"الطرد والتشريد لا يمكن ان يكونا سبباً للاحتفال"

94
"الطرد والتشريد لا يمكن ان يكونا سبباً للاحتفال"
"الطرد والتشريد لا يمكن ان يكونا سبباً للاحتفال"

لندن - القدس - نشرت صحيفة "ذي غارديان" البريطانية اليوم الخميس مقالاً كتبه احد كتابها المرموقين شيماس ميلن عنوانه "الطرد والتشريد لا يمكن ان يكونا سبباً للاحتفال" وذلكفي مناسبة الذكرى الستين لنكبة الشعب الفلسطيني وزيارة الرئيس جورج بوش الى اسرائيل للتهنئة. وفي ما يأتي نص المقال:

"وصل جورج بوش الى القدس امس للاحتفال بذكرى اسرائيل الستين وبحث ما سيكون اغرب اقتراح حتى الآن لتحقيق السلام: "اتفاق رف". واوضح بوش قبل مغادرته ان هذا سيكون "وصفا" لدولة فلسطينية سيتم ابرامه بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت قبل نهاية العام. والفكرة عندها ستكون وضع هذه الدولة الافتراضية على الرف الى ان يصبح الوقت مناسبا لتحويلها الى واقع. وفي خطوة مثالية، اعلن توني بلير انه نجح في التفاوض على ازالة 3 نقاط تفتيش وحاجز بالنيابة عن رباعية القوى الكبرى والامم المتحدة – من بين ما مجموعه 560 حاجزا في انحاء الضفة الغربية – ولكن اسرائيل ستزيلها فعليا "في المستقبل".

وبعبارات اخرى، فان الوضع سيظل اعتياديا، في الوقت الذي تتعمق فيه ازمة الاحتلال. وفي هذه الاثناء، فان ايا منهما لا يبدو انه فكر بأن من الصواب توجيه اي كلمات عزاء للفلسطينيين، الذين اطلقت اقامة الدولة العبرية العنان لتشريدهم ومعاناتهم الوطنية. ولهذا السبب فان اليوم – ذكرى انهاء الانتداب البريطاني في فلسطين واعلان اقامة اسرائيل – هو ايضا يوم حداد بالنسبة الى عشرة ملايين من الفلسطينيين ومؤيديهم: احياء ذكرى النكبة التي ادت الى تدمير مجتمعهم وطردهم من وطنهم. وبعد تسعين عاما على اعلان بلفور – عندما وعد وزير في حكومة بريطانية بالنيابة عن شعب ما شعبا ثانيا ارض شعب ثالث – فان انقاض اكثر من 500 قرية عربية دمرت وافرغت من سكانها عام 1948 يمكن مشاهدتها حتى الآن في جميع ارجاء اسرائيل.

وبدأ التطهير العرقي قبل شهور من انتهاء الحكم البريطاني، وفقا لما تم توثيقه بيد المؤرخين الاسرائيليين امثال بيني موريس وايلان بابي، وقبل وصول الجيوش العربية، التي حاربت في معظمم الحالات داخل ارض خصصتها الامم المتحدة لدولة عربية. مدينة يافا، التي هي الآن جزء من تل ابيب، سقطت بيد قوات الدولة الاسرائيلية الوليدة وهرب عشرات الآلاف من الفلسطينيين او طردوا منها، وبعضهم القي به في البحر بكل ما تعنيه الكلمة. ومن هناك، تم اخلاؤهم بالقوارب الى غزة، حيث 80 بالمائة من سكانها حاليا عائلات لجأت من ما يعرف الآن باسرائيل.

يجادل موريس الآن بأن التطهير العرقي مبرر لأن اي دولة يهودية "قد لا تدخل الى حيز الوجود من دون اقتلاع 70 الف فلسطيني. ولم يكن هناك خيار سوى طرد هؤلاء السكان". ومن المؤكد انها ستكون نوعا مختلفا من الدول، الا ان الطرد كان كذلك جريمة ذات آثار مدمرة على الفلسطينيين والشرق الاوسط. ومع انتهاء القتال عام 1949، وسعت اسرائيل اراضيها من 56 في المئة الى 78 في المئة من فلسطين، والغالبية العظمى من العرب، الذين شكلوا ثلثي سكان فلسطين قبل 1948، اصبحوا لاجئين ممنوعين من العودة الى ديارهم. وتكررت العملية نفسها على نطاق اضيق عندما احتلت اسرائيل ما تبقى من فلسطين عام 1967. وحتى اليوم مايزال الفلسطينيون ينتظرون الدولة التي صوتت الامم المتحدة على منحها لهم داخل اقل من نصف ارضهم – وهو ما رفضوه قبل اكثر من 60 عاما على اساس انه ظالم.

ومن العار التاريخي على بريطانيا انها لعبت هذا الدور المركزي في خلق الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني وطرد الشعب الذي وعدت ان تحميه، ولم تفعل سوى القليل لمحاولة تصحيح هذه الاخطاء. وفي رسالة التهنئة التي بعث بها (رئيس الوزراء البريطاني) غوردون براون الى اسرائيل، لم يجد ان من الممكن التعبير ولو بشكل عابر عن الاسف للمظالم الفظيعة الناجمة عن اقامتها. والحقيقة ان استيلاء مستوطنين اوروبيين على الارض الفلسطينية ما كان ليحدث الا تحت حكم استعماري، وهو واقع يوقد المرارة طويلة الامد لهذا النزاع.

وقد ولدت اسرائيل بالطبع نتيجة المثالية والرعب من الابادة العرقية في اوروبا، ويمكنها التباهي بانجازات ملحوظة. الا ان مأساة المشروع الصهيوني متمثلة في ان حق تقرير المصير اليهودي لم يتحقق الا على حساب شعب آخر. فاستقلال اسرائيل والنكبة الفلسطينية ليسا مجرد روايتين قوميتين مختلفتين وانما هما تجربتان متعارضتان كليا مما يجعل كيل المديح للقومية الاسرائيلية من جانب واحد يبدو مؤلما الى حد قاس في العالم العربي والاسلامي وما وراءه.

وفي هذه الاثناء، فان العجز الغربي عن تحمل المسؤولية عن الجرح المتسع الذي لحق بالشرق الاوسط يوفر الفرص لضياع أكثر التسويات قبولا – اي حل الدولتين الذي يشيد به الكثيرون. وفي حين ان كل الفصائل الفلسطينية هي من الناحية العملية مستعدة الآن لانهاء النزاع مقابل 22 في المئة من فلسطين التاريخية والاعتراف بحق اللاجئين في العودة، فمن الواضح انه لا توجد لدى اسرائيل او راعيتها الولايات المتحدة امكانية الالتزام، ولو من بعيد، بالسير نحو تسوية متآكلة كهذه. ومع تضاؤل احتمال قيام دولة قابلة للحياة نتيجة تقطيع الضفة الغربية الى محميات محاطة بالاسوار، والتوسع المستمر للمستعمرات والطرق المخصصة فقط للمستوطنين، فمن الواضح للفلسطينيين كذلك ان عليهم الاكتفاء بالاقل والاقل من تطلعاتهم نحو تقرير المصير والكرامة.

بالنسبة الى بعض الناس يعني هذا العودة اًلى هدف دولة واحدة للشعبين كليهما- وهو ما لا يؤيده بين اليهود الاسرائيليين سوى قلة قليلة جداً. وبالنظر الى ان فلسطين كانت وما زالت دولة واحدة تحت الحكم الاسرائيلي منذ ما يزيد على اربعين سنة – وهي مدة اطول،على سبيل لمثال، من مدة وجود المانيا الشرقية – ينجذب آخرون نحو كفاح من اجل حقوق متساوية على غرار مناهضة التفرقة العنصرية. والآن مع وجود عدد من الفلسطينيين في فلسطين مساو تقريباً لعدد اليهود الاسرائيليين، فان هذا يبدو خياراً واقعياً بصورة متزايدة.وهو يسبب ذعراً ايضاً في اوساط الطبقة المتنفذة في اسرائيل. وقد حذر اولمرت في الآونة الاخيرة: "اذا جاء اليوم الذي ينهار فيه حل الدولتين وواجهنا كفاحاً على نمط الكفاح الجنوب افريقي من اجل حقوق تصويت متساوية... فان دولة اسرائبل ستنتهي".

ان ما هو مؤكد هو ان لا مستقبل لاي من الاسرائيليين او الفلسطينيين في ادارة الوضع الراهن. فاذا لم يواجه الفلسطينيون سوى اتفاقات على الرف وقمع مستمر –وقد قتل 312 فلسطينيا برصاص الجيش الاسرائيلي هذه السنةن من بيتهم 197 مدنياً، بينما قتل خمسة مدنيين وخمسة جنود في الجانب الاسرائيلي- فان الامر المتوقع لا بد ان يكون مسلسلا متصاعدا من العنف والبؤس. ان الالتزام بالحقوق الفلسطينية يجب ان يكون في المقام الاول مسألة عدالة. ولكن بالنظر الى التسميم الذي يجلبه هذا اتلصراع الى العلاقة مع العالم الاسلامي برمتها، فان هذا الالتزام هو ايضاً مسألة مصلحة ذاتية واضحة للغرب.

94
0

التعليقات على: "الطرد والتشريد لا يمكن ان يكونا سبباً للاحتفال"

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.