Advertisement

شارك بواسطة ال SMS

الرجاء لبعث ال SMS

دول المنطقة تدفع ثمن السياسات الخاطئة للولايات المتحدة تجاه إيران

مشاهدات 67
القدس : 1 أيلول 2010
لندن - ، نشرت جريدة أخبار الخليج البحرينية مقالا بعنوان "دول المنطقة تدفع ثمن السياسات الخاطئة للولايات المتحدة تجاه إيران" من إعداد مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية جاء فيه: هل يحسم سلاح العقوبات الصراع الدائر بين الغرب وإيران على خلفية برنامج الأخيرة النووي، أم أنه الخطوة الأولى على طريق إنهاك طهران لتتبعها خطوة عسكرية تقتلع القضية من جذورها؟ سؤال أصبح مطروحًا للنقاش بشدة على الساحة الدولية، ولاسيما بعد سلسلة العقوبات المتتالية التي فرضت مؤخرًا ضد إيران، فإضافة إلى عقوبات مجلس الأمن في يونيو الماضي، أقرت دول الاتحاد الأوروبي في 26/7/2010 حزمة من العقوبات غير المسبوقة بحقها، تستهدف قطاع الغاز والنفط وحظر الاستثمارات الجديدة والمساعدة التقنية ونقل التكنولوجيا، ولاسيما في مجالي التكرير وتسييل الغاز، فضلاً عن إصدار وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جايتنر لوائح جديدة تحظر على الشركات والمصارف الأجنبية التعامل مع النظام المالي في الولايات المتحدة إذا كانت قد تعاملت مع كيانات أو أشخاص يخضعون للعقوبات الأمريكية أو تلك التي أقرتها الأمم المتحدة.

وإمعانًا في الأمر، ولتضييق الحصار الاقتصادي على إيران وتوسيع النطاق الجغرافي للعقوبات المفروضة عليها لإعاقتها عن استيراد المواد اللازمة لبرنامجها النووي، عملت واشنطن على ضمان تطبيق العقوبات الأخيرة على إيران، من خلال إجراء مباحثات مع بعض الدول العربية لدفعها إلى الالتزام بتطبيقها، علاوة على الضغط على الصين لدعم تعزيز العقوبات ضد إيران.

ورغم إدراك طهران طبيعة التحركات الغربية في هذا الشأن، فإنها واصلت تحديها للعقوبات المفروضة عليها، وهو ما تجسد في ردود الأفعال الإيرانية التي تمحورت حول اتجاهات عدة:

الأول.. الإصرار على المضي قدمًا في برنامجها النووي، من خلال إجراءات عديدة ، كإعلان البدء ببناء مركز جديد لتخصيب اليورانيوم في الربيع المقبل يضم 10 منشآت جديدة، وإصدارها قانونًا يرغم الحكومة على متابعة التخصيب بنسبة 20%، وعلى الحد من تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واعتزامها إنشاء مفاعل نووي اندماجي تجريبي، كما بدأت إيران استخدام الجيل الثاني من أجهزة الطرد المركزي، وتخصيب اليورانيوم بصورة أكثر فاعلية، حيث يتيح هذا الأمر عودة اليورانيوم المنخفض التخصيب الباقي إلى الأجهزة مرة ثانية بسهولة.

الثاني.. التهديد بالرد على أي هجوم عسكري محتمل ضدها من جانب واشنطن أو تل أبيب، فإدراكًا من جانب إيران لخطورة الوضع، وإمكانية تنفيذ التهديدات الأمريكية أو الإسرائيلية بشن هجوم عسكري عليها لإجهاض برنامجها النووي، أعلنت طهران أنها ستتبنى عدة خطوات، في مقدمتها السيطرة بشكل تام على مضيق هرمز، والتهديد باستهداف القوات الموجودة في القواعد الأمريكية في أفغانستان والعراق، ومهاجمة أي موقع تنطلق منه الاعتداءات الأمريكية ضدها، وإعلانها في 17/8/2010 تدشين أسلحة ومشاريع عسكرية جديدة.يضاف إلى ما سبق قيامها بتدشين أربع غواصات جديدة للعمل ضمن أسطولها البحري، بالإضافة إلى إنتاج منظومة صاروخية جديدة، وهو ما مثل رسالة تحذيرية من توجيه ضربة عسكرية إليها، فضلاً عن الرسائل الاستهزائية بالعقوبات المفروضة عليها من خلال تصريحات "نجاد" وبعض المسؤولين بأنها عديمة الجدوى.

الثالث.. تبني بعض الإجراءات لمواجهة الآثار الاقتصادية المحتملة للعقوبات: كالتهديد بسحب أموالها من مصارف الدول الأوروبية التي تشارك في العقوبات المفروضة عليها إلى أخرى آسيوية، وذلك لضمان إدارتها بطريقة آمنة وتسهيل تحويلها إلى سيولة نقدية، كما أكدت أنها ترغب في وقف تعاملها بالدولار واليورو واستبدال عملة أي دولة صديقة بهما، فيما شددت على تواصل علاقاتها الاقتصادية مع العراق من دون أي تأثير من العقوبات الدولية.

والملاحظ هنا وسط الشد والجذب بين إيران والغرب أن ثمة تناقضًا لافتًا في الموقف الأمريكي حيال الأسلوب الأمثل للتعامل مع التحدي الذي يمثله برنامج طهران النووي للمصالح الأمريكية في المنطقة، ما بين تيار يحبذ خيار الحرب ويقوده رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، الأدميرال "مايك مولن"، الذي تحدث مؤخرًا عن وجود خطة أمريكية جاهزة لضرب إيران، في حال ثبوت امتلاكها السلاح النووي، وهو ما دفع الأخيرة للتهديد بأن أي اعتداء عليها سيؤدي إلى محو الكيان الإسرائيلي من الوجود، وبين تيار مقابل يقوده "أوباما" يعيد إلى الواجهة مسألة التفاوض للتوصل إلى تسوية سلمية للملف النووي مع إيران، وذلك بموازاة ما اعتبره تصاعدًا لفعالية العقوبات على طهران.

وبين هذا وذاك، يأتي تيار ثالث يضم مجموعة مسؤولين استخباراتيين، حاليين وسابقين، يحذر "أوباما" من قيام إسرائيل خلال سبتمبر المقبل، بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، بغية توريط واشنطن في حرب واسعة، وقد نصح أنصار هذا التيار الرئيس الأمريكي بعدم الوثوق برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

ومع أن الواضح أن عودة أوباما للتوجه الدبلوماسي إزاء إيران، جاءت جزئيا كنتيجة لتصاعد فعالية العقوبات عليها، بسبب التعاون من قبل حلفاء أمريكا، ولأن الإيرانيين أصبحوا أكثر هشاشة، إلا أن السبب الأكثر أهمية وراء ذلك هو "مواجهة طهران مشاكل تقنية كبيرة، نتيجة تصميمات سيئة أو تخريب متعمد"، حيث نقل عن مسؤول أمريكي بارز قوله إن عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة في مفاعل نطنز لا يتجاوز 3800 جهاز تعمل بمستوى 60% من طاقتها الأساسية. ومن هنا، فإن إيران لن تتمكن من تصنيع أي أسلحة نووية خلال عام أو عامين، بسبب "الأزمات التقنية، والمراقبة العدائية من الاستخبارات الأمريكية".

ولعل مما يدفع في هذا الاتجاه هو استمرار التباينات الدولية، وخاصة في إطار اللجنة السداسية الدولية، حول طبيعة التعامل مع إيران بعد إصدار مجلس الأمن الدولي مؤخرًا قراره رقم 1929 والإجراءات الأحادية التي اتخذتها الولايات المتحدة وعدد من الدول، من ضمنها دول الاتحاد الأوروبي، بعد صدور هذا القرار، علاوة على حرص دول جوار إيران على تجنب تكرار تجربة النموذجين الأفغاني والعراقي، وخاصة بعد اتفاق طهران الثلاثي (إيران، تركيا، البرازيل) حول مبادلة اليورانيوم الإيراني المنخفض التخصيب بيورانيوم روسي- فرنسي أعلى تخصيبًا على أراضي تركيا، بوصفه مخرجًا من الأزمة القائمة، ويندرج في إطار رزمة حلول لهذا الملف.

وتضاف هذه التطورات بمجموعها إلى الاقتراح الإيراني الأخير حول حوار غير مشروط في سبتمبر القادم نقلته طهران إلى مجموعة فيينا (روسيا، أمريكا، فرنسا) وإلى مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضًا، ولعل هذا ما يبرر إلى حد ما، التباينات في المواقف الأمريكية والدولية، ويؤكد أهمية الأسابيع القليلة القادمة في كيفية تحديدها التعاطي مع هذا الملف وتداعياته.

وربما يكون الموقف التركي إزاء التطورات الأخيرة لأزمة الملف النووي الإيراني، من العلامات البارزة بهذا الشأن، فأنقرة كانت أحد الأطراف الرئيسية في التوصل إلى اتفاق مبادلة الوقود النووي مع إيران، ومما زاد من أهمية الموقف التركي تجاهل أنقرة الحظر الأمريكي على بيع البنزين لإيران.. الأمر الذي جعلها تستفيد ليس فحسب ماليا من تلك المسألة، وإنما أيضًا في تعزيز صورتها كقوة إقليمية ناشئة، رغم استبعاد بعض المراقبين أن تغامر أنقرة بتجاهل واشنطن فترة طويلة، حيث سبق للولايات المتحدة أن غضت الطرف بدرجة كبيرة عن قيام تركيا حليفتها في حلف شمال الأطلسي بتعزيز روابطها السياسية والاقتصادية مع إيران في إطار سياسة أنقرة الطويلة الأمد بشأن الطاقة.

لكن أسلوب التسامح الذي اتبعته واشنطن قد ينتهي إذا واصلت تركيا الاستفادة من العقوبات الأمريكية أو تعزيز روابطها مع الجمهورية الإسلامية لتتجاوز الشراكة الرمزية، وقد تستهدف الولايات المتحدة الشركات التركية التي تبيع البنزين لإيران إذا فشلت الجولة التالية من الدبلوماسية، وهو ما تجسد في ربط "أوباما" بين مبيعات الأسلحة إلى تركيا وموقف أنقرة من تل أبيب وطهران؛ حيث ذكرت تقارير صحفية أن الرئيس "أوباما" حذر رئيس الوزراء التركي "رجب طيب أردوجان" من أن عدم قيام بلاده بتغيير موقفها من إسرائيل وإيران، سيترتب عليه تضاؤل فرصة حصولها على الأسلحة الأمريكية التي ترغب في شرائها.

وهنا أيضًا يبرز الدور الروسي، فرغم التهديدات التي وجهها الرئيس "ديميتري ميدفيديف" إلى إيران حول احتمالات انضمام بلاده إلى عقوبات جديدة في حال عدم التزامها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والالتزام بمقررات المجتمع الدولي، فإن الأحداث تشير إلى استمرار العلاقات الروسية - الإيرانية على ما هي عليها من توافق؛ حيث وقع وزير الطاقة الروسي "سيرجي شماتكو" ووزير النفط الإيراني "مسعود مير كاظمي" في موسكو يوم 14/7/2010 اتفاقا لوضع إطار للتعاون في مجال النفط والغاز، إلى جانب الاتفاق حول إنشاء بنك مشترك لتمويل المشاريع التي ستنفذها شركات البلدين في هذه المجالات، بجانب الرفض الروسي للعقوبات الأوروبية الجديدة، وإعلان موسكو تشغيل مفاعل إيران النووي في بوشهر مؤخرا.

وبعد هذا العرض نأتي إلى الإجابة عن الجزء الصعب من السؤال الرئيسي للموضوع، وهو هل يؤدي التصعيد المتبادل بين الغرب، وتحديدًا الولايات المتحدة، وإيران إلى وصول الطرفين إلى مرحلة الصدام ونقطة اللاعودة؟

في حقيقة الأمر، ثمة خياران رئيسيان بهذا الصدد: الأول: خيار مواصلة التفاوض، والثاني: خيار المواجهة العسكرية والحرب.

وفيما يتصل بالخيار الأول.. وفي خطوة لتخفيف حدة الأزمة وتمهيد الطريق أمام دبلوماسية جديدة، بحث وزراء خارجية إيران وتركيا والبرازيل - في لقاء هو الأول منذ إصدار مجلس الأمن يوم 9/6/2010 دفعة رابعة من العقوبات بحق إيران - الحل الذي طرحوه لتسوية الأزمة النووية الإيرانية، ودعت خلاله تركيا والبرازيل طهران إلى التفاوض بـ "ليونة" و"شفافية" مع الدول الغربية، فيما أكدت إيران استعدادها للشروع فورًا بمفاوضات مع الدول الكبرى حول عرض تبادل الوقود النووي الذي سبق أن تقدمت به في مايو2010.

وعلى ما يبدو، فقد لجأت الدول الغربية إلى استخدام ورقة الـنـفـط لإجبار إيران على الجلوس إلى مائدة المفاوضات.. ومن الدلائل على ذلك: التقرير الذي صدر عن مجلس السياسة الخارجية الأمريكية بعنوان "نحو حرب اقتصادية ضد إيران" يتطرق إلى بعض التدابير المحتملة التي قد تدفعها إلى الجلوس إلى طاولة التفاوض من أجل التوصل إلى حل سلمي.

ويصب في هذا الاتجاه أنه رغم العقوبات الأوروبية المفروضة عليها، يبدو أن ثمة توجهًا من جانب طهران لاحتواء الأزمة مع الغرب، وذلك بإعلانها اعتزامها استئناف المفاوضات معه، وكذلك إعلان واشنطن استعدادها التفاوض مع إيران.

أما الخيار الثاني والخاص بالمواجهة العسكرية، فتؤيده شواهد عدة، فقد شهدت الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في دعوات توجيه ضربة عسكرية إلى إيران في أجهزة الإعلام الأمريكية وعلى لسان مسؤولين سابقين ومحللين بارزين، منها تأكيد المدير السابق للاستخبارات المركزية الجنرال مايكل هايدن أن توجيه ضربة عسكرية إلى إيران بات الآن أكثر احتمالاً، علاوة على التقارير الأمريكية بشأن احتمال قيام إسرائيل بمهاجمة إيران في غضون عام، من دون الحصول على موافقة من واشنطن، وذلك إذا ما رأت أن ذلك هو الحل الوحيد لوقف مسيرتها النووية.

وفوق هذا وذاك، والمرة الأولى خرجت المؤسسة العسكرية الأمريكية عن تحفظها المعتاد إزاء خيار استخدام القوة العسكرية ضد إيران؛ حيث أكد الأدميرال "مايكل مولن" أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة لمنعها عن تطوير أسلحة نووية، من خلال استخدام الخيارات العسكرية التي ستظل على الطاولة الأمريكية بالرغم من عواقبها.. وتأكيدات "مولن" هذه تحمل رسالة طمأنة لإسرائيل، وتحذيرًا بنبرة مختلفة لطهران، خاصة بعد الزيارة التي قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي "إيهود باراك" لأمريكا، وكانت أساسًا تركز في إيران، وجبهاتها في المنطقة ("حزب الله" و"حماس").

ولعل ذلك ما دفع البعض إلى القول إن العقوبات الأخيرة تنطوي على رسالة سياسية مهمة قد تجبر إيران على الإذعان، هذه الرسالة هي أن خيارات الغرب الدبلوماسية بدأت تنفد، وأن الحرب قد تحدث وإذا حدثت فستقضي على الأخضر واليابس في المنطقة وستدمر كل ما أنجز على مدى خمسة عقود، ولذا مطلوب من دول المنطقة أن يكون لها صوت واضح ومسموع بأنه لا حرب مع إيران والحوار والدبلوماسية هما الحل الأمثل لهذا المأزق الذي هو نتاج سياسة أمريكية نحن ندفع ثمنها.

تسجيل الدخول