Advertisement

شارك بواسطة ال SMS

الرجاء لبعث ال SMS

المسافة بين فخري البرغوثي وجلعاد شاليط!!

مشاهدات 202
عيسى قراقع : 3 تموز 2010
دخل الأسير الفلسطيني فخري البرغوثي عامه الثالث والثلاثين قبل عدة أيام، ولم اسمع أن ساعة العالم قد توقفت قليلا لتدق وتنبه الناس أن هناك أسير فلسطيني يقضي أكثر فترة اعتقال في التاريخ الإنساني الحديث.

ولكني سمعت ضجيجا إعلاميا وميدانيا واستعدادات لقوافل بحرية وبرية من اجل التضامن مع الجندي الاسرائيلي الأسير شاليط والمطالبة باطلاق سراحه، وسمعت بعض التصريحات من قبل زعماء أوروبيين يستغربون وجود أسير إسرائيلي منذ 3 سنوات.

وعندما قدم الأمين العام للأمم المتحدة إلى فلسطين لم يجتمع سوى مع عائلة شاليط رافضا الالتقاء مع عائلات الأسرى الفلسطينيين وخاصة مع عوائل الأسرى القدامى الذين يقضون أكثر من ربع قرن في سجون الاحتلال.

هي مسافة واضحة في الوعي الدولي بين الضحية والجلاد، بين مقاتل حرية وبين جندي كان يطلق القذائف على سكان قطاع غزة، يمثل إرادة الاحتلال و السيطرة على شعب آخر، ويمتثل لأوامر الحصار وتعليمات إطلاق قنابل الفسفور على السكان المدنيين.

وهي مسافة بعيدة جدا بين شرعية النضال الفلسطيني في سبيل حق تقرير المصير والحرية والاستقلال وبين شرعية محتل يضرب بعرض الحائط بكل قرارات المجتمع الدولي والأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني مستهترا بالقيم والمبادئ الدولية ومصرا أن يبقى سجانا وجلادا وقرصانا يفعل بالبشر ما يشاء.

كنت أتوقع أن يتحرك هذا العالم وبقوافل تملأ الأرض والسماء من اجل إطلاق سراح 320 أسيرا فلسطينيا يقضون أكثر من 20 عاماً من بينهم 19 أسير يقضون أكثر من 25 عاماً داخل السجون، وأن يطالب هذا العالم بإنهاء أطول احتلال عسكري في التاريخ لشعب لا يريد سوى أن يعيش بكرامة وحرية على أرضه فلسطين.

وكنت أتوقع أن يحفظ هذا العالم أسماء فخري البرغوثي وأكرم منصور وفؤاد الرازم وإبراهيم جابر وسامي يونس وعثمان مصلح وعلاء البازيان ومنصور موقدة وآمنة منى ويحيى السنوار وعصام جندل وسليم الكيال وأحمد أبو حصيرة وحسن سلمة وكريم يونس وغيرهم، ويرفع صورهم واضحة ويطرق باب السجون المغلقة، ويقول كفى لهذا العذاب الإنساني الذي فاض عن القدرة على الاحتمال.

هذا الانحياز غير المفهوم لجندي لم يمض على أسره سوى ثلاث سنوات يعني تعاطفا مع المحتلين وإغلاق زمن المحتل الأسود على حياة آلاف الأسرى المظلومين القابعين في السجون والزنازين حتى أصبح ضمير العالم يثير الأرق، وكأن هنالك سوء تفاهم بين العدالة الدولية وآثار الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني.

يسألني فخري البرغوثي بعد ثلاثة وثلاثين عاما متى تبحر السفن ويحدث أي شيء يذكّر من في الخارج بمن هم في الداخل؟؟ يسألني ذلك كمراوغة ذكية بين الخيال والواقع، بين سلام يقود إلى الأبدية وسلام يقود إلى الحرية.

خلال ستة شهور من عام 2010 استقبلنا شهيدين سقطا داخل سجون الاحتلال، قتلوا ظلما وقهرا، وما زلنا نستقبل صراخ المئات من المرضى والمصابين المهددة حياتهم بالخطر الحقيقي وخاصة الأسرى القدامى، فهل من المعقول أن لا يخرج احد من السجن سوى محملا على تابوت ملفوفا بالصمت والبرودة والأحلام المدفونة في المستحيل.

المسافة لازالت واسعة بين فخري وشاليط، وقد يكون ذلك تقصيرا منا، كأننا اكتفينا بما فينا من ظلم بما يغنينا عن طلب العدالة، وربما تحتاج روايتنا الإنسانية إلى صوت أعلى، والى مخالب تحفر جدران الصمت حتى ننجو من هذا النسيان، وينجو الأسير من مطاردة الظلام والموت.

عندما أقرأ رسائل المعتقلين أشعر أن الجلادين قد أنجزوا مهماتهم في إقصاء الحياة تماما عن آلاف الأسرى، جففوا كل أمل لديهم وحولوهم إلى شهود على موتهم البطيء، حتى بدأوا يشعرون أن هذا العالم خلا تماما من الأحياء واكتظ بالكوابيس.

كأني أرى بأم عيني أسرى يحتضرون في مستشفى سجن الرملة الإسرائيلي، أقدام مبتورة، أورام خبيثة، أوجاع لا يعرف الأسير كيف جاءت وأين ستقود، حفلات ضرب وسجانين يضحكون، ومشرّعين إسرائيليين يتسابقون في تشديد إغلاق الأبواب الحديدية على الأسرى بقوانين عنصرية ووحشية، ليتحول اسم شاليط عنوانا لقانون يسمح للجلاد أن يمارس الإعدام بحق الحياة.

المسافة بين الأسير فخري البرغوثي والجندي شاليط لا تقترب إلا عندما يعتذر شاليط عن كونه جنديا وسجانا أوهموه انه يقاتل من اجل أرض موعودة فوقع في أسر الخرافة ولم يصل الجنة، وعندما يتحرر فخري البرغوثي من شبحه ومن الصدى، ويخرج حرا وسيدا ويصل إلى رام الله.

يقول فخري البرغوثي في آخر الرسالة: ولكنني كنت موقنا أن قدماي ستمشيان يوما على العشب الطري وسأتمتع بنور الشمس الساطعة وأنا حر طليق، ولن أفقد حاسة الزمن.

تسجيل الدخول