اسرائيل ما زالت تكتم بعد 60 عاماً سراً يجب عليها مواجهته
- مشاهدات 181
لندن -
- بمناسبة قرب احتفال اسرائيل بعيد ميلادها الستين كتب المحلل السياسي الشهير يوهان هاري في صحيفة "ذي الندبندنت" البريطانية تحليلاً نشرته الصحيفة اليوم يقول فيه ان شريحة من المجتمع الاسرائيلي مالت دائماً الى تفضيل رسم حدودها بالعنف على المحادثات والحلول الوسط. وقال ان اليهود الذين فروا من الاضطهاد اللاسامي في اوروبا في القرن العشرين اقنعوا انفسهم بأن فلسطين هي "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض". وتصور هاري في تحليله ما الذي ستحس به اسرائيل في يوم ميلادها هذا وكتب يقول:"ستنظر الدولة الى المرآة وتفكر – لدي ظهر يؤلم وركبتان محلحلتان وعلى خاصرتي بندقية، لكنني ما ازال واقفة. ومع ذلك في مكان ما، ستعرف انها تكتم سرا قديما عليها ان تواجهه. واود لو اكون قادرا على التطفل على حفلة عيد الميلاد بكلمات طمأنة. ان اسرائيل قدمت لنا روائيين عظماء من امثال عاموس عوز و أ.ب. يهوشواع، وصناع افلام عظماء مثل جوزيف سيدار، وبحثا علميا عظيما حول مرض خرف الشيخوخة "الزهايمر"، وصحافيين منشقين عظماء مثل عميرة هاس وتوم سيغيف وجدعون ليفي لفضح جرائمها.
ووفرت البقعة الوحيدة في الشرق الاوسط التي لا يطارد فيها مثليو الجنس ويشنقون، وحيث يمكن للمرأة ان تقترب من المساواة.
ولكنني لا استطيع ان افعل ذلك. وكلما اردت التلفظ بهذه الكلمات، تزكم رائحة من الذاكرة منخري. انها رائحة البراز. ذلك انه يتم في انحاء الضفة الغربية المحتلة ضخ مياه الصرف الصحي غير المعالجة كل يوم من المستوطنات اليهودية، عبر خطوط انابيب معدنية كبيرة، مباشرة الى الاراضي الفلسطينية. ومن هناك، تدخل الى المياه الجوفية والخزانات، وتتحول سماً.
اثناء وقوفنا بالقرب من احدى هذه البرك الطويلة النتنة من المخلفات ذات اللونين الاصفر والاسود ، فسر لي الدكتور بسام سعيد نادي، كبير المسؤولين الطبيين المحليين: "هطلت في الآونة الاخيرة امطار غزيرة جدا، وبدأت االقاذورات بالتدفق الى الخزانات التي تزود كل هذه المنطقة بالمياه. وعرفت اننا اذا لم نتصرف، فان اناسا سيموتون. نبهنا الجميع الى ضرورة عدم شرب الماء لأكثر من اسبوع، وقمنا بتوزيع القناني. وكنا محظوظين لانه تم رصد المشكلة. اما في المرة المقبلة...". وهز رأسه خوفا. وليس هذا وضعاً استثنائياً: اذ وجد تقرير من عام 2004 لمجموعة "اصدقاء الارض" ان ستة في المئة فقط من المستوطنات الاسرائيلية تعالج مياه صرفها الصحي على نحو كاف.
وفي غضون ذلك، ومن اجل معاقبة سكان غزة على التصويت "بطريقة خاطئة"، فان الجيش الاسرائيلي لا يسمح بان تمر عبر حواجز التفتيش اي بدائل للانابيب والاسمنت المطلوبة لاستمرار عمل نظام الصرف الصحي. والنتيجة؟ برك واسعة راكدة من القاذورات محتجزة في احواض هشة في انحاء القطاع، وتتعفن. وفي آذار (مارس) الماضي، انفجرت احداها واغرقت طفلا عمره تسعة شهور مع جدته العجوز في تسونامي من المخلفات البشرية. ويحذر مركز حقوق الاسكان من ان تساقطا غزيرا واحدا من الامطار قد يرسل 1،5 مليون متر مكعب من الغائط لتتدفق عبر كل كل غزة، مما سيتسبب في كارثة انسانية وبيئية ذات ابعاد اسطورية.
ولكن كيف وصل الامر الى هذا الحد؟ كيف انتهى الحال بدولة يهودية اسست قبل 60 عاما بتعهد بأن تكون "نوراً على الأمم"، الى ان تقذف بقذارتها نحو سكان فلسطينيين منكمشين؟
ان بداية الاجابة تكمن في السر الذي عرفته اسرائيل، وكتمته طيلة هذه السنين. وحتى الآن، هل يمكننا ان نصف ما حدث قبل 60 عاما بنزاهة وبدون هيستيرية؟ ان اليهود الذين وصلوا الى فلسطين خلال القرن العشرين لم يأتوا لأنهم كانوا اشخاصا قساة راغبين في ملاحقة العرب. كلا: انهم جاؤوا لأنهم كانوا فارين بحياتهم من المعاداة الاوروبية الاستئصالية للسامية التي كانت توشك على ذبح ستة ملايين من شقيقاتهم وابنائهم.
لقد اقنعوا انفسهم بأن فلسطين هي "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض". وانا اتمنى بشكل يائس لو ان هذا الحلم كان حقيقيا. وبوسعك مشاهدة آثار لما كان يمكن ان يحدث في تل بيب، المدينة التي بنيت على كثبان رملية خالية. ولكن معظم فلسطين لم تكن خالية. لقد كانت فعلا مسكونة بأشخاص احبوا الارض، واعتبروها ارضهم. وكانوا ابرياء تماما من الجرائم الجهنمية الطويلة الامد ضد اليهود.
وعندما اصبح واضحا ان هؤلاء الفلسطينيين لن يرحبوا بتحولهم الى اقلية في وطن لآخرين، اعدت خطط اكثر سوادا. وقد كتب ديفيد بن غوريون اول رئيس لوزراء اسرائيل عام 1937: "العرب يجب ان يغادروا، ولكن المرء بحاجة الى اللحظة المناسبة لتحقيق ذلك، مثل قيام حرب" .
ولهذا، وعندما جاءت اللحظة، فقد ساعد في اعداد الخطة المسماة خطة داليت. وكانت - وفقا لما وصفها به المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابي- "وصفا مفصلا للاساليب التي ستستخدم لطرد الناس: تخويف على نطاق واسع ، وفرض الحصار وقصف المراكز السكانية". وفي العام 1948، وقبل دخول الجيوش العربية، بدأ تنفيذ الخطة: وحدث تطهير عرقي لحوالي 800000 نسمة، وبنيت اسرائيل فوق الانقاض. واؤلئك الذين يتساءلون بغضب لماذا لا يكف الفلسطينيون عن الحنين لارضهم القديمة عليهم ان يتخيلوا نسخة انكليزية للقصة. كيف سيكون رد فعلنا لو ان 30 مليوناً من الاكراد الملاحقين في العالم ارسلوا جيوشا ومستوطنين الى هذه البلاد للاستيلاء على كل شيء في انكلترا الى الجنوب من مدينة ليدز، واقاموا بسرعة كردستان الحرة في الاماكن التي طردنا منها؟ الن نشعر بالشوق الى الابد بان يعود ابناؤنا الى كورنوول ولندن؟ وهل يستطلب الامر 40 عاما للتنازل والقبول بتسوية تتضمن 22 في المئة من الارض التي كانت لنا؟
اذا لم نشأ ضرب رؤوسنا باستمرار على جدار التاريخ، فان الشرق الاوسط بحاجة الى التنقيب في ما جرى في 1948 والسعي الى ايجاد حل. واي صفقة سلام، حتى لو فككت اسرائيل بموجبها الجدار ووافقت على العودة الى حدود 1967، ستميل الى الانهيار بسبب هذه القضية. ويقول الاسرائيليون: اذا سمحنا للملايين الثلاثة بالعودة، فان الفلسطينيين سيتفوقون علينا عددياً حتى ضمن حدود 1967، وبهذا سيجري اخراج اسرائيل من الوجود بالتصويت. ولكن الفلسطينيين يردون: اذا لم نحصل على اقرار بالنكبة، وعلى حقنا، بموجب القانون الدولي، في الارض التي فر منها اجدادنا، فكيف يمكننا ان نتقدم؟
وبدت هذه مشكلة مستعصية على الحل الى ان اجرى المركز الفلسطيني للدراسات والاستطلاعات قبل سنتين اول دراسة عن توجهات فلسطينيي الشتات. وتبين من الدراسة ان 10 في المئة فقط - اي نحو 300 الف شخص – يريدون العودة الى اسرائيل. وبوسع اسرائيل ان تقبل مثل هذا العدد (وتعوض على الباقين) من دون ان تتحمل الماً كبيراً. ولكن كان هناك دائماً شريحة من المجتمع الاسرائيلي تفضل ترسيم حدودها بالعنف، ووفق شروطها، على اجراء محادثات وقبول حقوق وسط. وفي عطلة نهاية الاسبوع المنصرم عرضت حكومة "حماس" المنتخبة هدنة لستة اشهر كان يمكن ان تؤدي الى محادثات. وقد ردت الحكومة الاسرائيلية في غضون ساعات بنسف (اختطاف) قيادي في "حماس" وقتل فتاة (ابنته) في الرابعة عشرة من عمرها.
وربما كانت اقتراحات "حماس" خدعة. وربما كانت الدول العربية جميعها كاذبة ايضاً عندما تعرض على اسرائيل اعترافاً كاملاً في مقابل انسحابها الى حدود 1967. ولكن اليس استكشاف ذلك فكرة جيدة؟
يتعين على اسرائيل وهي تنظر الى شعرها الشائب وتتجاهل رائحة برازها الآسن الذي يضخ الى فلسطين ان تسأل نفسها ما نوع البلاد التي تريد ان تكون فيها في السنوات الستين المقبلة".







