سلطة النقد الفلسطينية ... إنجازات ذات دلالة تستحق الافتخار بها وتوثيقها

369

ليس من السهولة بمكان، تناول إنجازات سلطة النقد الفلسطينية بمعزل عن التغييرات والتطورات الكبيرة التي شهدتها منذ نهاية الربع الأول من عام 2005، وخاصة بعد طرحها خطة التحول الاستراتيجي التي هدفت إلى نقل سلطة النقد الفلسطينية من واقع مأزوم يغلب عليه المشاحنات غير المهنية إلى سلطة نقد مبادرة تتميز بمواصفات البنوك المركزية في كافة المجالات والقطاعات التي تقع ضمن اختصاصها وإشرافها المهني. فخطة التحول الاستراتيجي تضمنت وضع هيكلية إدارية جديدة تتوافق ونظم عمل البنوك المركزية. وإذا كان من غير الممكن في هذه العجالة التطرق بشكل تفصيلي إلى إنجازات سلطة النقد 1 ، لكن من المفيد ولخدمة السياق المنوه عنه، الإشارة إلى أبرز المنجزات ذات الدلالة والتي تستحق الافتخار بها وتوثيقها على أكثر من صعيد . فتجربة سلطة النقد تستحق التقييم والدراسة والاستفادة منها وخاصة بالنسبة لبعض الدول التي تعاني ظروفا مماثلة، كالعراق وأفغانستان ويمكن إضافة اليمن والسودان وحتى لبنان وموريتانيا وباكستان والبوسنة.
لكن من الأهمية بمكان، للقارئ والمقيًم أو المحلل، أن يأخذ بعين الاعتبار نقطتين أساسيتين، وخاصة حينما يريد أن يجري المقارنات والمقاربات المهنية بين منجزات سلطة النقد الفلسطينية وبين البنوك المركزية العربية والإقليمية:
1- مراعاة الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تعمل في ظلها سلطة النقد الفلسطينية . وبعبارة أخرى أكثر دقة وموضوعية وتشخيصا لواقع الحال، على المقيًم أن يتذكر أن سلطة النقد تعمل في ظل احتلال عسكري إسرائيلي مباشر، وهي معرضة في أي وقت لاقتحامها من قبل جنود الاحتلال، وهذا ما حصل مع أكثر من بنك وصراف في نابلس ورام الله ،بالإضافة إلى الانقسام السياسي الحاد القائم بين جناحي الوطن.
2- أن معظم الكادر المهني بمن فيهم بعض المدراء التنفيذيين، هم من الشباب في سن الأربعين عاما بالمتوسط ومعظمهم من خريجي الجامعات الفلسطينية أيضا .
وأهمية هذين الاعتبارين تتأتى من مقدرة وكفاءة الإدارة العليا في سلطة النقد، مجلس الإدارة والمحافظ ، على التكيف مع الأوضاع الغاية في التعقيد السائدة في فلسطين مما جعلها تعتمد على الإمكانيات الذاتية المتاحة وإعطائها الفرص الكاملة لإثبات كفاءتها العلمية والعملية.وحتى ندرك أهمية ما حدث وأنجز في سلطة النقد خلال الأعوام الخمسة الماضية تحديدا، علينا نتذكر بأنها المؤسسة الرسمية الوحيدة التي ما زالت تعمل بين الضفة والقطاع بمجلس إدارة واحد ومحافظ واحد.
لقد تمكنت إدارة سلطة النقد الحالية وبمهنية عالية تستحق التقدير والثناء من النأي والابتعاد بنفسها وبالمصارف التجارية والمؤسسات المتخصصة التابعة لها، عن الانقسام القائم وبذلك تمكنت من حماية النظام المصرفي ككل بالدرجة الأولى والاقتصاد الفلسطيني باعتبار الأول بمثابة المحرك والمحفز للقطاعات الاقتصادية. إن هذا الانجاز بحد ذاته يستحق أن يوثق وأن يفتخر به. فكل المصارف المركزية تمارس مهنة الرقابة والإشراف على المصارف كواجب يتم وفق القانون ، لكن ليس بإمكان كل مصرف مركزي تحقيق إنجازات ملموسة يعتد بها، ويحدث نقلة نوعية في مفهوم الرقابة والتفتيش ويتمكن من طرح تجربته على النطاق المهني ويلقى تقديرا من أقرانه في المؤسسات العربية والدولية ذات الاختصاص.
فالحكم في حال تساوي المنجزات يكون للظروف المعقدة والخطرة والاستثنائية التي يمارس في ظلها النشاط المصرفي والرقابي ورغم حداثة نشأة وتكوين سلطة النقد بالمقارنة بقدم نشأة العديد من المصارف المركزية العربية، فإنها وفقا للمقياس سالف الذكر تعتبر متفوقة عليها، نظرا لاختلاف البيئة والمناخ المهني والقانوني والاستقرار الأمني والسياسي..الخ الذي يعمل فيه كل بنك مركزي.
الانجازات الميدانية
كان لا بد أن تعكس الانجازات العامة وخاصة في مجال الرقابة والتفتيش نفسها على أداء وفعاليات ونشاطات وإنتاجية القطاع المصرفي ككل. فتطور حجم العمليات المصرفية ما هي إلا تتويجا لكل الجهود التي بذلت من كافة العاملين في سلطة النقد من أجل الارتقاء بمستوى الخدمة وتمتين العلاقة بين أطراف النظام المصرفي(سلطة النقد والمصارف)من جهة والقطاعين العام والخاص أفرادا ومؤسسات من جهة أخرى. لقد استجابت المصارف التجارية بما في ذلك الإسلامية بشكل مرضي ومقبول، بالمقارنة بالأوضاع السائدة إلى زيادة حجم الائتمان المصرفي خلال الفترة الممتدة من نيسان 2005 إلى نهاية أيلول 2010. فقد قفز الائتمان المقدم إلى مختلف القطاعات من نحو 1593 مليون $ إلى 2852 مليون $ للفترة المشار إليها، أي بزيادة 1259 مليون $ وبنسبة لامست سقف أل 80%، وبمتوسط زيادة سنوية بلغت 16%، وتعتبر هذه الزيادة كبيرة جدا وفقا لأي مقياس بالمقارنة بالدول المجاورة التي تشهد استقرارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا. ولم يتوقف الانجاز عند حدود زيادة حجم التسهيلات الائتمانية بل شمل كافة النشاطات ذات الصلة المباشرة بمصادر الأموال واستخداماتها .
ففي جانب الأصول، قفز حجمها من 5222 مليون $ إلى 8326 مليون$ للفترة محل البحث، بزيادة قدرها 3104 مليون $ وبنسبة 60% ومما لا شك في أن هذه الزيادة ذات دلالة يعتد بها وتعتبر انجازا ذا معنى يستحق وعن جدارة الافتخار به أيضا. كما سجل إجمالي الودائع قفزة غير مسبوقة، حيث أرتفع من 4443 مليون $ إلى 7060 مليون$ لنفس الفترة محل المقارنة. ولمجرد إدراك حجم الانجاز المهني الذي تحقق، فإنه يكفي أن نقول بأنه ومنذ تشكيل سلطة النقد الفلسطينية عام 1994 وحتى نهاية آذار 2005 (11 عاما) لم تزد الودائع عن 4443 مليون $ ،بينما خلال خمس سنوات فقط زادت ب 2617 مليون $، علما بان الظروف الاقتصادية والأمنية كانت أفضل مما هي عليه الآن 2 ،وحجم المساعدات الدولية والعربية كانت أكثر من تلك المتحققة في السنوات الخمس محل المقارنة. والمؤشرات المهنية التالية، وهي في غاية الأهمية تؤكد حجم المنجز الذي تحقق بين الفترتين المذكورتين:
أولا: نسبة الائتمان إلى الودائع: لم تزد النسبة قبل عام 2000 عن 29% ارتفعت بعد ذلك تدريجيا حتى بلغت نحو 35% كما هي في نهاية مارس 2005. أما نسبتها (نهاية أيلول 2010) فبلغت 41% وكل المؤشرات المتاحة وفقا للأرقام والمعطيات الأولية للربع الرابع من عام 2010، تشير إلى أنها ستصل إلى 45% من الودائع مع نهاية العام الحالي.
ثانيا : قفز رأس المال المدفوع من 278 مليون $ في نهاية آذار 2005 إلى 763 مليون $ في نهاية أيلول 2010 .
ثالثا : وعلى ضوء ما سبق فإن إجمالي حقوق المساهمين (الملكية) سجل زيادة يعتد بها، حيث قفز من 372 مليون$ إلى 986 مليون$ وكل المعطيات الإحصائية المتاحة والمتوفرة تشير إلى أنها ستتجاوز سقف المليار $ مع نهاية العام 2010 .
رابعا: تراجعت الديون المصنفة قبل أخذ الضمانات المقبولة بعين الاعتبار من 210 ملايين $ إلى 103 ملايين، للفترة محل المقارنة، أي بانخفاض نسبته 51% وهذا بحد ذاته يعتبر نجاحا للإجراءات التي اتخذتها وتبنتها سلطة النقد .
خامسا: أما الديون المتعثرة، قبل أخذ الضمانات المقبولة بعين الاعتبار فقد انخفضت من 146 مليون $ إلى 86 مليون $ في نهاية سبتمبر 2010، وبنسبة بلغت 42%. وعلينا أن نشير في هذا السياق إلى نقطة في غاية الأهمية وهي، انه لو تم أخذ الضمانات العقارية والأصول الأخرى بعين الاعتبار والتي وضعت برسم الرهن مقابل القروض والتسهيلات، لانخفضت الديون المصنفة والمتعثرة، بشكل كبير جدا وملموس. فحسابها هنا كان من باب الحذر والحيطة والاحتراس والتحفظ الإضافي .

1- سيصدر قريبا مجلد تفصيلي يستعرض إنجازات سلطة النقد الفلسطينية في كافة المجالات المهنية والتنظيمية والإدارية العلاقات الدولية.
2- باستثناء الفترة من نهاية سبتمبر 2000 حتى نهاية 2002، فقبل العام 2000 لم يكن هناك جدار والعلاقة بين جناحي الوطن كانت متطورة وتدفق وانسياب التجارة وحركة الأفراد والتحويلات المالية بالإضافة إلى وحدة المؤسسات السياسية كانت في أوجها ،بعكس الحال بعد 2005 .

369
0

التعليقات على: سلطة النقد الفلسطينية ... إنجازات ذات دلالة تستحق الافتخار بها وتوثيقها