائيل و«حماس». فهذه الجهود تسعى الى التعامل مع واقع وجود «حماس»، وهذا يتعارض بالكامل مع الجهود الرامية الى دحر هذه الحركة.
إن التناقض الظاهر في تبنّي فكرة وقف إطلاق النار هذا، ينطبق على النمط الأميركي المعهود، أي القبول بالأمر الواقع في نهاية المطاف. وبعد فوات الأوان على إمكانية جني أي كسب منه، اكتشفت واشنطن أهمية الاصلاحات الفلسطينية في العام ٢٠٠٢ (بعد انقضاء فترة طويلة على محاولة الفلسطينيين أنفسهم إثارة قضايا نظام الحكم والديمقراطية). واكتشفت واشنطن «خارطة الطريق» سنة ٢٠٠٦ بعدما كانت قد تركتها تتلاشى طوال ثلاث سنوات، ولم تبدأ الولايات المتحدة بدعم عباس جدّياً إلا بعدما خسر حزبه الانتخابات البرلمانية، وأيّدت مبدأ الدولة الفلسطينية بعدما كانت هذه الخطوة الرمزية قد فقدت كامل معناها في نظر الفلسطينيين، كما لم تظهر الولايات المتحدة أي رغبة ذات شأن للضغط على إسرائيل في ما يخص وقف بناء المستوطنات، إلا بعدما أصبحت المستوطنات متوطّدة بعمق في الضفة الغربية.
والحق يقال، إن التوقيت الخطأ والمتابعة الواهنة لا يرجع الى الولايات المتحدة فقط، فقد اتخذت الدول العربية مبادرة جريئة في بيروت سنة ٢٠٠٢ عندما تبنّت حل الدولتين، لكنّها تأثرت بصدّ الولايات المتحدة لها، ومنذ ذلك الحين بقي الجانبان غير قادرين وغير راغبين في السعي الى تحقيق هذه المبادرة بأي طريقة متناسقة.
تضيف الدراسة: على الولايات المتحدة أن تتولّى قيادة المجتمع الدولي في إطلاق بداية جديدة لمقاربة النزاع، وأن تطلق مبادرات على أساس الحقائق المماثلة على الأرض بدلاً من الاستناد الى آمال الأمس المتلاشية. أمّا المشكلة، بالطبع، فهي أن الخيارات المتوافرة لأي قيادة أميركية جديدة سوف تكون محدودة بالفعل.
ويمضي براون في دراسته فيقول: إن مشروع الدولتين يبدو خياراً أكثر جاذبية، لكن تحقيقه بات صعباً جداً، وفي السنوت الأخيرة تلقّف عدد من المفكّرين الفلسطينيين (أبرزهم إدوارد سعيد) فكرة الدولة الواحدة المزدوجة القومية بكثير من الاهتمام، لكن التوجّه الإسرائيلي العام لا يزال يعتبرها بمثابة الخطر الذي يهدّد المشروع اليهودي التوراتي.
وينتهي براون الى القول: إن إعادة إحياء النظام الدستوري الفلسطيني من المفترض أن يكون لديبلوماسية إسرائيلية ـ فلسطينية جديدة قابلة للنجاح، بدلاً من أن يمثّل عقبة في وجهها. ففي حال غياب أي اتفاقية لعودة الحكم الدستوري، لن تتوافر الآليّة اللازمة لتنفيذ نتائج المفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، كما لن تكون هناك إمكانية للتصويت عليها.
لقد ازداد شيوع التساؤل حول قابلية نجاح حلّ إقامة الدولتين خلال السنوات القليلة الماضية، كما ازدادت الرؤية التشكيكية، حتى من جانب الذين كانوا قد وضعوا ثقتهم بهذا الحلّ، وعلّقوا آمالاً كبيرة عليه في الماضي. وأقوى الحجج المضادة لهذا التشاؤم تقوم على الحجة التي تعتبر أن إعادة إحياء حلّ الدولتين هو الأمر المرغوب فيه، وليس على إمكانية نجاحه. أما إذا لم تُعالج إدارة الرئيس بوش، وهي في نهاية ولايتها، الأوضاع الأساسية التي تقوّض حلّ الدولتين، فإن الادارة التي ستخلفها سوف تكون مُجبرة على البحث عن بديل. والبدائل الوحيدة الممكن أن تتوافر ستكون أسوأ بكثير بالنسبة الى جميع الأطراف المعنية.
وبمعزل عن طرح مؤسّسة كارنيغي للسلام، هناك مؤشّرات أخرى الى أن اليهود الأميركيين الذين يمارسون ضغوطاً مباشرة على الكونغرس ودوائر القرار الأميركي، بدأوا يميلون الى فكرة الحل البديل القائم على إيجاد صيغة تعايش مع الفلسطينيين أقرب ما تكون الى الفيديرالية، والدليل، بعد ستة عقود على ولادة إسرائيل، هو قيام أول منظّمة من اليهود الأميركيين تركّز على دعم سياسة أميركية تؤمن بالتحرّك الفعلي في اتجاه تسوية سلمية حقيقية في الشرق الأوسط. اسم المنظّمة الجديدة (أعلن عنها في أيار / مايو ٢٠٠٨) (جي ستريت) وهي تشكّل التحدّي الأكبر لأقوى جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، وهي «لجنة العلاقات العامة الأميركية ـ الإسرائيلية» (إيباك). وهذه المنظّمة قرّرت الوقوف في وجه التشدّد الإسرائيلي ـ الأميركي، وتعتبر هذا التشدّد كارثة على المصالح الأميركية والإسرائيلية معاً ومستقبل التعايش في المنطقة، وهي ترفع شعار «مؤيّدون لإسرائيل مؤيّدون للسلام».
البيان الأول للمنظّمة التي تضم جيرمي بن عامي المستشار السابق في إدارة الرئيس بيل كلينتون، ودانييل ليفي المستشار السابق لإيهود باراك من بين المؤسّسين، دعا الى إعادة تعريف «تأييد إسرائيل» في السياسة الأميركية، بعدما صارت أفكار اليمين المتشدّد والمحافظين الجدد هي التي تحكم هذه العلاقة. أنصار السلام الجدد هؤلاء سينشطون في انتخابات الكونغرس المقبلة، فضلاً عن انتخابات الرئاسة، وسوف يدعمون عدداً من المرشّحين لإيصال صوتهم الى مجلس الشيوخ، وقد بدأوا يستقطبون عشرات ومئات المؤيّدين اليهود والأميركيين، ويجذبون تمويلاً وتبرّعات من الجناح الليبرالي داخل المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة كما في إسرائيل. ويأمل المؤسّسون رفع موازنة المنظّمة من1.5 مليون دولار الى عشرات الملايين في فترة قريبة، من أجل الوقوف في وجه «إيباك» الذي يصل مجمل ودائعها الى مئة مليون دولار، وعدد أعضائها الى مئة ألف شخص في 18 ولاية أميركية. ومن العوامل التي يمكن أن ترفع حجم التبرّعات للمنظّمة الجديدة زيادة التبرّعات على الإنترنت للمرشّح الديمقراطي باراك أوباما، الذي بات مصدر إلهام لليبراليين الأميركيين الذين يريدون كسر الاحتكار القائم للقرار السياسي في الولايات المتحدة.
وفي اقتناع عدد كبير من المراقبين، أن منظّمة «جي ستريت» سوف تخلق حالة جديدة يمكن أن تظهر الخلافات الفكرية والعقائدية بين فريقين من اليهود الأميركيين بصورة لم تحدث من قبل، ويمكن أن تمثّل بداية جديدة للتواصل مع الأطراف والحكومات العربية داخل الولايات المتحدة وخارجها تقود الى بناء أجندة مشتركة للسلام في الشرق الأوسط. وتؤيّد مجموعة «جي ستريت» الانسحاب الأميركي من العراق، وإقامة علاقة ودّية مع سورية وتجنّب أي مواجهة عسكرية مع إيران، وهي مواقف تناقض مواقف «إيباك». وتتفاوت ردود فعل اليهود الأميركيين من طروحات «جي ستريت»، إلا أن كثيرين يرون فيها تحوّلاً ـ أو بداية تحوّل على الأقل ـ عن السياسات الأميركية المتشدّدة تجاه العرب والفلسطينيين، ومحاولة لتأسيس حالة تعايش تقود في نهاية المطاف الى سلام يسمح بإقامة الدولة الواحدة ثنائية القومية >
عن " المشاهد السياسي "






