في الذكرى الـ41 للثورة الليبية: خروج القذافي عن النمط المألوف جعل مواقفه الداخلية والخارجية تشد إليها الإنتباه (1 من 2)
في الذكرى الـ41 للثورة الليبية: خروج القذافي عن النمط المألوف جعل مواقفه الداخلية والخارجية تشد إليها الإنتباه (1 من 2)
من رشيد خشانة - أطلق الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي في الذكرى الحادية والأربعين لوصوله إلى سدة الحكم مبادرتين الأولى موجهة إلى الإتحاد الأوروبي والثانية إلى الداخل الليبي. واختار روما حيث نزل ضيفا على صديقه رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني، ليُوجه رسالة إلى الأوروبيين مفادها أنه مستعد لأن يكون شريكا في مكافحة الهجرة غير الشرعية بشرط تقديم خمسة بلايين يورو سنويا على الأقل لكي يعمل على وقف الهجرة غير الشرعية إلى ايطاليا (واستطرادا باقي أوروبا الغربية) انطلاقا من الأراضي الليبية. وعلى رغم الجدل الحاد الذي أثارته ملابسات الزيارة بين القوى السياسية الإيطالية، ما زال الإقتراح محل أخذ ورد بين العواصم الغربية المعنية على ما قال لـ
دبلوماسيون غربيون. والمهم أن الإتحاد الأوروبي في سبيله إلى ضم ليبيا رسميا إلى شركائه المتوسطيين في إطار "سياسة الجوار الجديدة"، وسيفتتح قريبا سفارة في ليبيا أسوة بسفاراته في دول الضفتين الجنوبية والشرقية للمتوسط.أما الرسالة الثانية فموجهة إلى المعارضين في الداخل والخارج إذ أعلن المدير التنفيذي لمؤسسة القذافي يوسف صوان الثلاثاء ان ليبيا ستفرج عن 37 إسلاميا من ضمنهم سائق سابق لأسامة بن لادن وأعضاء من "الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة". كما أعلن مصدر قريب من "مؤسسة القذافي" لوكالة الأنباء الفرنسية انه سيتم الإفراج قريبا عن 150 إسلاميا آخرين. وهذا يدل على خطوة حاسمة نحو تخلي الجماعة التي أعلنت انضمامها لـ"القاعدة" في 2007 عن هدفها المتمثل بإطاحة نظام العقيد القذافي واقامة دولة اسلامية مكانه. ويمكن للمراقب أن يستخلص من هاتين الحركتين أن الحكم الليبي بات طليق اليدين في الداخل والخارج وأنه يستعد لمنح نفسه عمرا ثانيا في حال رحيل العقيد القذافي، بتوريث الحكم لأحد أبنائه والمحافظة على أعمدة النظام.
ولفهم مسار تشكيل السلطة التي حلت محل نظام الملك ادريس السنوسي سألت
الباحث توفيق المنستيري المتخصص بتاريخ ليبيا المعاصر، والذي عمل أكثر من ثلاثين سنة في "المركز القومي للبحث العلمي" الفرنسي وفروعه في مدينة "أكس" الجامعية، عن أركان النظام الذي أقامه "الضباط الأحرار" في الأول من ايلول (سبتمبر) 1969، فقال إن المجتمع الليبي كان آنذاك قبليا وبدويا بنسبة 75 بالمائة. واقتصرت المدن تقريبا على طرابلس وسبها وبنغازي. كانت ليبيا بلدا قليل السكان، إذ لم يكن عددهم يتجاوز مليونين ونصف مليون ساكن في تلك الفترة، وكبير الثروة. وأشار إلى تحولين أساسيين هما قيام الجمهورية العربية الليبية في 1969 وإعلان "سلطة الشعب" في مؤتمر كبير عُقد في 3 آذار (مارس) 1973. وتضمن الإعلان فكرة الجماهيرية وتكريس شعار "من تحزب خان" وظهرت خاصة المرجعية الإشتراكية للنظام، لكنها اشتراكية من نوع خاص. أضاف المنستيري أن العناصر البدوية في الثورة أبعدت الحضر وتخلصت منهم سريعا، لأن البدوي لا يفهم ما معنى حدود أو قانون وضعي ... وهو يتهرب عادة من المدينة، ولا يثق إلا في بدوي مثله". وتابع: "تم البناء حجرا حجرا، وكان القذافي هو المنظر طيلة المرحلة الأولى قبل أن يأتي المنظرون الحاليون أمثال رجب بودبوس ومهدي امبيرش، وفهمنا من خلال متابعة مسار النظام الجديد عن كثب طيلة السبعينات أننا بإزاء نظام بدوُقراطي إن صحت الترجمة من Bedouinocratie ولسنا بصدد نظام ثيوقراطي أو أوتوقراطي أو أي نموذج من النماذج المعروفة في العلم السياسي الكلاسيكي، إذ كانت الدولة غائبة stateless لذا اهتممنا بهذا الجديد فلا رئيس بل هناك قائد، ولا أحزاب بل لجان شعبية تُسير الإدارة ولجان ثورية هي الثورة، ثم شكلوا بعد ذلك لجان المراقبة. هكذا رصدنا تكوين نظام سياسي من نوع خاص من دون الحكم له أو عليه. كان نظاما لافتا للإهتمام في نظريته التي وزعت الأدوار بين ثلاثة أهرامات:
- الإدارة التي كانت بأيدي اللجان الشعبية وهي لا تعين ولا تُنتخب وإنما تُختار بواسطة "التصعيد"، وهي التي تُصعد اللجنة الشعبية العامة أي الحكومة وهو مصطلح مرفوض لديهم، وتختار أمينها أي رئيس الوزراء، ويشمل هذا الركن البلديات أيضا إذ لا وجود لرئيس بلدية. وعلى رأس هذا الهرم يوجد "مؤتمر الشعب العام" الذي كان يترأسه في أحيان كثيرة القذافي نفسه حتى عقد الثمانينات، ثم صار آخرون يتولون المنصب.
- اللجان الثورية التي لا يعرف أحد كيف يتم "تصعيدها" ولا كيف يُنتقى أعضاؤها، وهي تحكم لكنها لا تُسير الدواليب بالمعنى الإداري، ولا تتفق أحيانا مع "اللجان الشعبية" وحتى مع "القائد" فتضطره إلى التراجع عن بعض أفكاره.
- لجان المراقبة التي تشكلت في الفترة الأخيرة بسبب عدم التفاهم بين اللجان الشعبية والثورية، وهي أيضا جهاز لا يعرفه أحد.
هذا نظام جيد على الورق لأنه يُتيح للشعب أن يدير شؤونه بنفسه أي يكرس الديمقراطية المباشرة، لكننا مع كل أسف اكتشفنا في الثمانينات أن كل ذلك صوري أو افتراضي بلغة اليوم، لأن الحكم يرجع في الواقع إلى "القائد" والجيش والقبائل، وهي قبائل مسلحة. وبدأ رفاق سلاح القذافي يبتعدون عنه ويهربون وأبرزهم عبد السلام جلود الذي احتمى بقبيلته في نهاية المطاف، مثلما أن القذافي محمي من قبيلته هو الآخر. وكما قال هو في الجزء الأخير من "الكتاب الأخضر" عن سلطة الشعب فالنفوذ الحقيقي يرجع في النهاية إلى الأقوى، بمعنى أن البقاء لـ"الأصلح".وعُدت أسأله: كيف تُحدد طبيعة النظام السياسي في ليبيا طيلة العقود الأربعة الماضية، وما هي أهم سماته؟ فأجاب: "هو نظام استبدادي يختفي وراء مظهر جذاب وظريف أحيانا Sympathic ، ولاشك أن خروجه المتكرر عن النمط المألوف يجعل مواقفه الداخلية والخارجية تشد الإنتباه وتبدو مواقف أقل ما يُقال عنها أنها شاذة، وتنزعج منها الدول العربية الأخرى. فلو ضربنا مثلا بموقفه من المرأة لوجدنا أن التشريع الليبي مُقتبس من قانون الأحوال الشخصية التونسي مع احترامه للعادات الإجتماعية وللمرجعية الإسلامية، ويظهر ذلك خاصة في مسألة تعدد الزوجات فبمقتضى القانون الليبي ينبغي على الرجل الذي يرغب في الزواج من ثانية أن يصطحب زوجته الأولى إلى المحكمة لكي تُوافق على الزيجة الثانية أمام القاضي، وكذلك الشأن بالنسبة الى الطلاق فإذا قرر الزوج الإنفصال عن زوجته يبقى البيت لها. ويمكن القول أيضا إن التطور نفسه حصل في مجال التعليم الذي تم تعميمه ونشره في كل المناطق. وبما أن المجتمع بدوي وأهله يرتحلون كثيرا، تم إيجاد مدارس متنقلة ترتحل مع القبيلة ويُدرس فيها معلمون من أبناء القبيلة. وهذا يعني أن القذافي عندما يُقيم في الخيمة اثناء سفراته إلى الخارج فتلك الرسالة ليست موجهة إلى المجتمعات الغربية وإنما إلى الليبيين ومفادها أنني لم أغادر القبيلة. قد يبدو لنا الأمر فولكلوريا لكنه رسالة قوية إلى جماعته فهم لم يختاروا رئيس دولة بل "قائدا". لاحظ أنه يتمسك بتلك الهوية القبلية ويرفض النمط الإجتماعي الحضري ولهذا أبعد كل الوزراء المنتمين إلى المدن واحدا بعد الآخر.
بهذا المعنى أعاد النظام الجديد إنتاج الزعامة القبلية، ولاحظ المنستيري أن "البدو هم الذين بأيديهم السلطة كما يريدون لها أن تكون وكما يتصورونها".
سألته: ما هي انعكاسات ذلك على بنية الدولة؟ فأجاب: "لما جاء القذافي إلى الحكم كانت ليبيا فدرالية مؤلفة من ثلاث محافظات هي برقة الملتفتة إلى المشرق العربي وكانت تحت سيطرة البريطانيين أيام الإحتلال، وطرابلس الملتفتة إلى تونس، وفزان في الجنوب وعاصمتها سبها وهي أفريقية الهوى والإرتباطات، ومن هنا جاء التوجه الأفريقي للنظام الليبي. كانت البلاد كونفدرالية في البدء، ثم صارت فدرالية فسعى القذافي إلى كسر هذه التقسيمات وواجه صعوبات، إلا أنه اختار سرت عاصمة سياسية وليست إدارية لأنها تقع في الوسط. وتقول الروايات التاريخية إن سرت نشأت بعدما اتفقت الدولة الرومانية التي كانت تحكم المشرق انطلاقا من الإسكندرية والدولة البونية التي كانت تحكم الحوض الغربي للمتوسط انطلاقا من قرطاج على وضع علامات حدودية بينهما، فأرسلتا عداءين أولمبيين أحدهما انطلق من الإسكندرية والثاني من قرطاج في لحظة واحدة وفي اتجاهين متقابلين. وكان الإتفاق أن توضع العلامات حيث يلتقيان فتلك هي الحدود. لكن القرطاجيين تذاكوا وأرسلوا عداءهم قبل الوقت المتفق عليه فكان اللقاء في سرت. فالقذافي ألغى المحافظات الثلاث قبل اختيار سرت عاصمة سياسية، ثم اضطر إلى العودة إلى نظام الولايات لكن بتقسيم مختلف لمحو الحدود السابقة، خصوصا أن اللجان الشعبية لا تحترم تلك الحدود. ومن خلال تلك التجربة صار أكثر تشبثا بفكرة الوحدة، وهي وحدة تتدرج عبر أربع حلقات: الليبية والعربية فالأفريقية ثم الإسلامية، وهي فكرة تحولت إلى هاجس مرضي يُلح عليه باستمرار. وأفضل مثال على ذلك الهزيمة التاريخية في تشاد والخسائر الكبيرة التي تكبدتها ليبيا في جميع المستويات أمام فرنسا.