ضمانات المتهم أثناء الاستجواب

2391

سوف نتناول بالبحث موضوع استجواب المتهم في الدعوى الجزائية بين النظرية والتطبيق متبعين منهج الدراسه المقارنة بين القانون الفلسطيني وغيره من القوانين، وبخاصة العربية موضحين إشكالية بعض النصوص في التطبيق العملي، لما اهميه لهذا الموضوع على حقوق الانسان وحريته .
من خلال بحث ماهية الاستجواب، والطبيعة القانونية للاستجواب، ومفهوم الاستجواب من حيث الشكل والضمانات، وبطلان الاستجواب،ونتائج وتوصيات البحث، وذلك على النحو التالي:
أولاً :- ماهية الاستجواب
1) مفهوم الاستجواب:
لقد انفرد القانون الفلسطيني من بين القوانين العربية بتعريف الاستجواب في المادة 94 بالقول "الاستجواب هو مناقشة المتهم بصورة تفصيلية بشأن الأفعال المنسوبة إليه ومواجهته بالاستفسارات والأسئلة والشبهات عن التهمة ومطالبته بالإجابة عليها" حيث لم يعرف معظم القوانين الإجرائية الاستجوب ومن بينها قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 150 لسنة 1950، وقانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 . وان كان بين القوانين الحديثة التي عرفت الإستجواب قانون الإجراءات الجزائية اليمني رقم 13 لسنة 1994 ، حيث نصت المادة 177 على ذلك : يقصد بالإستجواب علاوة على توجيه التهمة إلى المتهم مواجهته بالدلائل والادلة القائمة على نسبة التهمة إليه ومناقشته فيها تفصيلاً. ويجب على المحقق أن يكفل للمتهم حقوق الدفاع كاملة وعلى الأخص حقه في تفنيد ومناقشة الأدلة القائمة ضده . وللمتهم في كل وقت أن يبدي ما لديه من دفاع أو يطلب اتخاذ اجراء من اجراءات التحقيق وتثبيت جميع أقواله وطلباته في المحضر . فهو إجراء من إجراءات التحقيق بمقتضاه يتثبت المحقق من شخصية المتهم ويناقشه في التهمة المنسوبة إليه على وجه مفصل في الأدلة القائمة في الدعوى إثباتاً ونفياً ( أستاذنا الدكتور / مأمون محمد سلامة : قانون الإجراءات الجنائية معلقاً عليه بالفقه وأحكام النقض ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، طبعة خاصة بالسادة أعضاء نادي القضاة ، القاهرة ، 2005 ، ص 426) . فلا يتحقق الاستجواب بمجرد سؤال المتهم عما هو منسوب إليه أو إحاطته علماً بنتائج التحقيق إذا لم يتضمن ذلك مناقشته تفصيلياً في الأدلة المسندة إليه (انظر الدكتور / محمد سامي النبراوي : استجواب المتهم ، رسالة دكتوراه ، جامعة القاهرة ، كلية الحقوق ، سنة 1968 ، ص 66 ،الأستاذ / فهد ابراهيم السبهان : استجواب المتهم ، رسالة ماجستير ، جامعة المنصورة ، كلية الحقوق ، سنة 1995 ، المستشار / عدلي خليل : استجواب المتهم فقهاً وقضاء ، دار الكتب القانونية ، القاهرة ، 2004 ، ص 9) .وقد عرفته محكمة النقض المصرية بأنه "مجابهة المتهم بالأدلة المختلفة قبله ومناقشته مناقشة تفصيلية كي يفندها إن كان منكراً للتهمة أو معترفاً بها إذا شاء الاعتراف (نقض 25 يناير 1931 ، مجموعة القواعد القانونية ، ج 2 ، رقم 68، ص222). وعرفته كذلك بأنه مناقشة المتهم تفصيلية في أمور التهمة وظروفها، ومجابهته بما قام عليه من الأدلة ومناقشته في أجوبته مناقشة يُراد بها استخلاص الحقيقة التي يكون كاتماً لها (أنظر نقض 21 يونيه 1966 ، س 17، رقم 162، ص 682).
2) التمييز بين الاستجواب وسؤال المتهم (الحضور لأوّل مرّة):
ومن أجل ذلك يختلف الاستجواب عن سؤال المتهم في محضر جمع الاستدلالات بمعرفة مأمور الضبط فالإجراء الذي يقوم به مأمور الضبط هو مجرد سماع أقوال المتهم بالنسبة للتهمة المنسوبة إليه دون تفصيل ودون تحقيق لدفاعه، ولذلك فإن المشرّع لم يحط سماع الأقوال بمحضر جمع الاستدلالات بذات الضمانات التي أحاط بها الاستجواب كإجراء تحقيق تقوم به سلطة التحقيق (المستشار عدلي خليل ، المرجع السابق ، ص48 ).
وسؤال المتهم عن التهمة كما تملكه الضابطة القضائية على مقتضى المادة 100/ب من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، والمادة 27 من قانون الإجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 فلسطيني، والمادة 31 من قانون الإجراءات الجنائية المصري رقم 50 لسنة 1950، يملكه عضو النيابة على مقتضى نص المادة 63 من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني، والمادة 96/1 من القانون الفلسطيني، والمادة 123 من قانون الإجراءات المصري، وسبب اختصاص كل من النيابة العامة والضابطة القضائية في توجيه السؤال إلى المتهم عن التهمة لأنه من إجراءات الاستدلال لا التحقيق شأنه في ذلك شأن الإجراءات الأخرى التي تقوم بها الضابطة القضائية دون تحليف اليمين . فإذا مثل المتهم أمام المحقق تعين عليه أن يسأله عن اسمه ويثبت شخصيته، ويجب بقدر الإمكان أن يكون الاسم رباعيا دفعاً لأي لبس وقد تعرض الصورة التي يرفض فيها المتهم الإدلاء باسمه وحينئذٍ إن كان من بين الأوراق ما يكشف عن الاسم فإنه يواجهه وتثبت إجابته أو امتناعه. لا يمنع هذا من السير في الإجراءات اكتفاءً بما يرد في المحضر عن شخصية المتهم بالوصف والمميزات التي يحددها على من تعرض له على أن المتهم قد يذكر اسماً غير اسمه الحقيقي وحينئذٍ قد يكون اسماً وهميّاً أو اسماً لشخص آخر، ففي الحالة الأولى -الاسم الوهمي- أن يسير في التحقيق حيث لا يشكل الفعل جريمة تأسيساً على أن حق المتهم في الدفاع يجيز له إخفاء شخصيته بكل سبيل. أما حين يوجد احتمال تشكيل الأمر لجريمة تزوير -كما في الصورة الثانية- فإن على المحقق أن يفرد محضراً خاصّاً بهذه الواقعة حتى لا يضيع تسلسل التحقيق بالنسبة للواقعة الأصلية (انظر المستشار / فرج علواني هليل : التحقيق الجنائي والتصرف فيه ، دار المطبوعات الجماعية ، الإسكندريه ، 1999، ص757 وما بعدها ، الدكتور / كامل السعيد : المحقق الجزائي ، معهد الحقوق ، جامعة بيرزيت ، سلسلة العدالة الجنائية ن فلسطين ، 2003 ن ص58) . وإثبات شخصية المتهم تتضمن أمرين، الأول إثبات المعلومات المحددة له الخاصة به أي سنه وصنعته ومحل ميلاده ومحل إقامته واسمه وشهرته حتى يمكن التعرف عليه ويكون هذا بالقدر المتيسر للمحقق ما دام يوصل إلى تحديد شخصية المتهم. والأمر الآخر هو إثبات الحالة التي عليها المتهم -وهو ما يشبه المعاينة- وذلك بوصف إجمالي لهيئته وما فيها من علامات أو آثار ظاهرة ثم بيان لملابس المتهم وما بها من آثار أو عدم وجود أية آثار، وذلك وفقاً لأهمية هذا الأمر حسب اختلاف أنواع الحوادث وإذا دعا الحال يجري فحص جسم المتهم كذلك لاحتمال وجود آثار به تفيد في تعرف حقيقة الحادث مثلاً في قضايا المشاجرات أو القتل وحالات الدفاع الشرعي وهكذا ويستتبع ما تقدم في غالب الأحوال تفتيش المتهم وإثبات ما قد يوجد معه في محضر التحقيق، فقد تسفر دقة التفتيش بمعرفة المحقق ولو من بعد تفتيش مأمور الضبط القضائي عن وجود آثار بملابس أو يضبط معه ما يثبت أو ينفي صلته بالجريمة (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص759).
وقد أوجب بذلك القانون على المحقق أيضاً عند حضوره لأول مرة بعد التثبت من شخصيته أن يحيطه علماً بالتهمة منبهاً إيّاه بأن من حقّه الاستعانة بمُحامٍ، وأن كل ما يقوله يجوز تقديمه كدليل ضده في معرض البينة عند محاكمته، المادة 196 إجراءات فلسطيني، فهذه المادة لا تتعلق بالاستجواب وإنما تتعلق بسؤال المتهم عن التهمة، وغالباً ما يكون مقدمة للاستجواب وجزءاً لا يتجزّأ منه عندما يتم من قبل عضو النيابة الذي يتولى التحقيق في.
ويجب أن يحاط المتهم علماً بسلطة المُحقق وهل هو من مأموري الضبط القضائي أو من أعضاء النيابة العامة، صحيح أنه لا يترتب على إغفال هذه الإحاطة البطلان، ولكنه قد يؤثر في اقتناع المحكمة بحالة المتهم عند إبداء أقواله ومدى هدوء روعه وبعثه في حياد المحقق (الدكتور / احمد فتحي سرور : الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية ، مصورة من طبعة 1985 ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، ص313) .
وتبدو أهمية السؤال في أنه قد يؤدي إلى توجيه المحقق بطريق من اثنين وفقاً لإنكار المتهم ما أسند إليه أو اعترافه به، ولا يعني هذا أن الأمر يقتصر على مجرد سؤال واحد، فقد تتعدد الأسئلة على أن الأمل لا يصل إلى مناقشة المتهم تفصيلاً في الأدلة القائمة في الدعوى، إذ يُعد هذا حينئذٍ استجواباً فإن أنكر المتهم ما أسند إليه سار المحقق في إجراءات التحقيق مع العناية بإثبات دفاع المتهم إن أبداه وإثبات أسماء الشهود الذين يستند عليهم في نفي الاتهام لأن الأقوال الأولى التي تبدى في هذه المرحلة تكون ذات أثر كبير في تكوين المحكمة لرأيها في الدعوى إذا طرحت عليها. أما إذا اعترف المتهم بالجريمة المسندة إليه فإنه يتعين على المحقق أن يبادر إلى استجوابه وذلك خشية أن يؤدي التريث في مباشرة هذا الإجراء إلى عدول المتهم عن اعترافه (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص 760)، وهذا يتضح بأن المشرّع لم يرتب على سؤال المتهم الآثار القانونية التي رتبها على الاستجواب والحبس الاحتياطي مثلاً لا يجوز الأمر به إلا بعد استجواب المتهم بمعرفة سلطة التحقيق ولا يجوز الأمر به بناءً على سماع الأقوال بمحضر الاستدلالات (المستشار / عدي خليل ، المرجع السابق ، ص48 ). كما أن وصف التهمة وتحديد عناصرها يتوقف على ما توجهه سلطة التحقيق للمتهم وتحقيق دفاعه بالنسبة لها على عكس الحال بالنسبة لمحضر الاستدلالات الذي يسمح فيه مأمور الضبط أقوال المتهم. فوصف التهمة إنما تتولاه النيابة العامة بناءً على تكييفها للوقائع الواردة بالمحضر وليست بناءً على ما ووُجِهَ به المُتّهم من قِبل مأمور الضبط (أستاذنا الدكتور / مأمور محمد سلامة ، المرجع السابق ، ص426 وما بعدها) .
3) مفهوم المواجهة وعلاقتها بالاستجواب وعرض المتهم:
قد يستتبع الاستجواب إجراء آخر وثيق الصلة به، وهو المواجهة، أي الجمع بين متهم ومتهم آخر أو بين شاهد إثبات والمتهم إثبات لكي يدلي كل منهما بأقواله أمام الآخر (الدكتور / كامل السعيد : المحقق الجزئي ، المرجع السابق ، ص59 ). وقد نص القانون الفلسطيني في المادة 84 منه على إجراء المواجهة بالقول "لوكيل النيابة مواجهة الشهود بعضهم البعض ومواجهتهم بالمتهم إذا اقتضى الأمر ذلك". ويلاحظ على هذا النص أنه لم ينص على مواجهة المتهمين بعضهم ببعض على عكس النص المادة 124 من قانون الإجراءات الجنائية المصري "أن يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود..... وبالإطلاع أيضاً إلى القانون الأردني نجده خالٍ من النص على المواجهة إلا نص حديثاً في التعديل الذي تم في عام 2001 حيث نص في المادة 70 من قانون الأصول الجزائية على أن "للمدعي العام مواجهة الشهود بعضهم ببعض إذا اقتضى التحقيق"، وإنني أتّفق تماماً مع الرأي القائل أنه لا يوجد مانع من إجرائه بكافة صوره ما دام أن إجراءات التحقيق قد وردت على سبيل المثال لا الحصر، شريطة أن يتفق مع القانون نصه وروحه .
وبذلك يلاحظ الصلة الوثيقة بين الاستجواب والمواجهة فيغلب أن يعقب الاستجواب المواجهة التي تكون وسيلة إلى تحري صحة أقوال المتهم ، وهذه المواجهة الشخصية تختلف عن المواجهة القولية التي يواجه المحقق المتهم بما أدلى به شاهد أو متهم آخر بالتحقيق، وبذلك تعتبر جزءاً مكملاً للاستجواب باعتبار أن الاستجواب يتضمن مواجهة المتهم بأدلة الثبوت ضدّه (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص42) .
وهذا فإن مجرد حضور متهم أقوال متهم آخر غيره أو شاهد في التشريعات التي تسمح بذلك مثل القانون المصري المادة 77 إجراءات، وذلك على عكس القانون الفلسطيني والأردني لا يعد مواجهة حتى ولو سأله المدعي العام إذا كانت ملاحظات على أقوال أيهما ما دام ذلك في حدود الاستفهام الإجمالي ودون ما استرسال في المجابهة بالأدلة ومناقشة فيها وإلا لأصبح الأمر استجواباً صريحاً (الدكتور كامل السعيد : شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ، المرجع السابق ، ص 479). ونظراً لأن مواجهة المتهم بغيره من المتهمين أو الشهود هي مواجهة بأدلة الثبوت فهي بذلك تأخذ حكم الاستجواب، ولذلك أطلق عليها البعض بالاستجواب الحكمي (الدكتور / احمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص312). ولخطورة المواجهة فقد أحاطها المشرّع بذات الضمانات التي أحاط الاستجواب بها، وقد قررت محكمة النقض المصرية امتداد ضمانات الاستجواب إلى المواجهة بالنسبة لضرورة حضور محامي المتهم (انظر نقض 28 أكتوبر 1968 ، س 19، 176)، ولذلك فهي محظورة على مأمور الضبط القضائي (تنص بأنه " المواجهة كالأسلوب هي من اجراءات التحقيق المحظورة على مأمور الضبط القضائي مباشرتها ، وكان البين من المفردات المضمونة أن الضابط أجرى مناقشة تفصيلية للمتهم ، وواجهه بما قرره الطاعن الآخر ربما اسفرت عنه التحريات ثم خلص الى توجيه الاتهام اليه ، فان ما صدر عن مامور الضبط القضائي من مواجهة الطاعن الأول بالأدلة القائمة في الدعوى ضده ومناقشته تفصيلياً فيها وتوجيه الاتهام اليه انما هو بعينه الاستجواب المحظور قانوناً على غيره سلطة التحقيق وكان الحكم قد استند ضمن ما استند اليه في ادانة الطاعن الى الدليل المستمد من هذا الاستجواب دون أن يعرض لما تمسك به الطاعن الاول من بطلانه فإنه يكون معيبا بالقصور في التسبيب " ( نقض 3 مايو سنة 1990، مجموعة احكام النقض ، س41، ص 689 ، رقم 119).
ولكن عدم مواجهة المتهم بغيره من المتهمين أو الشهود لا يترتب عليه البطلان فإن الأمر جوازي لسلطة التحقيق ولا يعتبر من قبيل المواجهة عملية عرض المتهم على الشهود للتعرف (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي : شرح القواعد العامة للاجراءات الجنائية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2007 ، ص 570)، وقضى بأن تعرف الشهود على المتهم اجراء لم يوجب له القانون شكلاً خاصاً . نقض 23 يونيه سنة 1959 ، مجموعة أحاكم النقض ، س10 ، ص 681 ، رقم 151).
ثانيا: الطبيعة القانونية للاستجواب
الاستجواب هو عمل من أعمال التحقيق بل إنه يعتبر من أخطر إجراءات التحقيق الابتدائية وأهمها (الدكتور / محمد سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص7 )، لأنه قد يفضي إلى اعتراف المتهم، ولذلك لا يكون إلا إجراء تحقيق ولا يمكن أن يكون إجراء استدلال في أية صورة، ويبطل إذا أجراه مأمور ضبط قضائي، ولذلك ذهب البعض إلى أن الاستجواب رهن بمشيئة المتهم (الدكتور / عزت صالح : الطعن الجنائي ، رسالة دكتوراه ، جامعة المنصورة ، سنة 1996 ، ص 86) ، ولكن القانون سواءً المصري المادة 131 أ.ج والفلسطيني المادة 105 والأردني المادة 112/1 في حالة القبض على المتهم يجب استجوابه في خلال 24 ساعة بل ويقع الحبس الاحتياطي باطلاً إذا لم يسبقه استجواب (المادة 134/1 أ.ج مصري، والمادة 108 فلسطيني، والمادة 114 الأردن المعد بموجب القانون رقم 16 لسنة 2001).
ولكن هذا لا يمنع سلطة التحقيق من ندب مأمور الضبط القضائي بالقيام بالاستجواب في الجُنح دون الجنايات في القانون الفلسطيني المادة 55/2 إجراءات وبذلك نجد في القانون الفلسطيني تشدد محمود في الجنايات وإن كان القانون المصري مثل نظيره الفرنسي قد قصر إجراءات الاستجواب فقط على سلطة التحقيق المادة 152 فرنسي والمادة 70/1 مصري والمادة 48 أصول جزائية أردني إلا أن التشريعات ذاتها سرعان ما أوردت بعض الاستثناءات على المبدأ السابق من شأنها إضعاف هذه الضمانة، حيث عادت وأجازت لمأمور الضبط القضائي القيام بمهمة الاستجواب متصلاً بالعمل المسند له ولازماً لكشف الحقيقة، المادة 71/2 مصري، وبالفعل فإنني أؤيد بحق الاتجاه الذي يتبنى إلغاء هذا الحق لأعضاء الضابطة القضائية ضماناً لحق المتهم في الدفاع أمام القضاء، وقصر فقط على سماع المتهم وإحالته إلى سلطة التحقيق لاستجوابه (المستشار الدكتور / طارق محمد الديراوي : ضمانات وحقوق المتهم في قانون الإجراءات الجنائية ، دراسة مقارنة ، رسالة دكتوراه منشورة ، جامعة المنصورة ، 2005 ، ص209 وما بعدها) ، علماً بأنه إذا باشر مأمور الضبط القضائي الاستجواب في الحالات التي يخشى منها فوات الوقت فلا يتقيد الاستجواب بالشكليات والضمانات التي يوجب القانون على المحقق مراعاتها عند قيامه بها (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص762). وبذلك يتجه الرأي الغالب في الفقه إلى أن الاستجواب وفقاً للقوانين الإجرائية المقارنة له طبيعة مختلطة في مرحلة التحقيق الابتدائي فيجمع بين كونه وسيلة إثبات ودفاع في ذات الوقت وتتمثل في أهمية الاستجواب في طبيعته المزدوجة وذلك من حيث إنه إجراء اتهام ودفاع في وقت واحد فهو إجراء اتهام يستهدف منه جمع الأدلة بشأن الجريمة الواقعة ونسبتها إلى المتهم، وذلك من مصدرها الأساسي وهو المتهم بارتكاب الجريمة.
فالاستجواب التفصيلي يتفق وطبيعة النظام التنقيبي في التشريعات ذات الأصل اللاتيني في مرحلة التحقيق الابتدائي أو يعد الاستجواب في هذا النظام إجراءً ضرورياً للحصول على اعتراف من المتهم، ولذلك فقد اهتم هذا النظام برسم الطريق الموصل للاعتراف فأجاز أخذه من المتهم بطريق الاستجواب (انظر في هذا المعنى الدكتور/ خليفة كلندر عبد الله حسين : ضمانات المتهم في مرحلة التحقيق الابتدائية في قانون الاجراءات الجنائية ، دراسة مقارنة ، رسالة دكتوراه منشورة ، الطبعة الأولى ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 2002 ، ص325 وما بعدها) .
وهذا على عكس ما عليه الحال في القانون الأنجلوأمريكي الذي يأخذ بالنظام الاتهامي حيث يرفض أن يكون الاستجواب طريقاً موصلاً للاعتراف، فلا يقبل هذا النظام الاعتراف إلا إذا كان تلقائيّاً (الدكتور / محمد سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص 520) .
كما يعد الاستجواب من جهة أخرى إجراء دفاع إذ يساعد على استجلاء الحقيقة وذلك بإتاحة الفرصة للمتهم ليفند ما أحاط به من الشبهات وإثبات براءته، وبالتالي الوصول إلى الفاعل الحقيقي (الدكتور / أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ،ص 312) . وهذا فإن الاستجواب يجري مع متهم هو مَن توافرت ضده أدلة وقرائن قوية كافية لتوجيه الاتهام إليه وتحريك الدعوى الجنائية قبله (الدكتور / سامي صادق الملا : اعتراف المتهم ، دراسة مقارنة ، رسالة دكتوراه ، جامعة القاهرة ، كلية الحقوق ، 1968 ،ص 26) ، وقد انفرد القانون الفلسطيني على عكس القانون المصري بتعريف المتهم، وذلك في المادة 8 إجراءات بأنه "كل شخص تقام عليه دعوى جزائية يسمى متهماً. هذا والاستجواب ممنوع في التحقيق النهائي -الذي تجريه المحكمة- ما لم يقبل المتهم أن يستجوب المادة 274 مصري والمادة 258 إجراءات فلسطيني، وذلك لأن مرحلة المحاكمة هي المرحلة الأخيرة في الدعوى الجنائية وتوجب تمكين المتهم من الحرية الكاملة في الإدلاء بما يشاء من أقوال دون دفعه إلى ذلك مضطراً فينزلق إلى قول ما ليس في صالحه، ويسفر هذا عن دليل إدانته اقتضى الأمر تصريح استجوابه أمام المحكمة (المستشار / عدلي خليل ، المرجع السابق ، ص44). ولكن توجيه بعض الأسئلة من المحكمة إلى المتهم للاستفسار عن بعض نقاط متعلقة بأدلة الثبوت فجائزة، وهو ما يطلق عليه الاستيضاح. هذا مع العلم بأن قانون الإجراءات الفرنسي في المواد 237 يسمح باستجواب المتهم باعتباره حق من حقوق الدفاع (الدكتور / أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص316)
ثالثا: مضمـون الاسـتجواب
إن أهم ما يتميز به هذا الإجراء أنه يتضمن مناقشة تفصيلية مع المتهم ومواجهته بالأدلة القائمة ضده في الدعوى، أي أن موضعه يتمثل في أسئلة المحقق وأجوبة من المتهم في شكل المحادثة بين الطرفين، فالمناقشة التفصيلية تكون العنصر الجوهري الذي ينفرد به الاستجواب عن باقي إجراءات جمع الأدلة (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص764) .
وعلى هذا فالاستجواب يجب أن يتضمن عنصرين جوهرين حتى يمكن الاعتراف بوجوده وهما المناقشة التفصيلية والمواجهة بالأدلة، فإذا تخلف أحدهما أنها ركن هام ,أصبح إجراء آخر لا يتمتع بالشكليات أو الضمانات (انظر في المعنى استاذنا الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ، ص427 ، الدكتور /أحمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص314 ، الدكتور / خليفة كلندر عبد الله حسين ، المرجع السابق ، ص 324، ، المستشار / عدلي خليل ، المرجع السابق ، ص41 ، المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص764) . مع ملاحظة أن صمت المتهم وعدم الرد على الأسئلة أو الأدلة التي توجه إليه أو يمتنع عن مناقشتها لا يؤثر على صحة قيام الاستجواب من الناحية القانونية، ويكون في حكم الاستجواب المواجهة وإعادة تمثيل الجريمة بمعرفة المتهم وادلائه بمعلوماته أثناء ذلك وأخذه لمكان الحادث لحضور معاينة وتعليقه عليها وعرض الأشياء المضبوطة عليه للتأكد من حقيقتها سماع ملاحظته عليها وتعرف الشهود عليه، كل هذه الإجراءات تعتبر من قبيل الاستجواب ( المستشار فرج علواني هليل ، المرجع السابق ،ص 764 ) ، وعليه فسوف نبحث كلاً من شكل الاستجواب وضمانات الاستجواب.
1_شكل الاستجواب
لم يحدد القانون شكلاً معيناً للاستجواب وترك ذلك لتقدير المحقق والقضاء واجتهاد الفقهاء.
أ- شفوية الاستجواب:
يجري الاستجواب شفاهة بالنسبة لأسئلة المحقق والإجابات التي يدلي بها المتهم فلا يجوز للمحقق أن يوجه للمتهم أسئلة مكتوبة أو يعرض عليه شيئاً دون أن يطلب منه التوضيحات شفاهة فليس للمتهم الحق في أن يطلع على مذكرات أو مستندات تقرأ منها الأقوال التي يدعي بها لأن إجابته تكون من ذاكرته والاستجواب يتم باللغة الرسمية للدولة، وإذا كان المتهم أجنبياً ويجهل اللغة يعين له مترجماً لكي يساعده على فهم الاتهامات وينقل إجابته ويتعين حلف المترجم اليمين ولا يجب أن يكون المترجم من شهود الدعوى كما لا يجوز للمحقق أن يقوم بهذه المهمة حتى يتفرع لعمله، وهناك مَن يرى بأنه باستطاعة النيابة العامة التحقيق مع الأصم والأبكم طالما كانت تدرك معاني الإشارات، وإن هذا خاضع لرقابة محكمة الموضوع (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص766 ، المستشار/ عدلي خليل ، المرجع السابق ، ص54) ، وإني أرى عكس ذلك بأنه يجب تعيين خبير لأن المتهم في استطاعته الطعن في أن ما أفهمته النيابة له مخالف مما أراده من إنكار التهمة المسندة إليه.
ب- محضر الاستجواب:
لا يوجد في القانون نصوص خاصّة بالقواعد الواجب مراعاتها في تدوين محضر الاستجواب، ولكن يجب أن يشتمل بعض البيانات منها:
- التاريخ: فهو عنصر هام لاستجواب ومساعد على إثبات أن الشكليات الخاصة بالاستجواب قد اتخذت في الميعاد ويجب أن يذكر اليوم والشهر والسنة وأن تحدد الساعة.
- الديباجة: يجب أن يشتمل المحضر على اسم وصفة واختصاص المحقق.
- مضمون المحضر: يدون جميع الملاحظات الخاصة بالمتهم ووصفه وملابسه والإصابات والآثار التي به واسم المتهم رباعياً وحقوقه القانونية.
- التوقيعات: يجب أن يشتمل المحضر توقيع المحقق والكاتب والمتهم، فإذا رفض الأخير يجب أن تكتب بملاحظة.
فالمحضر يجب أن يكون كافياً بذاته في تأكيد أن جميع الإجراءات والشكليات الخاصة بالاستجواب قد استوفيت على الوجه القانوني المطلوب ومع ذلك يظل خاضعاً لتقدير المحكمة المختصة دون رقابة من محكمة النقض (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق،ص 767) .
ج- ميعاد الاستجواب:
لم يقيد المشرّع سلطة التحقيق بإجراء الاستجواب في وقت معين، وذلك كقاعدة عامة (استاذنا الدكتور / مأمون سلامة ، المرجع السابق ، ص427) ، وللمحقق سلطة تقديرية فقد يؤخر الاستجواب لبعض الوقت إذا ما رأى مصلحة في ذلك، مثل أن يتمكن من جمع الأدلّة وكشف مستندات معينة (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص767) ، حتى وإن كان ظاهر النص في المادة 107/2 أن يستجوب وكيل النيابة المتهم المطلوب بمذكرة حضور في الحال، على أنه في حالة اعتراف المتهم بالتهمة المنسوبة إليه شفوياً عنها فإنه يستحسن استجوابه فوراً وقبل أي شخص آخر، وفي حالة الإنكار يفضل استجوابه بعد جمع أدلة الثبوت الأخرى لمواجهته بما أسفرت عنه، ويجوز إعادة استجواب المتهم أكثر من مرة أثناء التحقيق (الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ،ص 428) .
ولكن هناك قيد على سلطة التحقيق في الميعاد، وهي حالة المقبوض عليه، حيث يجب استجوابه فوراً إذا تعذر فيلزم أن يتم ذلك خلال أربع وعشرين ساعة على الأكثر، المادة 34 و107/2 فلسطيني، المادة 131 مصري، المادة 112/1 أردني.
2_ضمانـات الاسـتجواب
نظراً لأهمية الاستجواب سواءً بالنسبة لسلطة التحقيق أو بالنسبة للمتهم، فقد روعي في إجرائه وجوب توافر ضمانات معينة، ومن أجل هذا الاعتبار فقد نصّ المشرّع على الضمانات التالية:
أولاً- ضمان الجهة المختصة بالاستجواب:
وهي ضمانة إجرائية هامة، فهناك من الأنظمة الإجرائية ولتحقيق أكبر قدر من الحيادية والاستقلال بين سلطتي الاتهام والتحقيق يخضع التحقيق لقاضٍ مختصّ يسمى قاضي التحقيق، مثل النظام الفرنسي أو مختلط من النظام المصري، وهناك مَن، يضم سلطتي التحقيق والاتّهام معاً تحقيقاً لفاعلية الإجراءات والسرعة مثل النظام الفلسطيني والأردني، ولكن بالطبع وضمانة أخرى أنه كقاعدة عامة لا يجوز التحقيق إلا من سلطة التحقيق نفسهاً، ولا يجوز لمأمور الضبط القضائي القيام باستجواب، مع الملاحظة حالة الاستثناء في القانون المصري والندب في حالة القانون الفلسطيني ففي الجُنح فقط في المادة 55/2 إجراءات.

ثانياً- كفالة حق المتهم في أن يدلي بأقواله في حرية:
كفل المشرّع الضمانات للمتهم كي يدلي بأقواله في الاستجواب بحرية تامة دون خضوعه لأي تأثير على إرادته مهما قلّ شأن هذا التأثير
1- عدم جواز تحليف المتهم اليمين القانونية :
تذهب التشريعات الأنجلوسكسونية إلى أنه من الجائز أن يجلس المتهم في مقعد الشهود وأن يُدلي بأقواله بعد حلف اليمين القانونية (الدكتور / أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص 324 ). مثال ذلك القانون الانجليزي يسمح باستجواب المتهم بعد تحليفه اليمين على اداء الصدق اذا اراد المتهم ذلك ويلتزم المتهم بالصدق والا تعرض لعقوبة الشهادة الزور . (انظر الدكتور / سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص39) ، بينما تذهب التشريعات اللاتينية إلى عدم جواز تحليف المتهم اليمين عند استجوابه. ويجمع الفقه والقضاء أن تحليف المتهم اليمين يعتبر من قبيل الضغط الأدبي الذي تتأثر به إرادته (الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ،ص 431 ، الدكتور /أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص، 324،الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ،المرجع السابق ، ص 573 ، المستشار / فرج علواني ، المرجع السابق ، ص770، المستشار عدلي خليل ، المرجع السابق ،ص123 )، بالرغم من عدم وجود نص في القانون يحرم تحليف المتهم اليمين لكن حلف اليمين يحتم على المتهم إما أن يحلف اليمين كاذباً وينكر الحقيقة وبالتالي يخالف ضميره الديني والأخلاقي أو يضحي بنفسه ويعترف (الدكتور / سامي صادق الملا ، المرجع السابق ، ص102 ، المستشار / عدلي خليل ، المرجع السابق ، ص123 ).
وإذا كانت مبادئ الأخلاق تسمح بأن يكذب المتهم أمام العدالة ولكنها تنكر عليه أن يحلف يميناً كاذباً (الدكتور / سامي صادق الملا ، المرجع السابق ، ص102 )، وبذلك يعتبر من قبيل الإكراء المعنوي ويحدث أن يسأل المحقق الشخص على أنه شاهد وحلفه اليمين القانونية ثم بدا له توافر بعض أدلة الاتهام قبله فلا يجوز توجيه التهمة إليه في نهاية سماع شهادته، وإنما يتعين عليه استجوابه بعد بإجراء مستقل عن إجراء سماع الشهادة دون تحليفه اليمين (الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ،ص 431)، وعليه يقضي بطلان الاستجواب والاعتراف المتهم منه إذا حلف المتهم اليمين وهو بطلان متعلق بالنظام العام (الدكتور / سامي صادق الملا ، المرجع السابق ، ص106) .
وهذا ولم ينص القانون الفلسطيني (وكان القانون الفلسطيني يجيز للمتهم بأن يحلف اليمين ويدلي بشهادته إلا انه ألغي بالقانون الحالي رقم 3 لسنة 2001 . انظر الدكتور / طارق محمد الديراوي ، المرجع السابق ، ص 228 وما بعدها ، هامش رقم 1097) أو المصري أو الأردني على هذه القاعدة ولكنها مستقرة فقهاً وقضاءً بينما ينص القانون الكويتي صراحة في المادة 98 إجراءات جزائية على عدم جواز تحليف المتهم اليمين، وكذلك القانون البحريني في المادة 134/4 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والقانون اليمني في المادة 145/1 إجراءات جزائية، والقانون العراقي في المادة 126/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية، والقانون السوداني في المادة 218/4 إجراءات جزائية.
2- حماية المتهم من الإكراه:
تتمثل هذه الحماية في تحريم تعذيب المتهم لإكراهه على إبداء أقوال معينة، فإذا كان الغرض من التعذيب هو حمل المتهم على الاعتراف كان الفعل جريمة معاقباً عليها بالمادة 208 أردني والمادة 126 مصري، كما صدر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3452 في 9 ديسمبر سنة 1975 بشأن حماية جميع الأشخاص ضد التعذيب وغيره من العقوبات أو المعاملات القاسية أو غير إنسانية أو المهينة، وحظرت المادة (5) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 تعذيب المتهم، والمقصود بالإكراه هنا الآلام البدنية أو النفسية التي تصيب المتهم من جرّاء إخضاعه لوسيلة من وسائل التعذيب كالضرب أو الجَلْد وخلا منهما من وسائل التعذيب البدنية ألو التهديد بإيقاع هذا الأذى (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، الرمجع السابق ، ص574) . وتطبيقاً لذلك نصت المادة 99 من القانون الفلسطيني على أنه يتعين على وكيل النيابة قبل الاستجواب أن يعاين المتهم ويثبت الإصابات علاوة على ذلك أوجبت المادة (100) من القانون الفلسطيني على وكيل النيابة من تلقاء نفسه الأمر بإجراء الفحوصات الطبيّة والنفسية للمتهم من قبل الجهات المختصة. وإذا رأى ضرورة لذلك أو بناءً على طلب المتهم أو محاميه، وكذلك فإن الإغراء وهو كل وعد من شأنه إيجاد الأمل لدى المتهم بتحسين ظروفه إذا اعترف بجريمته ولكي يؤدي هذا الإغراء إلى بطلان الاستجواب يجب أن يصدر من شخص له نفوذ وسلطة في الدعوى (المستشار / فرج علواني هليلي ، الرمجع السابق ، ص770) ، كما يعيب الاستجواب الإكراه المعنوي ويعرض للبطلان الذي يتمثل في تهديد المتهم بضربه بقصد التأثير على الإرادة وهو يتنوع وفقاً لظروف يوجب أن تأخذ في الاعتبار جميع الملابسات المحيطة، ويلاحظ أن وجود رجال البوليس في غرفة المحقق لا يؤثر على سلامة الإجراءات وقبول الأدلة التي تسفر عنها، إلا أنه وبالقدر المتيقن منه يعد قرينة إذا ما أيدت بأمور أخرى تختلف في كل حالة على أن المتهم كان واقعاً تحت تأثير إكراه معنوي (انظر نقض 24 مارس سنة 1985، طعن رقم 7050 لسنة 54 انقضائية غير منشور ، مذكور في مؤلف الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص575) . وإنني أرى عدم وجود الشرطة داخل غرفة النيابة ضماناً وحفاظاً على حقوق المتهم من أي تأثير كان.
3- عدم إحداث إجهاد نفسي للمتهم (عدم إطالة مدة الاستجواب):
من الأساليب التي تتبع في استجواب المتهم الإرهاق وذلك بأن يعمد المحقق إلى مناقشة المتهم مناقشة تفصيلية مطولة تمتد ساعات متواصلة حتى تضعف سيطرته وروحه المعنوية ويقل تركيزه فيرغمه على الاعتراف (الدكتور سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص416 ، الدكتور / سامي صادق الملا ، المرجع السابق ، ص147 وما بعدها) . فإذا حدث ذلك فإن الاستجواب يبطل (الدكتور /أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص323 )، ورغم أنه لا يوجد معيار زمني محدد لإجراء الاستجواب إلا أن تحديد الفترة المعقولة ِلإجراء الاستجواب دون تأثير على إرادة المتهم مسألة تخضع لرقابة محكمة الموضوع (انظر حكم المحكمة في 3 سبتمبر سنة 1984 القضية رقم 2359 لسنة 1982 جنايات عابدين والمقيدة برقم 112 لسنة 1982 على وسط أمن الدولة ، وقد تصدق هذا الحكم في 6/1/1985 مشار اليه في مؤلف الدكتور/ عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص576).
وقد أكدت محكمة النقض المصرية على هذا المبدأ في العديد من أحكامها الحديثة ( نقض 23 من ابريل سنة 2003 طعن رقم 30639 لسنة 72 ف) ، ولم يحدد القانون الفلسطيني والمصري والأردني وقتاً محدداً يجري فيه الاستجواب ولم يضع حداً أقصى لمدة الاستجواب ولكن القانون السعودي حدد زمن فتح التحقيق وتوقفه وقفله بالدقيقة والساعة واليوم والشهر والسنة، وعلى القاضي إذا رأى أن التحقيق قد استغرق مدة طويلة أن يسأل المتهم عما إذا كان ذلك قد أثر في الإدلاء بأقواله أم لا (الدكتور /أحمد عوض بلال : الاجراءات الجنائية المقارنة والنظام الإجرائي في المملكة العربية السعودية ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1990 ن ص452) . وذهب القانون الفرنسي في المادة 64 من قانون الإجراءات الجنائية أي أنه ولضمان عدم إرهاق المتهم باستجوابه المطول إلى إلزام جهات الضبط القضائي أن يذكروا مدة الاستجواب وفترات الراحة التي تخللت الاستجواب، ويجب أن يوقع على هذه البيانات (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، الرمجع السابق ، ص577 ، هامش رقم 30) . ولذلك حرصت بعض التشريعات الجنائية المقارنة على تحديد الفترة التي يمكن استجواب المتهم خلالها مثل القانون الفنلندي الذي حدد وقت الاستجواب ما بين الساعة السادسة صباحاً والساعة التاسعة مساءً أو أنه لا يجوز استجواب المتهم مدة تزيد على اثنتي عشرة ساعة مرة واحدة (الدكتور /أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ،ص 323 )، وكان القانون الأرجنتيني ينص في المادة 224 من قانون الإجراءات الجزائية أنه يجب على القاضي إغلاق المحضر إذا استغرق الاستجواب مدة طويلة أفقدت المتهم صفاء تفكيره أو ظهرت عليه بوادر الإرهاق (المرجع السابق ، ص323 ، هامش رقم (1) )، ويجب على المتهم أن يدفع أمام محكمة الموضوع بأن الاستجواب كان طويلاً مما أدى إلى إرهاقه والتأثير في حريته، وللمحكمة السلطة التقديرية في قبول هذا الدفاع أو رفضه بشرط أن يكون التسبيب سائغاً (الدكتور خليفة كلندر عبد الله حسين ، الرمجع السابق ، ص348) ، كما رفض القضاء الأنجلوأمريكي الاعتماد على الاستجواب المطول فقد قررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1940 إلى أن إخضاع المتهم لاستجواب متواصل يساوي الإكراه الذي يفسد الإقرار الصادر عنه لأنه خرق لقواعد أصول المحاكمات (الدكتور /سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص416، الدكتور / سامي صادق الملا ، المرجع السابق ،ص147) . وإني أؤيد وضع تحديد معين لمدة الاستجواب في القانون الفلسطيني وحصره فقط في ساعات الدوام الرسمي.
4- أثر الوسائل العلمية الحديثة في استجواب المتهم:
يكاد ينعقد الإجماع على رفض الوسائل العلمية الحديثة وأهمها التنويم المغناطيسي وعقار كشف الحقيقة كوسائل لاستجواب المتهم حتى ولو لم يوجد نص تشريعي يقضي بتحريمه، وقد شبه بعض الفقهاء بالإكراه المادّي الذي يعدم الإرادة (الدكتور / أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص320 ، الدكتور /سامي النبراوي ، المرجع السابق ، ص481 ، الدكتور كامل السعيد : شرح قانون اصول المحاكمات الجزائية ، المرجع السابق ، ص487) . إذ يترتب عليها الحصول على معلومات من المتهم يحرص على عدم البوح بها أي أنها تنتزع منه بغير رضائية (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص578 ). ولقد صرحت بعض التشريعات بالنص صراحة على تحريم الالتجاء إلى الوسائل العلمية للحصول على الاعتراف مثال ذلك المادة 141 من قانون الإجراءات في الأكوادور والمادة 136/أ من قانون الإجراءات الجنائية لألمانيا الاتحاديّة (الدكتور /أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص322) ، بل إن المادة 613 من قانون العقوبات الإيطالي تنص على معاقبة كل من تسبب في سلب حرية الإرادة والتفكير لدى شخص ما بالتنويم المغناطيسي أو استخدام المواد الكحولية أو المخدّرة بصرف النظر عن موافقته على ذلك، ويبطل الاستجواب أيضا إذا استعمل جهاز كشف الكذب مع المتهم وكذلك القانون السويسري (الدكتور/ عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص 578 ) . وهو ما أكدت أيضاً المؤتمرات الدولية ومنها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة سنة 1962 (الدكتور / خليفة كلندر عبد الله حسين ، المرجع السابق ، ص356) ، ولا يغير من الأمر شيئاً حتى ولو رضي المتهم بالإجراء (الدكتور/ أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ، ص322 )، وعليه لا يجوز استخدام الوسائل العلمية الحديثة في استجواب المتهم.
5- عدم خداع المتهم:
ويتمثل في الطرق الاحتيالية والأسئلة الخادعة والإيحائية ويتنافى ذلك كله مع مبدأ الأمانة في التحقيق، فقد أصبح المحقق ملزماً بمراعاة الأمانة التابعة بالنسبة لما يقوم به من إجراءات، فهي تنبع من الضمير وتفرضها مبادئ العدالة، وينتج من الخروج عليها البطلان دون حاجة إلى نص يفرضه استناداً إلى أنها تعتبر مخالفة لقاعدة جوهرية مقررة لمصلحة الدفاع (المستشار / فرج علواني هليل ، المرجع السابق ، ص770 ).

ثالثاً- كفاله حق الدفاع:
من الضمانات المقررة للمتهم في الاستجواب توفير حقوق الدفاع له من ذلك التسليم بحقه في الصمت كوسيلة للدفاع وحق محاميه في أن يدعي لحضور وقت الاستجواب، وحق محاميه في الاطلاع على الأوراق قبل الاستجواب بذلك على النحو التالي:
1) حق المتهم في الصمت :
إن المشرع الفلسطيني قد تميز عن القانونين المصرين والأردني بتبنيه صراحة للرأي الفقهي الأول الذي منح المتهم الحق في الصمت، حيث نصت المادة 97/1 من القانون الفلسطيني صراحة على أن "للمتهم الحق في الصمت وعدم الإجابة على الأسئلة المتوجهة إليه" وإن كان قانون الإجراءات الجزائية اليمني قد نص في المادة 178 على عدم إجبار المتهم على الإجابة (الدكتور / كامل السعيد : شرح قانون أصول المحاكمات الجزائية ، المرجع السابق ، ص488)، ويجد هذا الحق سنده في القاعدة الدستورية أن الأصل براءة المتهم وعلى مَن يدعي عكس ذلك أن يقيم الدليل على صحة مَن يدعيه وينتج عن ذلك أنه لا يكلف إنسان بإثبات براءته، وما دام الأمر كذلك فإنه إذا اختار المتهم التزم الصمت وعدم الإجابة على أسئلة المحقق، فلا تجوز مصادقة فيما اختاره لأنه غير ملتزم بالدفاع عن نفسه (الدكتور عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص579 ). وقد استقر هذا الوضع الآن في معظم التشريعات سواء التي تنتمي إلى النظام اللاتيني مثل القانون الفرنسي المادة 114/1 إجراءات فرنسي أو المادة 78 من قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي أو تلك التي تنتمي للنظام الأنجلوسكسوني مثل القانون الإنجليزي طبقاً لقانون سنة 1898 وإن كان يوجد استثناء في قضايا إفشاء الأسرار والدولة (الدكتور / أحمد فتحي سرور ، المرجع السابق ،ص 319). كما قضت المحكمة العليا الأمريكية بأنه ليس لممثل الادعاء أن يستغل صمت المتهم كقرينة ضدّه، ومع ذلك فهناك بعض التشريعات ترفض هذا الحق للمتهم مثل قانون مقاطعة جنيف وقانون مقاطعة زيوريخ (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ن ص580) . كما أوصت بهذا الحق العديد من المؤتمرات الدولية منها المؤتمر الدولي السادس لقانون العقوبات المنعقد في روما سنة 1953 وكذلك أوصت لجنة حقوق الإنسان بهيئة الأمم المتحدة في 5 يناير سنة 1962 بهذا الحق، وقد استقرّ الفقه والقضاء في مصر على حق المتهم في الصمت بالرغم من عدم النص عليه صراحة (انظر نقض 17 مايو سنة 1960 ، مجموعة احكام النقض ، س11 ، ص467 ، رقم 90 ، طعن رقم 1743 لسنة 29 ق ) .
2) دعوة محامي المتهم للحضور:
استلزم المشرّع ضرورة دعوة المحامي للحضور أثناء الاستجواب وتمثل ضمانة للمتهم، وهذا ما نصت عليه المادة 96 و97/2 من القانون الفلسطيني، وعلة ذلك إحلال السكينة والطمأنينة لدى المتهم عندما يشعر بأن محاميه يقف إلى جانبه وما يترتب على ذلك من جعله في وضع يحسن فيه الردّ على الأسئلة والمناقشة بالإضافة إلى أن محاميه قد يقترح على المحقق توجيه أسئلة معينة للمتهم في صالحه وذلك بإذن المحقق، فإذا لم يأذن له وجب إثبات ذلك في المحضر، المادة 102/2 من القانون الفلسطيني، وهو نفس المادة 124/1 من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة بالقانون رقم 145 لسنة 2006 مصري وإن كان ينقص النص الفلسطيني في إمكانية من تلقاء نفسها المحقق أن يندب له محامياً، وللمحامي أن يثبت في المحضر ما يعني له من دفوع وطلبات أو ملاحظات، وذلك في مواد الجنايات والجنح المعاقب عليها بالحبس وجوبياً أيضاً (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص580 وما بعدها ) . وهو نفس النص في المادة 63/1 أصول أردني ويخطره بهذا الحق وله التأجيل مدة أربع وعشرون ساعة، فإذا لم يخطر يباشر في التحقيق بمعزل عنه (الدكتور / كامل السعيد : شرح قانون أصول المحاكمات ، المرجع السابق ، ص 483 ). والواقع أنه بالاطلاع إلى نص المادة 14 من الدستور الفلسطيني فقد أوجبت حضور محامٍ في الجنايات وهو ما لم ينص عليه قانون الإجراءات، وهذه إشكالية في حاجة إلى تعديل بالنص على وجوب حضور محامٍ في الجنايات وندب محامٍ للمتهم في الجنايات لخلو قانون الإجراءات الجزائية منه. هذا علماً أن حضور المحامي للاستجواب لا يقصد به أن يجيب على أسئلة المحقق نيابةً عن المتهم أو حتى يساعده في الإجابة بل بقصد المراقبة سلامة الإجراءات والاعتراض على ما يراه باطلاً (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص483). ولقد استثنى المشرّع الفلسطيني والمصري والأردني في المواد 98 فلسطيني 124 مصري 63/2 أردني في أحوال التلبس بالجريمة وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة من واجب دعوة محامي المتهم لحضور الاستجواب والحكمة المحافظة على مصلحة التحقيق وتقدير هذه السرعة متروك للمحقق تحت رقابة محكمة الموضوع .
3) حق المحامي في الاطلاع على الأوراق:
تمكيناً لمحامي المتهم من أداء واجبه في حضور الاستجواب أوجب المشرّع السماح للمحامي بالاطلاع على الأوراق أي ملف الدعوى قبل الاستجواب فيما يخص موكله استنادا إلى نص المادة 102/3 وعطفها على المادة 63 والمادة 92 إجراءات، يجوز للمتهم أيضاً تصوير أوراق التحقيق أو مستنداته وبذلك يكون القانون الفلسطيني لم يضع أي قيد على سريّة التحقيق بالنسيبة لخصوم الدعوى كافة، وهذا النص لا يوجد له نص مماثل في القانون الأردني ولكن في القانون المصري نص عليه في المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية وإن كان قيد قيده بحق رفض المحقق أو القاضي الاستجابة لطلب المحامي دون إشارة لأسباب الرفض، فجاء النص عاماً مع نص المادة 84 من حق الخصوم في تصوير التحقيق إلا إذا كان التحقيق حاصلاً بغير حضورهم بناءً على قرار صادر بذلك، وبذلك يتضح في النص المصري أيضاً وذلك قبل 24 ساعة من الاستجواب، وإلا وقع الاستجواب باطلاً، ولكنه بخلاف نسبي لأن الإجراءات مقرر لصالح المتهم فيجب أن يتمسك به صاحب الشأن كما هو الحال في ضمان حقوق الدفاع (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص584 ). ويلاحظ وبحق أهمية هذا الاستثناء الذي تقرره في التشريع المصري في المادة 125 من قانون الإجراءات الجنائية المادة (5) من القانون رقم 37 لسنة 1972، فقد استثنى المشرّع المصري الاستجواب الذي يجري في الجنايات المنصوص عليها في الأبواب الأول والثاني مكر رمن الكتاب الثاني من قانون العقوبات فيجوز أن يجري فيها الاستجواب دون أن يمكن المحامي من الاطلاع على الأوراق.
4) إحاطة المتهم علماً بالتهمة المنسوبة إليه:
وهو ما نصت عليه المادة 196 من القانون الفلسطيني والمادة 123 مصري والمادة 63 أردني وعلة هذه الضمانة هي إتاحة الفرصة للمتهم للتعرف على التهمة المنسوبة للمتهم، وتبعاً لذلك تنظيم خطة دفاع لها بالتعاون مع محاميه فيثبت فساد الاتهام ضده كما لها فائدة للمحقق من حيث أن يتيح له وضع خطة سليمة للاستجواب ويتطلب إحاطة المتهم علماً بما هو منسوب إليه وعدم الاكتفاء بإخطاره بالتهمة المنسوبة إليه على وجه إجمالي بل إخطاره تفصيلاً بالشبهات القائمة ضده كي يتاح له تفنيدها (الدكتور / كامل السعيد : المحقق الجزائي ، المرجع السابق ، ص62 ). وقد نص الدستور على هذه الضمانة في المادة 12 منه .

5) حق المتهم في الامتناع عن تمثيل الجريمة:
لقد ثار البحث في طلب المحقق من المتهم إعادة تمثيل ارتكاب الجريمة، ولذلك يرى البعض بأن المتهم غير ملزم بالمعاونة في ذلك لأن هذا العمل ليس إلا تأكيد لاعتراف الجريمة وليس للمحقق أن يفعل ذلك حالما أنه ليس للمحقق أن يطلب من المتهم الاعتراف بارتكاب الجريمة (الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص583 ). وإنني أؤيد هذا الرأي وأضيف أن الأمر يتعلق برضاء المتهم بالقيام بهذا الإجراء طواعية مثل الاعتراف الصادر منه، وهذا وقد نصت على حق المتهم في الامتناع عن تمثيل الجريمة، المادة 205 من مشروع قانون الإجراءات الجنائية الأرجنتيني.
6) حق المتهم في حضور جميع إجراءات التحقيق:
لقد نص القانون المصري صراحة في المدة 77 إجراءات جنائية على حق المتهم بل الخصوم جميعاً في الحضور جميع إجراءات التحقيق ليكون على بينة من كل ما يجري في هذا التحقيق، سواء لصالحه أو ضد صالحه، وحتى يتمكن من مناقشة من يدلون بأقوالهم في هذا التحقيق، وهذا وقد سمع المشرّع بعدم حضور المتهم إلا في حالتين حددهما على سبيل الحصر هما حالة الاستعجال وحالة الضرورة، ويترتب على مخالفة ذلك البطلان إذا منع المتهم من حضور إجراءات التحقيق . ولا يوجد هذا النص مماثل في القانون الأردني، ولكن الحال في القانون الفلسطيني يثير إشكالية حقيقة، وبالرغم من عدم وجود نص صريح كما هو الحال في المادة 77 مصري إلا أنه يوجد تأكيد على حق المتهم في حضور جميع إجراءات التحقيق، ونستند على ذلك بالنصوص التالية وإلا تعرضت الإجراءات للبطلان:
1- نص المادة 82 إجراءات فلسطيني من حق الخصوم بعد الانتهاء من سماع أقوال شاهد أن يطلبوا من وكيل النيابة أو المحقق المفوض سؤال الشاهد عن نقاط لم تَرِد في شهادته وهو تأكيد عن حضور المتهم سماع الشهود.
2- المادة 61 "يعلن الخصوم باليوم الذي يباشر فيه التحقيق ومكانه فهذا تأكيد في القانون الفلسطيني على ضرورة حضور المتهم جميع جلسات التحقيق، وهذا النص يخلق إشكالية في العمل لاستحالة حضور الخصوم وإحضار المتهم حين حضور الشهود مما يزيد من أزمة العدالة الجنائية، بل إن الأمر أكثر تعقيداً في القانون الفلسطيني، حيث لم يسمح للنيابة العامة أو المحقق استثناء هذا الإجراء في حالتيّ الضرورة أو الاستعجال كما فعل المشرّع المصري مما يعرض الإجراء للبُطلان وهو بحقّ بحاجة لتدخل المشرّع لتصويب الوضع.
7- حق المتهم في الكذب
لقد ثار خلاف حاد في الفقه بين مؤيد لهذا الحق (الدكتور/ أسامة عبد الله قايد : حقوق وضمانات المشتبه فيه في مرحلة الاستدلال ، الطبعة الثالثة ،دار النهضة العربية ، 1994 ، ص179 ) وبين رافض له (الدكتور / محمود نجيب حسني : شرح قانون الاجراءات الجنائية ، الطبعة الثالثة ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1998 ، ص575 وما بعدها) ولكن المشرّع الفلسطيني تبنى صراحة حق المتهم في الادلاء بأقوال غير صحيحة في معرض الدفاع عن نفسه سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة ، المادة 218 اجراءات وبالتالي لا اجتهاد في مورد النص
رابعا: بطلان الاســـــتجواب
يترتب على عدم مراعاة الضمانات الخاصة بالاستجواب بطلانه وبطلان ما ترتب عليه من إجراءات، ولكن يختلف نوع البطلان بحسب الضمانة التي تمت مخالفتها فيكون البطلان مطلق إذا أجرى مأمور الضبط القضائي الاستجواب أو إذا حلف المتهم اليمين أو إذا وقع عليه إكراه وكذلك اتخاذ أي وسيلة مؤثرة على حرية إرادته كالخداع أو الوعد أو الوعيد، ويكون الاستجواب نسبياً إذا خولفت قاعدة حق المتهم في دعوة محاميه للحضور في الجنايات أو إذا لم يمكن المحامي من الاطلاع على الأوراق، لأن هذه القواعد مقررة لصالح المتهم ويجب على المتهم التمسك بهذا البطلان، وإلا سقط حقه أمام محكمة الموضوع، ولا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض. ويترتب على بطلان الاستجواب بُطلان كل ما يترتب عليه من آثار مثل الاعتراف المترتب على الاستجواب، وكذلك التوقيف الاحتياطي (انظر في هذا المعنى الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ، ص431وما بعدها ، الدكتور / عبد الرؤوف مهدي ، المرجع السابق ، ص587 وما بعداه) . وإن كُنّا نؤيّد البعض من أن بطلان الاستجواب أو انعدامه لا يترتب عليه بطلان أمر الإحالة إلى المحكمة المختصة لكونه غير مترتب عليه، ولأنه من أوامر التصرف في التحقيق وما الاستجواب إلا إجراء من إجراءاته (الدكتور / مأمون محمد سلامة ، المرجع السابق ، ص432 )، هذا ويمكن تصحيح الاستجواب الباطل بإعادته مع تجنب سبب بطلانه ، بالرغم من عدم وجود نص بذلك في القانون الفلسطيني وجود نص في القانون المصري في المادة 325 إجراءات جنائية.
ومحصلة القول : إن قانون الإجراءات الجزائية الفلسطيني يتبع المدرسة اللاتينية ، ذات النظام المختلط ،في اعطائه دور بارز للنيابة العامة في مرحلة التحقيق الابتدائي وما ينبعه من سرقة التحقيق بالنسبة للعامة دون اطراف الدعوى ، ولكن في مرحلة المحاكمة فجميع اطراف الدعوى على قدم المساواة سواء أكانت النيابة العامة أو المتهم والمحاكمة علنية سواء للخصوم أو العامة وذلك لتحقيق المراقبة الشعبية مع اعطاء دور ايجابي للمحكمة في البحث عن الحقيقية ، وبالرغم من معاصرة قانون الاجراءات الجزائية الفلسطيني الا أنه يجب تعديله بعض نصوصه وبخاصة أثناء الإستجواب ، واهمها على الإطلاق هو صيانة حق الدفاع من وجوب توكيل محام اثناء مرحلة التحقيق الإبتدائي سواء كانت القضية جنائية أم جنحة.
وفي حالة عدم مقدرة المتهم انتداب محام له بصفة الزامية ، هذا بالإضافة إلى إعطاء مزيد من الضمانات للمتهم ليقف مع قدم المساواة مع صلاحيات النيابة العامة ، فكل اجراء جزائي يجب أن يحقق التوازن بين اعتبارين ، الأول :- تحقيق الفاعلية في اقتضاء حق الدولة في العقاب ، والثاني :- صيانة حقوق وضمانات المتهم ، وهي معادلة توازن يجب أن يحققها الإجراء ولا تعرض لعدم الدستورين . ولذا قيل أن قانون الإجراءات هو المرآة الحقيقية للشعوب .

2391
0

التعليقات على: ضمانات المتهم أثناء الاستجواب

التعليقات

صورة عثمان محمد

اين من الضمانات مكانة استجواب الفتاة وراي الاسلام فيه شكرا يا مستشار فرج طالب قانون واسل عن اهمية الاستجواب كاجراء
صورة osman mohammed

مساء الخير عن الاستجواب اين من الضمانات مكانة الفتاه في الاستجواب ونوعه الاسئله الموجه اليها