هل بات تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين أمراً مستحيلاً؟

102
هل بات تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين أمراً مستحيلاً؟
هل بات تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين أمراً مستحيلاً؟

تل ابيب، لندن – القدس - يستنتج استاذ جامعي اسرائيلي هو البروفيسور عيران ياشيف مدرس الاقتصاد في جامعة تل ابيب وزميل الابحاث في مركز الاداء الاقتصادي في جامعة لندن للعلوم الاقتصادية من دراسة له ان تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين بات امراً مستحيلاً. وهو يقول ان غالبية الفلسطينيين المكونة من الشبان الذين تقل اعمارهم عن 18 عاماً وان الفلسطينيين سيكونون قريباً غالبية سكان المنطقة بين البحر المتوسط ونهر الاردن. ولكن يبدو من تحليله للامور انه ميال الى المجادلة لمصلحة تحويل اسرائيل دولة لليهود حصرياً مع ما يترتب على ذلك من تداعيات بالنسبة الى فلسطينيي العام 1948 وحق العودة بالنسبة الى اللاجئين الفلسطينيين. ويتحدث البروفيسور ياشيف بعبارات "مؤدبة" عن سرقة اسرائيل للاراضي الفلسطينية

اذ يشير الى ذلك بعبارة "استيعاب الاراضي".

كما انه يبدأ من الواقع على الارض كما هو اليوم من دون الالتفات الى ان اكبر العقبات في طريق السلام هي تلك التي وضعتها اسرائيل على تلك الطريق عامدة متعمدة في شكل حقائق خرسانية على الارض وحروب توسعية، وتطهير عرقي وغير ذلك من اساليب اخلاء الارض من سكانها والاستيلااء عليها. ولا يشير الى ان الحركات الاسلامية التي يبدو انها يلقي عليها بمعظم اللوم في زوال امكانية الحل انما قامت وتتصرف في اطار ردود الفعل على سلوك اسرائيل. ويتجاهل ايضاً اعلان رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل امام الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر ان الحركة تقبل بدولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة على الاراضي التي احتلت في حرب 1967.

يورد الاستاذ ياشيف استنتاجه ان السلام لم يعد ممكنا في مقال له نشرته صحيفة "انترناشنال هيرالد تريبيون" في عدها الصادر امس في الذكرى الستين لقيام دولة اسرائيل على انقاض فلسطين. وهنا نص المقال المعنون "السلام شبه المستحيل في الشرق الاوسط":

"مع زيارة وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس لاسرائيل هذا الاسبوع وتوقع وصول الرئيس جورج بوش الاسبوع المقبل، فان المحادثات حول السلام بين اسرائيل والفلسطينيين اصبحت على جدول الاعمال مرة اخرى.

ويوصف هذا السلام الصعب المنال بأنه جوهري ويمكن تحقيقه في آن معا. ولكن في الوقت الذي يمكن القول فيه ان كون السلام جوهريا هو أمر حقيقي ومرغوب فيه، فان امكانية تحقيقه تبدو على نطاق واسع تصوراً خاطئاً، اذ ان تسوية النزاع موجودة ومعروفة جيدا، ولكن لا يمكن تنفيذها في المستقبل المنظور.

ويعتقد كثير من صناع السياسة والمعلقين أن اي حل للمشكلة الفلسطينية – الاسرائيلية امر ممكن لعدة اسباب: اولها، ان الاشخاص الذين يتصفون بالعقلانية يؤمنون بالحلول العقلانية، والثاني ان النزاع يوصف بأنه "مهم للغاية" الى حد ان من المستحيل غياب حل ما، والثالث، ان الخطوط العامة لحل عقلاني كهذا قد رسمت المرة تلو الاخرى، ولذلك فان مجرد وجود حل معين يشجع على الاعتقاد بامكانية تنفيذه.

وخلال السنوات الاثنتي عشرة الاخيرة، قدمت خمس خطط صيغةً مماثلة تستند الى اقامة دولتين. وبالفعل فان الاعلان الذي صدر عند انتهاء مؤتمر أنابوليس الأخير يبني على هذا المنطق.

والسؤال هو: لماذا لا يوجد أمل كبير في التوصل الى حل عقلاني؟ السبب هو ان هناك مثبطات جدية امام صنع السلام تتعلق بالديموغرافيات وتكثيف العنف والشؤون الاقتصادية.

وبالاضافة الى ذلك فان آليات تقييم العملية تؤكد وجود هذه المثبطات. ولننظر الى العوامل الديموغرافية: ان متوسط اعمار الفلسطينيين هو 17 عاما. ومقارنة بمتوسط الاعمار الذي هو 37 عاما في الولايات المتحدة و 30 عاما في اسرائيل فان الفلسطينيين شعب شاب للغاية.

ان نسبة 85 في المئة من الفلسطينيين الذين هم تحت 40 عاما هي نسبة مذهلة، وكذلك ارتفاع عدد المواليد تحت الاحتلال الاسرائيلي الذي بدأ في حزيران (يونيو) 1967. أكثر من 40 في المئة من الفلسطينيين عايشوا الانتفاضة الثانية ضد اسرائيل كرضع او كأطفال صغار. وهذه الحقائق تعني ان غالبية السكان لم يعرفوا اسرائيل الا كقوة احتلال، في اطار اجواء يتزايد فيها العنف باستمرار.

وقد قتل اكثر من 4300 فلسطيني خلال العقد الماضي وحده. اما الذين جرحوا او روعوا فيعدون بعشرات الآلاف. ونظرا لأن من الصعب جدا تغيير قناعات الانسان عن العالم التي تشكلت في فترة الطفولة، فان احتمال ان يصبح الفلسطينيون اكثر ميلا لاسرائيل هو احتمال معدوم بالفعل.

وفي مقابلة صريحة مع مجلة "ذي نيويورك تايمز" اجراها ستيفن ايرلانغر مع احد ناشطي "حماس"، نقل عن هذا الأخير قوله: "اعتقد ان هذا الجيل سيكون جيل التحرير. واذا كان 1 في المئة من الشعب توجه الى المقاومة، فان 20 في المئة او اكثر من جيلنا سيقوم بذلك... هذا الجيل سيكون بالنسبة الينا جيش التحرير".

وتعزز آليات التقييم المؤكدة هذه المثبطات لعملية السلام. واحدها يتعلق بالوضع الاقتصادي. فمنذ العام 1999 تقلص الاقتصاد الفلسطيني بحوالي الثلث فيما يختص بدخل الفرد. وارتفع معدل البطالة من 14 في المئة الى 22 في المئة خلال الفترة بين 2000 – 2005 ، كما ان الارقام التي نشرت اخيراً تشير الى معدل مرتفع بواقع خانتين حسابيتين.

وازدادت النسبة المئوية للاشخاص تحت خط الفقر من 20 بالمائة في النصف الثاني من التسعينيات الى ما يربو على 40 بالمائة، مع تصنيف حوالي 15 بالمائة على انهم يعيشون في فقر مدقع.

وهذا الوضع يشكل ارضية تشجع الرغبين في الحصول على النفوذ من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية. واحدى تلك المنظمات هي "حماس"، التي بنت نجاحها السياسي على النشاط الخيري. ومن بين الجهات الاخرى ايران وتنظيم القاعدة.

وبالفعل، فان احد مستشاري رئيس وزراء "حماس" في غزة، اعلن في كانون الثاني (يناير) 2007 ان "حماس" تلقت من العالم الاسلامي تعهدات بتقديم مليار دولار، وخصوصاً من ايران. وتنشأ من ذلك حلقة مفرغة: فحين تزدهر المؤسسات التابعة لـ"حماس" او ايران او "القاعدة"، فان المساعدات الآتية من مصادر اخرى تقل، مما يعزز اكثر فأكثر قيمة المساعدات التي يقدمها المتطرفون.

وتتعلق آلية تقييم اخرى بالاسلام المتطرف. فمع ازدياد الصعوبات في ظروف الحياة المعيشية اليومية، فان الفلسطينيين يصبحون فريسة سهلة. وتقدم المجموعات الاسلامية العون المادي والطمأنينة الروحية. وكلما ازدادت العقيدة تصلبا، فانها تخفف اكثر فاكثر من المعاناة النفسية المتمثلة في العيش في بيئة تتسم بالعنف والفقر واليأس. ويجري تفسير الواقع الفوضوي اليائس وتأطيره برواية تحدد مفهوم الخير والشر في الوقت الذي تعد فيه بتوفير العدالة.

وبالاضافة الى ذلك، فان الحركات الاسلامية لديها اجندة اوسع تتبناها من خلال صراعها مع الغرب. وهذه المجموعات ليس عندها اهتمام فعلي بتسوية النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي، لأن هذه التسوية قد تلغي دورها. وهي تريد استخدام الوضع الفلسطيني كنقطة انطلاق لنشاطات اكثر اتساعا.

والسياسة الاسرائيلية، التي تدفع اليها مجموعات قوية من الاقليات، كان لها حصتها من المساهمات. فهناك عملية استيعاب تدريجية للاراضي الفلسطينية، حيث توجد اكثر من 160 مستوطنة اسرائيلية في الضفة الغربية. وارتفع عدد المستوطنين خلال العقد الماضي من 150000 الى 250000 مستوطن.

وباختصار، يكبر الفلسطينيون تحت الاحتلال، ويعانون العنف كحقيقة من حقائق الطفولة، ويواجهون احوال معيشية مزرية، ويساعدهم اسلاميون راديكاليون ويواجهون توغلات هجومية وعدوانية اسرائيلية داخل اراضيهم.

واذا ما نظر الفلسطينيون الى الامام، وجدوا ان هناك تطورات تعمل لصالحهم. فأولاً، يرون ان اسرائيل قد تخلت عن اراض: في سيناء في الثمانينات من القرن الماضي، وفي لبنان في ايار (مايو) 2000، وفي غزة بموجب خطة شارون لفك الارتباط في آب (اغسطس) 2005.

ويفسر كثيرون هذه الانسحابات كنتائج، على الترتيب، لحرب تشرين الاول (اكتوبر) 1973، ولهجمات حزب الله في لبنان ولهجمات "حماس" الارهابية من غزة. وثانياً، كشفت حرب تموز (يوليو) - آب (اغسطس) في لبنان مواطن الضعف الاسرائيلية. وثالثاً، الفلسطينيون مطلعون اطلاعاً جيداً على واقع المجتمع الاسرائيلي ويتعرفون الى نقاط الضعف داخل اسرائيل والتجزئة المتزايدة في مجتمعها.

واخيراً، اذا استمرت الاتجاهات الديموغرافية الحالية، فستتكون قريباً غالبية من العرب في المنطقة ما بين البحر الابيض المتوسط ونهر الاردن.

وفي مثل هذه الحالة يمكن ان يغدو حل على اساس دولتين غير ممكن عملياً بالنظر الى ان وجود العرب في اسرائيل ووجود المستوطنين اليهود في الضفة الغربية سيجعلان ترسيم خطوط حدود امراً مستحيلاً.

ان السلام امر مرغوب بسبب الحاجة الى انهاء بؤس كثيرين روعهم الصراع وألحق بهم الاذى والاضطهاد. ولكن قوى اصولية قوية تعمل ضد هذا السلام.

وقد تعززت هذه القوى السلبية عبر عقود الصراع ومن المرجح ان تستمر. وفي المستقبل المنظور، يمكن ان تنتصر ايضاً.

102
0

التعليقات على: هل بات تحقيق السلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين أمراً مستحيلاً؟

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.