تأثير باكستان في إيران
، نشرت جريدة الجريدة مقالا بعنوان تأثير باكستان في إيران بقلم براكش شاه* و رامش تاكور* مقالا بعنوان "تأثير باكستان في إيران" جاء فيه: تميل الولايات المتحدة، شأنها شأن غيرها من البلدان، إلى إصدار تقييمات لسياسات البلدان الأخرى لا تخدم سوى مصلحتها. لهذا السبب غفلت واشنطن عن العامل الإيراني باعتباره التفسير الأكثر ترجيحاً وراء غموض صدام حسين المتعمد بشأن امتلاكه أسلحة دمار شامل.ترتكب واشنطن خطأً مماثلاً على الأرجح في ما يتعلّق بدوافع إيران النووية. فالهواجس الأمنية الإيرانية مركزة شرقاً على باكستان بقدر ما هي مسلطة غرباً على إسرائيل، لذا لعل سعي إيران إلى امتلاك أسلحة نووية يهدف إلى مضاهاة التهديد السنّي، لا الإسرائيلي فحسب.
لا شك في أن سياسة إيران الأمنية، على غرار معظم البلدان الأخرى، محفّزة بدوافع عدّة. وكذلك كما البلدان الأخرى، يجب أن تستعد إيران للأسوأ بينما تأمل للأفضل. بما أن العراق هوجم واحتُلّ بعد أن نُزعت أسلحته، تملك البلدان الأخرى التي لديها سبب منطقي للتخوف من أي اعتداء أميركي، دافعاً قوياً للاستحصال على أسلحة نووية لدرء مثل هذا الهجوم.
وبالنظر إلى التاريخ الطويل والمؤسف للتدخل الغربي في الشؤون الإيرانية، فضلاً عن الخطاب العدواني المستمر ضد النظام الإيراني، لا تستطيع طهران تجاهل إمكان شن هجوم مسلّح ضدها.
علاوةً على ذلك، في ظل كثرة البلدان المجاورة المسلحة نووياً، إسرائيل إلى الغرب، روسيا إلى الشمال، وباكستان، والصين والهند إلى الشرق، سيوصي أي مخطط حذر للأمن القومي الإيراني على الأرجح بتسريع برنامج البلاد النووي.
باشرت الصين بشكل مدروس نشر أسلحة نووية إلى باكستان في عام 1982 مع نقل كمية من اليورانيوم المستخدم في صناعة الأسلحة ومخطط لتطوير قنبلة نووية كانت الصين قد اختبرتها. وقد نفذت الصين بالنيابة عن باكستان أول اختبار نووي خلال زيارة رئيسة الوزراء بنازير بوتو في عام 1990. لهذا السبب تمكنت باكستان من الرد على اختبارات الهند النووية في عام 1998 في غضون أسبوعين.
تساهم عملية تسليح باكستان نووياً بدورها في تحويل البرنامج الإيراني إلى حاجة ملحة، إذ تملك باكستان اليوم الترسانة النووية الأسرع تطوراً في العالم. يُذكَر أن واشنطن دفعت بالهند وباكستان إلى الجهر ببرنامجهما النووي في عام 1998، وذلك عبر تجاهلها ورفضها تحذيرات الهند من برنامج تسلح باكستاني بمساعدة الصين.
كذلك، عبر تجاهل العامل الباكستاني كمحفّز لسياسة إيران النووية، قد تكون واشنطن بصدد التخفيف من النفوذ التي تمارسه ضد أفعال إيران. وعبر تسليط التهديد الناجم عن احتمال امتلاك إيران أسلحة نووية على إسرائيل، يدرج الغرب المشكلة ضمن أجندته التي يسعى فيها إلى الحد من انتشار الأسلحة النووية ويبقي احتمال الملاذ الأخير بشن إسرائيل هجوماً وقائياً على إيران مفتوحاً.
لكن ذلك ليس سبباً يدعو بقية دول العالم إلى إلقاء مهمة قيادة المفاوضات في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة معاً، على عاتق البلدان الغربية.
يأتي موقف إيران العدواني في الشرق الأوسط جزئياً كرد فعل على مخاوفها من أن تهزمها البلدان السنيّة المحيطة بها. فإيران جزيرة شيعية محاطة ببلدان سنّية، عربية وغير عربية. العراق من جهته بلد شيعي بأغلبيته، إنما تنظر إليه إيران بعين الريبة بسبب سنوات الحكم السنّي خلال عهد صدام حسين وتردد الأميركيين في تشكيل حكومة عراقية ذات أغلبية شيعية.
يُشار إلى أن الحرب الإيرانية-العراقية التي استمرت عقداً من الزمن، حين كان العراق خاضعاً لحكم أقلية سنّية بزعامة صدام حسين، كانت مدعومة من الكويت والسعودية فضلاً عن دول عربية أخرى مجاورة. فضلاً عن ذلك، تجاهل الغرب بكل تهذيب العدوان العراقي وفرضت الأمم المتحدة أيضاً مساواةً أخلاقية بين الجاني وضحية العدوان. لكن إيران لم تنسَ كل ذلك.
أمّا باكستان، القوة النووية المسلمة الوحيدة في العالم، فهي مجاورة مباشرةً لإيران، وكذلك أفغانستان، لكن طهران تعارض سيطرة "طالبان" على هذه الأخيرة، على حساب الهزارة الشيعة الذين يشكّلون نسبةً كبيرة من السكان.
في المقابل، تفرض ترسانة باكستان النووية المتنامية، بمساعدة الصين، تهديدات على إيران: منها احتمال وقوع الأسلحة النووية الباكستانية بين أيدي "طالبان" أو "القاعدة"، المكروهين من الإيرانيين، كما من الهند والغرب. لذلك تنتاب إيران هواجس من أن تكون باكستان الملاذ الأخير الذي يزوّد البلدان السنّية المعادية لإيران الشيعية بالمواد والأسلحة النووية. ففي النهاية، حاولت ليبيا شراء أسلحة نووية من شبكة عبدالقادر خان المشهورة، المدعومة من القوّات المسلّحة الباكستانية، وقد اتُّهمت الشبكة عينها بالمساعدة في البحث عن أسلحة دمار شامل في العراق.
وهكذا إن كان السعي الإيراني وراء الأسلحة النووية يُعتبر بحثاً عن الأمن في منطقة سنّية عدائية، لا رغبةً في تدمير إسرائيل فحسب، فذلك يفتح الاحتمالات على حلول أخرى غير ذلك القائم على المقاربة الراهنة فحسب.
في المقابل، تخشى البلدان الواقعة في جوار الخليج العربي من تسلّح إيران نووياً بما أنها تشكّل أول خط للهجوم بأي سلاح نووي إيراني، لكنها ليست مستعدة تماماً لمعارضة طموحات إيران النووية علناً طالما أن إسرائيل تمتلك أسلحة نووية هي الأخرى.
نظراً إلى الحذر الفطري وتردد البلدان الخليجية المحمّلة بمشاعر العداء تجاه إسرائيل، يبدو من المناسب لهذه البلدان ترك واشنطن تتولّى معالجة هذه المسألة. لذلك يجب إشراكها بفعالية في الحوار مع إيران، الذي يقتصر اليوم على الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية، تماماً كما أُشركت اليابان وكوريا الجنوبية كطرفين أساسيين في الحوار السداسي مع كوريا الشمالية.
فإن كان لابد من إقناع إيران بالعدول عن مسار التسلّح النووي، من الضروري إجراء تقييم واقعي للمنظور الذي ترى منه التهديدات التي تطاولها. فهي بحاجة إلى الطمأنة ضد أي أعمال عدائية سنّية كما ضد أي تهديدات إسرائيلية وغربية باجتياحها وتغيير نظامها.
قلّة من القوى الغربية في القرن العشرين نجحت في فهم بلدان الشرق الأوسط أو في التأثير عليها. لذلك فإن الفشل المستمر في فهم الحسابات الأمنية وراء اهتمام إيران بالأسلحة النووية سيحول أيضاً دون كبح انتشار الأسلحة النووية.
*شاه، سفير هندي سابق لدى الأمم المتحدة ومبعوث خاص من الأمم المتحدة إلى العراق.
تاكور، أستاذ في العلوم السياسية في جامعة ووترلو في كندا، ومساعد أمين عام الأمم المتحدة سابقاً.