المفكر الراحل البروفسور محمد أركون لـ"القدس" قبل اشهر: أؤسس للأنسنة في ذاكرتنا وأبحث عن الإيجابيات فلا أجدها كثيرا

206
المفكر الراحل البروفسور محمد أركون لـ"القدس" قبل اشهر: أؤسس للأنسنة في ذاكرتنا وأبحث عن الإيجابيات فلا أجدها كثيرا
المفكر الراحل البروفسور محمد أركون لـالقدس قبل اشهر: أؤسس للأنسنة في ذاكرتنا وأبحث عن الإيجابيات فلا أجدها كثيرا

تونس – القدس من منيرة رزقي - لا يحتاج المفكر الكبير البروفسور محمد أركون الذي رحل أول من أمس عن 84 عاما إلى تقديم فهو "الأستاذ" الذي أرسى دعائم فكر مختلف وأسس مدرسة لا تستنير بغير العقل. ولأنه أحد الكبار فإننا نجلس إليه مثل تلاميذ صغار ينهلون من معرفته الغزيرة. ولأنه خاض صراعا على امتداد أربعين عاما ضد مختلف مظاهر الجمود والمحاكاة فإن محاورته أيضا لن تكون بشكل كلاسيكي بل كما يريدها تماما، لقاء مفتوحاً، للمحاور فيه مطلق الحرية، تلك الحرية التي نذر فكره وجهوده البحثية للنضال من أجلها.ولعل من المهم أن نشير في البدء إلى أن "الأستاذ" لا يميل كثيرا إلى الأحاديث الصحافية التقليدية، بل هو يفضل لقاء فكريا مفتوحا، كما قال لي لا تقيده الأسئلة المنضبطة المعدة سلفا على أن ترقى المحاور المقترحة في البدء إلى ما يرنو إليه. التقيته لدى زيارته القصيرة إلى تونس بدعوة من كرسي الـ"يونيسكو" للأديان المقارنة بتاريخ 18 أيار (مايو) 2010 فكان هذا اللقاء المفتوح معه:سألته في البداية عن كتابه الجديد الذي صدر اخيراً بالعربية ليكون مدخلا للحديث معه وهو "الأنسنة في الإسلام: مدخل تاريخي نقدي" وعن أهم المحاور التي توقف عندها، فأجابني بأنه منشغل منذ الستينات بإشكالية الأنسنة في الثقافة والفكر العربيين، منذ أن أعد أطروحته في ستينات القرن الماضي حول "الأنسنة العربية في القرن الرابع هجري". يقول: "التقيت وقتها شخصيات فاعلة في الثقافة في بغداد وأصفهان وطهران وأجريت حـــوارات عميقة وثرية معهم لفهم تلك المرحلة". وانطلق المفكر الكبير من تلك اللحظة في التأسيس لمشروعه وهو"الإســــلام المطبق" كما يتم التفاعل معه في الحياة الاجتماعية، ولتجاوز صورة الإسلام المحنط البعيد عن المجتمعات ومعيشها الآني.ويتابع البروفسور الحديث عن معالم الانغلاق التي بدأت تبرز منذ القرن العاشر وستتدعم بشكل ملحوظ في القرن الحادي عشر وسيتواصل هذا الانغلاق إلى اليوم. بل سيحتد أكثر وسيصبح أكثر عنفا وشراسة. ويقول في هذا السياق "لم تكترث الثقافة العربية بوجوه الأنسنة في تاريخها ولم تغذ هذا الجانب ولا أحد يتحدث عن الأنسنة، وهذا مؤشر سلبي مع أن الأنسنة مهمة جدا. لهذا أنا أبحث عن مظاهرها في مختلف المراحل التاريخية.فهل يعقل مثلا أن يكون القرآن للقيام بالصلوات فحسب، ولا يطبق في معيش الأفراد". وهنا يؤكد قائلا: "نحن لا نقرأ القرآن كمؤرخين".وعن المرجعيات التي يقوم عليها الفكر العربي الراهن يقول: "نحن المغاربة وكذلك المشارقة لدينا مرجعيتان الأولى هي العربية الكلاسيكية القرن العاشر تحديدا والثانية هي الحداثة الأوروبية". وأضاف قائلا: "الاستعمار لحظة تاريخية لم تؤثر على الفكر الأوروبي الحداثي الذي يحتاجه الجميع حتى (الصين والهند وغـيرها) لكننا لخصناه في الظاهرة الاستعمارية".أما عن مرحلة بناء الدولة الوطنية المغـاربيـة (تونس والجزائر والمغرب) فيـقول "لقد قادتها الأحزاب – الدول ونحن علينا أن نقول الأشياء السلبية لتجاوزها. وأنا هنا أؤسس للأنسنة في ذاكرتنا وألتقط السلبيات وأبحث عن الجوانب الإيجابية فلا أجدها كثيرا. لابد من التأسيس لدعائم العلم والعمل في السياق السياسي والاجتماعي والثقافي".وهنا يعود المفكر الكبير محمد أركون إلى أبي حيان التوحيدي ليؤكد قوة الأنسنة في فكره، تلك الأنسنة التطبيقية وليست التجريدية.أما عن كتاب "الأنسنة في الإسلام: مدخل تاريخي نقدي" فيعود البروفسور ليقول "إنني أبحث في أحد الفصول في نقد العقل التشريعي في الإسلام الذي يتجلى في القانون الذي يحكم مجتمعنا والعلاقات القائمة فيه. إنه قانون تجاوزه الزمن لأنه يرفض ويتجاهل التطور الحاصل، فيتعامل بدونية مع المرأة. وهنا أستثني تونس التي كانت منفتحة على الحداثة منذ القرن التاسع عشر، وكانت هناك شجاعة في بداية تأسيس الدولة الوطنية من قبل بورقيبة ليحصل ما حصل على مستوى التشريع".وعندما سألته كيف نكتب التاريخ الإسلامي اليوم؟ وكيف يمكن توظيف الأفعال الثلاثة التي تقوم عليها نظريته وهي التجاوز والتحدي والتحريك؟ أجاب البروفسور قائلا: "ثمة أشياء مهمة لكتابة تاريخ الفكر أولها تخطي أو تعدي كل الحواجز الدوغمائية لأنها مهما كانت بسيطة تقود إلى التطرف. إذن لابد من الخروج من سياج الدوغمائية الذي نعيش فيه اليوم، ولا ننظر من نافذة صغيرة إلى ما يجري حولنا. وهذا عمل كبير يتطلب جهودا جبارة. ثم القيام بتحويل أو تحريك المفاهيم والمعاني من الحقل الثيولوجي أو اللاهوتي أي من الدين إلى الألسنية، لأنها حقل ملموس أو السوسوـ ألسنية أو البسيكوـ ألسنية. وهنا سنكتشف أشياء لا يمكن اكتشافها. فأنا اليوم لا أملك إلا النص القرآني وهو مثل كل النصوص ولا بد من استقرائه واستعمال الألسنية لفهمه.ثم نأتي إلى مرحلة التجاوز وهي عملية شجاعة أذهب خلالها بعيدا وأقطع مع كل المقومات الفكرية السلبية وكل المفاهيم. وهذا ينطبق على كل الأديان وليس الدين الإسلامي فحسب. إنني أقطع مع كل مفاهيمنا وأقوالنا عن الظاهرة ودراستها كواقعة أنثروبولوجية أي تحويلها من السياق اللاهوتي إلى السياق الأنثروبولوجي الذي يسمح بتوغل الفكر فيها والنقاش حولها. فكل المجتمعات اليوم تحتم مفهوم الإنسان".هذا عن المجتمعات الأخرى وماذا عنا نحن؟ هكذا سألته فأجاب محتدا إلى حد ما: "لابد من حماية الإنسان وإنسانيته. أنظري كيف يتعاملون مع المرأة، يريدون تغليفها بالأسود خلف الأحجبة كيف أسمح بهذا لأمي وابنتي وزوجتي؟ كيف أسمح بأن يضرب وجه أي امرأة؟ لا يمكن أن أقبل كل هذا السواد. وهنا لابد أن نحرر في البدء المناخ الذي نعمل فيه من الضغوط والرفض وأن تكون المسؤولية للعقل وحده. وهنا لا أنكر أن هناك صعوبة في تعليم الأديان في جامعاتنا، مع الإشارة إلى ان تونس استثناء حقا ففي بعض الجامعات الأخرى هناك أعمال تمنع من النشر ولابد أن تكون هناك حرية كاملة للفكر".سألته: إذن ينبغي أن نرفع القداسة عن النص القرآني ويقرأ في إطار تاريخية النصوص الدينية أليس كذلك؟ ينبغي الآن اعتماد أنثروبولوجيا الروحاني والمقدس، وهنا يؤكد البروفسور أركون أن "اللغة العربية تخون الفكر فينشأ الخلط فلا أستطيع أن ألج القرآن لفهم المقدس، وهو ذو منحى أنثروبولوجي، والروحاني وهو ذو منحى ديني."مفهوم الروحاني le saint يختلف من فرد إلى آخر ومن دين إلى آخر بينما المقدس le sacré هو معنى أنثروبولوجي يمس كل الأديان، فحتى في المجتمعات العلمانية يوجد هذا المعنى". ويضيف: "لقراءة القرآن اليوم ينبغي العودة إلى تحليل الخطاب بشكل ألسني وينبغي إيلاج الأنثروبولوجيا والخطاب الأسطوري mythique في قراءة القرآن وتأويله. وهنا يقر البروفسور مرة أخرى بأن اللغة العربية تخونه ولا تعبر عما يرنو إلى قوله فكلمة mythe ذات الدلالات الأنثروبولوجية تترجم خطأ في رأيه على أنها أسطورة، وهو ما لا يوافق عليه لأنه يفتقر من وجهة نظره إلى الدقة العلمية والصرامة المطلوبة في هذا السياق.ومفهموم le mythe مركزي في الفكر الغربي في مختلف مراحله ويرتبط بمفهوم لوغوس اليوناني الذي أدى إلى المنطق، وبالتالي التحليل ثم النقد وهو قلب الفلسفة اليونانية، أما الفلسفة العربية التي وظفت أرسطو فهي لم تمس مفهوم "الميتوس" الذي له خطاب ألسني مخصوص ودلالات مختلفة.ويتجلى الخطاب الميتوسي من وجهة نظره في القرآن في قصص الأنبياء مثلا موسى ويوسف وإبراهيم، وهي تخضع لتأويلات مختلفة ولا يمكن تأويلها بمعنى واحد لأن هذا يؤدي إلى الدوغمائية. ويذهب المفكر أركون إلى القول بأن المعجم الفلسفي للغة العربية سقط في دائرة النسيان لأن الفقهاء ورجال الدين والأئمة استبعدوا هذا المعجم. وهم يدعمون خطاب ولغة الفكر الدوغمائي ويضعون أقفالا على العقل. "لذلك ألاحظ على سبيل المثال أن بعض الأساتذة يستعملون كلمة أسطورة للدلالة على mythe وهو خطأ ناديت بتجاوزه منذ فترة، وأنا هنا كمن يرقص أمام العميان". ويضيف مبتسما "هذا مثل قبائلي (من منطقة القبائل) ألا ترين أنني أرقص أمام العميان حقا؟" فالخطأ في المفاهيم يقطع مع الفلسفة الثرية والعميقة القديمة ومع الأنثروبولوجيا الحديثة.وهنا يفرض السؤال نفسه هل هذا يعني أن الإسلام يتعارض مع الحداثة؟ويجيب البروفسور أركون بثقة مطلقة: "الإسلام يرفض الحداثة بل يتعامل بحذر شديد معها. حدث هذا في الماضي، أما الآن فالرفض بلغ أشده وهو يصل إلى ذروة الحدة ويتجلى ذلك في تنامي الإرهاب والعنف الديني اليوم بشكل ملموس. وأنا لا أدري متى ينفتح الفكر الإسلامي على الحداثة تماما مثل المسيحية واليهودية. نحن اليوم لا نملك شيئا وإذا توفر لنا نلقي به بعيدا. وعن حالة النوستالجيا (الحنين للماضي) التي غالبا ما يتغنى بها العرب وهم يرتمون في أحضان الماضي، يقول:"حتى النوستالجيا ذهبت ولم تعد كما كانت. إننا نعيش حالة "تسونامي" تلغي كل شيء. إننا ننغلق فكريا أكثر فأكثر". وهنا سألته عن سر عدم حماسه لكلمة الحوار فأجاب: "نعم لا أحبذ كلمة الحوار لأنها غير منتجة والحوار يفتح المجال لأي أن كان أن يقول أي شيء. وندعو في الندوات البعض الذين يقولون أي شيء ولا يعملون بمفاهيم جديدة في حقول المعرفة. وهذا لا نجد له أثرا باستثناء قلة يقومون بهذا الدور. وهنا يدعو المفكر الكبير جميع المسلمين لقراءة كتاب "اليقين السلبي" la certitude négative الذي ألفه جون لوك ماريان، وهو كاتب كاثوليكي مؤمن ويطبق تعاليم الدين. ويؤكد أن القول بأن قناعاتنا صحيحة دائما لأنها تأتي من الله مبدأ غير مبرر. وينبغي أن نتجاوز هذه الأفكار كما فعل هو مع المسيحية".ويضيف مشدداً على ضرورة فهم القرآن في مختلف سياقاته فهو كان خطابا شفويا في البدء ثم جمع في المصحف، إذن تجول من الشفوي إلى المكتوب. وهنا يتحول المعنى والدور أيضا. وهذا أمر لا أحد يكترث به. فعندما نقرأ القرآن علينا أن ندرك أنه مجموعة علامات فهو نص مكتوب. ويختلف عن الشفوي الذي يُقرأ بشكل مختلف وتلك سيميولوجيا الخطاب، فالمتكلم يستعمل جسده ونبرة صوته وحركاته ليوصل المعنى وكلها أمور تستقرأ لتفهم.في الأخير يمكن القول إن الجلوس في حضرة رجل من طينة الكبار في قامة المفكر الكبير محمد أركون يعد "درسا خاصا" قلما يتاح نظيره، فهذا العالم الذي يمتلك قوة المعرفة وتشمخ قامته في مجال الفكر لم يفقد تواضعه ولا بساطته الرائعة، ولا التزامه في المواعيد والقدرة على الإصغاء من دون إدعاء أو استعلاء، وهو يختصر نفسه بالقول: "أنا جزائري مغاربي ولست قوميا وأرفض الوطنية المنغلقة ودوغمائية الأديان".

206
0

التعليقات على: المفكر الراحل البروفسور محمد أركون لـ"القدس" قبل اشهر: أؤسس للأنسنة في ذاكرتنا وأبحث عن الإيجابيات فلا أجدها كثيرا

التحقق من المعقّب
زائرنا الكريم، نرجوا أن تكتب الرموز داخل الصورة أدناه كي يتم قبول تعقيبك، هذا الإمتحان مخصص لمنع تعقيبات السبام لا أكثر. ملاحظة: مستخدموا موقع القدس لا يخضعون لهذا الإجراء، عليك بالتسجيل كي تتجنبه أنت أيضاً.