سلام فياض تأخر تسعين عاماً
لم يستطع القادة الفلسطينيون، او من يفترض انهم يشغلون موقع القيادة من الحاج امين الحسيني وعوني عبد الهادي في زمن الانتداب البريطاني، واحمد الشقيري ومن جاء بعده في مرحلة ما بعد قيام اسرائيل، لم يستطع اي من هؤلاء ادراك ابعاد الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي، وذلك بسبب التخلف العلمي الذي القى بظلاله على الاقتصاد والسياسة، والنشاط الثقافي المنظم، وتسبب في الافتقار الى الموضوعية والديمقراطية، واوقعنا في الشخصانية بما يتلازم معها من انحراف في الرؤية واستبداد بالسلطة.
منذ سقوط الامبراطورية العثمانية وحتى هذا اليوم فإن الدعوة الى الخدمة العامة تبدأ بشعار الوطنية في مجال السياسة، ثم تؤدي الى استبداد شخص بالسلطة، فتدور كل مجالات العمل في المجتمع لتعزيز سلطة هذا الشخص، من الاقبية الامنية الى الفصول المدرسية، ويحدث هذا في كل المجتمعات العربية ومن ضمنها المجتمع الفلسطيني ويتوجب هذا البحث في امر القيادة الفلسطينية سابقاً ولاحقاً.
وقبل الحديث عن القيادة، لا بأس من الاشارة الى احوال الناس، فقبل الحرب العالمية الاولى، كان المجتمع الفلسطيني يتكون من الفلاحين سكان القرى ومن الحضريين سكان المدن، وكان «الاعيان» يشكلون النخبة من سكان المدن. وكانت هذه النخبة تتكون من اصحاب المناصب الدينية الى جانب مالكي الارض الزراعية من سكان المدن، ومن شاغلي المناصب الادارية من ابناء الاعيان الذين درسوا في المعاهد التركية في استنبول.
وفي عشرينات وثلاثينيات القرن الماضي، في زمن الانتداب البريطاني، يمكننا الاشارة الى اتجاهات سياسية فلسطينية لم تصل الى مرحلة العمل السياسي المؤسسي المنظم. وكان الحاج امين الحسيني الذي عينته السلطات البريطانية مفتياً للقدس ورئيساً للمجلس الاسلامي الاعلى الذي يشرف على اموال الوقف، وعلى ادارة المساجد والمحاكم الشرعية، كان ابرز الشخصيات السياسية. وفي البداية نبذ الحج أمين الحسيني العنف وفضل حل القضية من خلال التعاون مع بريطانيا.
كانت هناك تيارات تعارض الحسيني، تمثلت في قوى تقليدية تنافسه كان ابرزها غالب النشاشيبي المتحالف مع الهاشميين في شرق الاردن، وفي حزب الاستقلال ومن ابرز اعضائه عوني عبد الهادي واحمد الشقيري، والشيخ عز الدين القسام الذي استشهد في كمين بريطاني «1935»، وكانت هذه القيادات متنافسة ولا تربطها علاقة بكتلة الشعب الفلسطيني.
ان انشغال القادة السياسيين في الصراعات الشخصية عن الاهتمام بالتثقيف السياسي للشعب، وتطوير قواه الاقتصادية والارتفاع بمستواه التعليمي لمواجهة التحديات الاستعمارية البريطانية والاستيطانية اليهودية اغرق هذه القيادات في العشوائية وردات الفعل، وما لبثت ان وجدت نفسها اسيرة حملة السلاح الذين رسخ في قناعاتهم ان التضحية بالنفس هي القيمة الوطنية الاسمى دون التساؤل عن النتيجة او المقابل، ودون التفريق بين الشهادة والهلاك، وبين الجهاد والانتحار. ومنذ ذلك الوقت ظلت الرصاصة الفلسطينية هي التي ترهب القادة الفلسطينيين نتيجة الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي غير المتكافىء على المستوى السياسي والدبلوماسي، والمالي والاقتصادي، والعلمي والتقني، والتسليحي والتدريبي، وعلى مستوى التحصين بين المستعمرات الاسرائيلية الاسمنتية والقرى الفلسطينية، وعلى مستوى التجسس والدعاية، فقد انهكت الثورات الفلسطينية «1936-1939»، والتي انتهت بالمذابح التي نفذها المتطرفون في المعتدلين بعد الفشل في المواجهات العسكرية للحلف البريطاني-الصهيوني في ساحة القتال، نتيجة لهذا كله كان الفلسطينيون على مستوى من الضعف عام «1947» سهل للقوى اليهودية الاستيلاء على فلسطين بلا حرب حقيقية.
وللاسف، ان التخلف الفلسطيني والعربي، وما ترافق معه من تضليل للشعوب العربية، هو الذي دفع بالعرب والفلسطينيين الى الادعاء بأنهم حاربوا حرباً لم يحاربوها، بل ان هذا الادعاء هيأ لاسرائيل الفرصة للتفاخر وادعاء البطولة، وتزييف التاريخ.
منذ العام 1917، والهزائم العربية تتوالى..فلماذا؟ اننا في كل مرة نغض الطرف عن تقصيرنا الذي انتج لنا هذه الهزائم، ومع هذا التغاضي لم نحاسب احداً من القادة السياسيين او العسكريين عن هذه الهزائم، التي لطخت تاريخنا المعاصر، لان الشعوب العربية لا تملك حق المحاسبة في غياب الديمقراطية.
اما العقل الفلسطيني فانه استبدل البناء بالغضب، وعاش على رد الفعل الغاضب والعاجز دون ان يعمل على تطوير المجتمع علمياً واقتصادياً، والاعداد لاقامة دولة عجز في النهاية عن اقامتها على ارض وطنه حتى في الجزء المخصص للعرب في قرار التقسيم.
وبعد ان نكب الفلسطينيون في وطنهم، نكبوا في قادتهم التقليديين الذين عزلوا انفسهم عن شعبهم الذي عاش في الخيام في معسكرات اللاجئين، واقام الحاج امين الحسيني في القاهرة ثم في بيروت، واصبح عوني عبد الهادي وزيراً لخارجية الاردن، اما احمد الشقيري فانه قد شغل منصب وزير دولة للشؤون الخارجية في المملكة العربية السعودية ومندوبها في الامم المتحدة، ثم جيء به ليترأس منظمة لم تكن من نسج يديه.
نهاية، نقول ايضاً بأننا لا نتحدث عن سلام فياض لشخصه، وانما لنجعل منه مؤشراً الى منهج واستراتيجية لبناء وطن يقف على ساقيه، وكم نحن في حاجة الى رواد امثال سلام فياض وصبيح المصري وعمر العقاد لاعمار فلسطين بشكل حضاري ولائق بعيداً عن الجعجعة والتهريج. لقد حان الوقت لاضافة مفاهيم جديدة للبطولة غير نفخ الاوداج.
محمد جلال عناية-كاتب فلسطيني يقيم في الولايات المتحدة الاميركية