دراسة خاصة بـ"القدس" بمناسبة قمة واشنطن النووية: إسرائيل وتطور السياسة الأميركية في حظر إنتشار الأسلحة النووية
دراسة خاصة بـ"القدس" بمناسبة قمة واشنطن النووية: إسرائيل وتطور السياسة الأميركية في حظر إنتشار الأسلحة النووية
من محمد سعيد ـ عارضت الولايات المتحدة منذ عام 1946 انتشار الأسلحة النووية، لكنها حتى الستينات من القرن الماضي لم تترجم هذه المعارضة الى سياسة متماسكة ومحددة لحظر انتشار الأسلحة. وفي الخمسينات من القرن الماضي لم يكن صانعو السياسة الأميركية يعتبرون إنتشار الأسلحة النووية بمثابة قلق عالمي ينبغي معالجته بسياسة عالمية. وفي عهد الرئيس الأميركي الراحل جون كيندي اعتبرت الولايات المتحدة مسألة حظر إنتشار الأسلحة النووية مشكلة للسياسة الخارجية، وفي عهد خلفه ليندون جونسون أقرت واشنطن فكرة عقد معاهدة لحظر إنتشار الأسلحة النووية كحل للمشكلة.
وكانت خبرة الولايات المتحدة في التعامل مع البرنامج النووي الإسرائيلي حاسمة بالنسبة للمشكلة وحلها. وكانت إسرائيل شاهداً قوياً على فشل حكومة الرئيس الأميركي الراحل الأسبق داويت إيزنهاور بالإمساك بحقيقة الإنتشار النووي.
وعلى الرغم من أن المشروع النووي الإسرائيلي كان في مرحلة الإعداد في الفترة ما بين 1955-1957 الا أن البدء في بنائه فعلاً كان في أوائل عام 1958. ولم تقرر حكومة إيزنهاور التي كانت ستخرج من السلطة الا في ديسمبر عام 1960 ، ان إسرائيل كانت في الحقيقة تقوم ببناء مفاعل نووي رئيسي في صحراء النقب بهدف صنع أسلحة نووية. ان التحدي لكيفية تطبيق المعارضة الأميركية لإنتشار الأسلحة النووية على تعقيدات الوضع الإسرائيلي قد ترك الى إدارة كيندي التي كانت ستتولى السلطة من حكومة ايزنهاور .
وكان الرئيس كيندي أقوى الرؤساء الأميركيين ضغطاً في التعامل مع المشكلة الإسرائيلية. واعترف كيندي بأن عواقب الجهود الأميركية للوقوف ضد نشر إسرائيل للأسلحة النووية تجاوز السياسة الأميركية تجاه إسرائيل كما تجاوز حتى المصالح الأميركية في المنطقة.
وفي الوقت الذي كان فيه كيندي ملتزماٌ بأمن إسرائيل كان في الوقت نفسه قلقاً تجاه إنتشار الأسلحة النووية . وفي ربيع وصيف عام 1963 تصادمت هذه المصالح فيما قام كيندي بآخر محاولاته لوقف المطامح النووية الإسرائيلية. وبعد ذلك بثلاثة أشهر إغتيل كيندي وتسلم الرئاسة الرئيس جونسون.
وفي عهد جونسون، الذي كان له أولويات أخرى في العامين الأوليين من حكمه غير منع إنتشار الأسلحة النووية، ثم وضع ترتيب خاص تعهدت بموجبه إسرائيل بأن لا تكون أول من يدخل الأسلحة النووية الى الشرق الأوسط ، وبالمقابل قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل أسلحة للحفاظ على أمنها ( دبابات وطائرات ) .
وعلى الرغم من أنه كان ينظر الى إسرائيل كدولة رئيسية في تطوير سياسة حظر إنتشار الأسلحة النووية، الا أنه لم تٌعرف كيفية ومدى تأثير التجربة الإسرائيلية على صياغة السياسة الأميركية . ومعظم القليل الذي كتب حول هذا الموضوع يتناول الجانب الإسرائيلي من القصة، أي كيفية تأثير الضغط الأميركي على تقرير السياسة النووية الإسرائيلية. ولم يجر تقريباً أي بحث حول كيفية تطور سياسة الولايات المتحدة بالنسبة لحظر إنتشار الأسلحة النووية من خلال التجربة مع إسرائيل في العقد الحاسم الذي أدى الى عقد معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية. وأن المواد الأرشيفية السرية التي أفرج عنها وأدلة أخرى جديدة قد أتاحت الفرصة الآن الى تجميع وكتابة هذا التاريخ.
واستناداً الى هذه الأدلة فإن الدراسة توضح ان الدروس المستخلصة من التجربة مع إسرائيل كانت حاسمة في إقناع صٌناع السياسة الأميركية أن الأسلوب الثنائي لحظر إنتشار الأسلحة النووية قد يكون غير كاف. وقد أصبح واضحاٌ مع منتصف الستينات أن الأسلوب الثنائي فشل مع إسرائيل وقد يفشل في أماكن أخرى. وبدلاً من ذلك ينبغي على الولايات المتحدة أن تستخدم نفوذها وسلطتها لإيجاد معايير دولية لمنع إنتشار الأسلحة النووية وإيجاد نظام لتجسيد ودعم ذلك الجهد. وأن الطريق الى إنجاز هذا العمل هو عبر معاهدة عالمية لحظر إنتشار الأسلحة النووية تدعمها الدولتان الكبريان. وقد كانت قضية إسرائيل تجربة مهمة في الوصول الى هذه النتيجة .
موقف حكومة ايزنهاور
ان المتتبع للسياسة الأميركية لا بد وأن يجد أن كافة الرؤساء الأمركيين منذ هاري ترومان قد عارضوا إنتشار الأسلحة النووية. وقانون الطاقة الذرية لعام 1946 قد عزز هذه المعارضة عن طريق حظر نقل أسلحة نووية أو أي تكنولوجيا نووية باعتبارها " معلومات محظورة " الى دول أخرى. وعلى أية حال فإن سجل حكومة ايزنهاور يٌظهر أن منع إنتشار الأسلحة النووية لم يكن أولوية قصوى مثل المشاركة في فوائد الطاقة النووية في الصناعات المدنية .
وفي 8 كانون الاول (ديسمبر) 1953 كشف أيزنهاور عن برنامجه " الذرة من أجل السلام " في الأمم المتحدة. وهذه المبادرة الجديدة كانت آنذاك مناقضة بحده للسياسة القائمة على حظر إنتشار الطاقة النووية والتي جرى التمسك بها منذ عام 1945 مما وضع حداً لعقد من السرية التامة على المواد النووية، ووفقاً للمبادرة الجديدة طلبت الحكومة الأميركية من الكونغرس تعديل قانون الطاقة الذرية لعام 1946 ليسمح للولايات المتحدة برفع السرية عن كمية المعلومات العلمية الضخمة المتعلقة بالطاقة النووية وتوزيعها، وهي معلومات نظرية أو تجريبية من خلال الأبحاث التي أجريت في هذا المجال أو مواد نووية. وأن مفاعلات الأبحاث التي حٌظر تصديرها في الماضي قد جرى تشجيع تصديرها كخطوة ضرورية نحو المستقبل. كما أن التقنيات الخاصة بفصل البلوتونيوم قد رفعت عنها السرية.
إن مقولة " الذرة من أجل السلام " عكست توقعات بأن الطاقة النووية ستكون الموجة الثالثة من الثورة الصناعية وأن التكنولوجيا النووية يجب أن تقود المسيرة الى الأمام. ان التمييز بين الإستخدامات السلمية والتدميرية للطاقة الذرية، والإعتقاد بأن بالإمكان لتشجيع الأولى والسيطرة على الثانية كان جوهر المبادرة الأميركية . وبالعودة الى الوراء، فقد كانت سياسة " الذرة من أجل السلام " ناجحة في تدعيم التكنولوجيا النووية الأميركية، ولكنها كانت أقل تأثيراً بالنسبة للضمانات والسيطرة . وقد كتب المؤرخان في مجال الطاقة النووية ريتشارد هيوليت وجاك هول ما يلي حول المبادرة الأميركية ان:"الذرة من أجل السلام "كانت جهداً مخلصاً الا أنه كان جهداً يائساً في إيجاد تعويض عما بدا أنه إنتصار أميركي فريد من نوعه في مجال الذرة. وهذا الإنتصار أوجد دافعاً من أجل برنامج الذرة من أجل السلام . وبدون ذلك فأن مبادرة إيزنهاور لم تكن مفهومة حقاً . وفي الوقت نفسه فأن حقائق الحرب النووية الحرارية جعلت السيطرة الدولية على الذرة مسألة ذات أهمية رئيسية . وكانت المعضلة هي أن السلام والذرة لا يمكن فصلهما عن بعضهما البعض".
إن مسألة الجغرافيا السياسية للحرب الباردة وحالة الجمود بين الدولتين الكبريين فيما يتعلق بالترتيبات النووية في أوروبا جعلت من الصعب بالنسبة لإدارة إيزنهاور حتى أن تتصور مسألة إنتشار الأسلحة النووية كمشكلة تتعلق بالسياسة الخارجية . فقد تعاملت الولايات المتحدة مع أخطار إنتشار الأسلحة النووية من خلال التشريع الأميركي المتعلق بالطاقة النووية وإتفاقيات ثنائية بالضمانات حول التعاون النووي . والأهم من ذلك عن طريق دعم إيجاد منظمات دولية مثل وكالة الطاقة الذرية الأميركية ومراقبة الأسلحة النووية في أوروبي، كأدوات لتشجيع وضمان التعاون النووي بين الدول . وقد أصبح تشجيع الإستخدام السلمي للذرة آداة مهمة في السياسة الخارجية الأميركية وبخاصة في أوروبا حيث كان التأييد الأميركي لمراقبة الأسلحة النووية في أوروبا حجر الزاوية في فكرة آيزنهاور وهي " الولايات المتحدة الأوروبية".
وكانت الولايات المتحدة أيضاً ملتزمة بضمان تعاونها النووي مع دول أخرى . والضمانات على أية حال ليست كافية لمنع إنتشار الأسلحة النووية .
وعارضت حكومة آيزنهاور إنتشار الأسلحة النووية ولكنها اعترفت بأن الدول ذات السيادة لها الحق في متابعة مثل هذا الهدف من جانبها. وهذا الإفتراض أصبح جزءاً من القانون التأسيسي لوكالة الطاقة الذرية الدولية ( 1956 ). وكان هدف الوكالة هو تشجيع الإستخدام السملي للطاقة النووية ووضع نظام للضمانات يؤكد أن مثل هذا التعاون النووي ينبغي أن لا يحول للأغراض العسكرية .
ان التشريع الذي أسست بموجبه الوكالة لم يمنع دولة عضو من امتلاك الأسلحة النووية كما أنه لم يطلب من الدولة العضو بأن تقبل بضمانات بشأن المواد والتسهيلات النووية التي يتم الحصول عليها خارج برامج المساعدات التي تقدمها وكالة الطاقة الذرية الدولية . وأن فكرة صدور"تعهد بعدم امتلاك أسلحة نووية " درست من قبل صناع السياسة الأميركية الا أنها رفضت باعتبارها غير معقولة . وكان وزير الخارجية الأميركي الأسبق الراحل جون فوستر دالاس مقتنعاً بأنه سيكون من الصعب ، إذا لم يكن من المستحيل ، بالنسبة للولايات المتحدة إقناع الدول الأخرى بأن تتخلى عن حقها في إنتاج أسلحة نووية بينما تواصل الدول الكبرى الثلاث ( الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي وبريطانيا) القيام بذلك . وفي غياب قانون لمنع إنتشار الأسلحة النووية لم تكن الدول الثلاث الكبرى في وضع يمكنها من مناشدة بقية العالم بنبذ الأسلحة النووية. واعتباراً من منتصف الخمسينات وحتى نهايتها أصبح واضحاً أن الدول المتقدمة تكنولوجياً والمصممة سياسياً كانت قادرة على امتلاك أسلحة نووية بجهودها الخاصة. فقد امتلك الإتحاد السوفياتي القنبلة في عام 1949 وامتلكتها بريطانيا في عام 1952 . وكانت المسألة مسألة وقت بالنسبة لفرنسا عندما فعلت الشيء ذاته . وكانت دول أوروبا الغربية مثل السويد وإيطاليا وألمانيا الغربية وسويسرا تناقش ما إذا كانت ستلاحق خيار الأسلحة النووية. وأن الولايات المتحدة، وكجزء من سياستها القائمة على "نظرة جديدة" على الأسلحة النووية أنتجت كميات كبيرة من الأسلحة النووية التكتيكية، وكان ذلك مبرراً في مقابل التكاليف المتزايدة للأسلحة التقليدية. وقد اعتقد أن الأسلحة النووية التكتيكية سيصبح وسائل المستقبل في الحروب ، وهي أرصدة يتعين على أي دولة متقدمة وقادرة من الناحية التكنولوجية أن تمتلكها .
والمعضلة التي كانت تواجه الولايات المتحدة هي ما إذا كان ينبغي تزويد منظمة معاهدة حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) بأسلحة نووية مما لا يجعل من الضروري للدول الأعضاء في الحلف إنتاج ترسانتها من الأسلحة النووية أو قصر التزامها الأمني على أوروبا أو ربما الإنسحاب عسكرياً من أوروبا واختارت إدارة إيزنهاور بإدخال أسلحة نووية الى حلف الشمال الأطلسي ومشاركة أوسع في المجال النووي مع حلفائها في "ناتو" .
وفي عام 1958 عدل الكونغرس قانون الطاقة الذرية ليتلاءم مع الإنتشار النووي الأميركي المتزايد في دول حلف الناتو . وأتاح القانون المعدل نقل مواد نووية يمكن استخدامها في صناعة الأسلحة إضافة الى نقل معلومات لتصاميم الأسلحة الى الدول التي "أحرزت تقدماً ملموساً في تطوير الأسلحة النووية " وهذه إشارة الى بريطانيا.
وهكذا أعطت إدارة آيزنهاور أولوية للتعاون في مجال الأسلحة النووية مع حلفائها على الجهود الرامية الى منع إنتشار الأسلحة النووية.
وعندما قدمت فكرة عقد إتفاقية دولية لمنع المزيد من إنتشار الأسلحة النووية لأول مرة في الأمم المتحدة عام 1958 من قبل إيرلندا - داعية الدول الثلاث الكبرى الى عدم نقل الأسلحة النووية الى أي دولة أخرى ومطالبة الدول الأخرى بعدم إنتاج هذه الأسلحة - أيد الإتحاد السوفياتي الفكرة بينما عارضتها الولايات المتحدة مع حلفائها في الناتو . ومعارضة إدارة ايزنهاور للفكرة كان دافعها إنتشار الأسلحة النووية في حلف شمال الأطلسي . وبعد ذلك بعام وعندما عدلت إيرلندا مشروع قراراها بإدخال عبارات ضعيفة تدعو الى أن " تمتنع الدول النووية عن تسليم السيطرة على مثل هذه الأسلحة الى أي دولة لا تمتلك هذه الأسلحة "، أيدت الولايات المتحدة مشروع القرار بينما امتنع الفرنسيون والسوفيات عن التصويت عليه . وفي عام 1960 وعندما جرى مزيد من التعديل على الإقتراح الإيرلندي داعياً الدول النووية ليس الى الإمتناع فقط عن تسليم السيطرة على الأسلحة النووية الى دول أخرى بل أيضاً الى الإمتناع عن بث " معلومات يحتاج اليها لصناعة الأسلحة النووية " فقد صوت السوفيات لصالح مشروع القرار واستمرت الولايات المتحدة في الإمتناع عن التصويت مثيرة اهتمامات بمسألة التحقيق من التطبيق . وهذه التغيرات في الموقف تكشف عن الصراع والإضطراب داخل إدارة إيزنهاور حول جدوى سياسة منع إنتشار الأسلحة النووية بالمقارنة مع أهداف أخرى وأولويات لأميركا.
ان فكرة الذرة من أجل السلام كانت تقوم على أساس أن منع إنتشار الأسلحة النووية أقل في الأولوية من المشاركة في المعلومات والتكنولوجيا النووية وفوائد الطاقة النووية في الصناعات المدنية داخل الناتو. ولم تكن أميركا قد حسمت موقفها بشأن ما تستطيع أن تفعله أو ما ينبغي عليها أن تفعله لمنع إنتشار الأسلحة النووية . وقد شكلت فرنسا وإسرائيل معضلة للسياسة الأميركية .
وبالنسبة لحالة فرنسا فإن حكومة إيزنهاور اعترفت بنواياها النووية ولكنها لم تشعر بأن لديها أسباباً سياسية أو أدبية لثنيها عن إنتاج السلاح النووي. وعندما شكلت منظمة مراقبة الأسلحة النووية في أوروبا بدعم من الولايات المتحدة فإن التشريعات التي قامت عليها كتبت بحيث تسمح لفرنسا بامتلاك القنبلة وهكذا فأن الولايات المتحدة لم تبذل جهداً دبلوماسياً شاملاً ضد برنامج فرنسا النووي على الرغم ومن ان مثل هذا الجهد كان يمكن أن يفشل البرنامج الفرنسي.
أن الوضع بالنسبة لحالة إسرائيل يعطي صورة دراماتيكية عن عجز سياسات حكومة ايزنهاور فيما يتعلق بمنع إنتشار الأسلحة النووية. ففي شهر كانون الثاني (يناير) 1961، وبعد أن أقسم الرئيس كينيدي اليمين الدستوري كرئيس للجمهورية بأيام قليلة طلب من مجلس الإستخبارات الأميركي إعداد تقرير "تشخيصي" عن الوضع النووي الإسرائيلي واستخلاص دروس للمستقبل من فشل المخابرات. وأكد التقرير أن الأمر إحتاج الى ثلاث سنوات تقريباً لكي تقرر الولايات المتحدة أن إسرائيل تقوم ببناء تسهيلات نووية رئيسية لها مضاعفات عسكرية قوية. وهذا التأخير الطويل يعود الى فشل أساسي من المخابرات الأميركية .
وحتى أوائل كانون الاول (ديسمبر) عام 1960 فقط ، أي بعد أسابيع من إنتخاب كينيدي تأكدت حكومة إيزنهاور أن إسرائيل كاننت تقوم ببناء مفاعل نووي ثان في ديمونة. وفي الثامن من كانون الاول (ديسمبر) أصدرت وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) تقريراً خاصاً للمخابرات الوطنية عن مفاعل ديمونة وأبلغت على الفور مجلس الأمن القومي الأميركي بهذا الإكتشاف . وبعد ذلك بيوم واحد استدعى وزير الخارجية الأميركي هيرتر السفير الإسرائيلي هارمان وقدم اليه الحقائق التي اكتشفتها الولايات المتحدة وطلب تفسيراً لذلك . وبعد ذلك بعشرة أيام أكد رئيس الطاقة الذرية جون ماككون علناً الإكتشاف الأميركي في برنامج " واجه الصحافة " الذي تبثه شبكة "إن بي سي" التلفزيونية الأميركية . وبعد ثلاثة ايام من الصمت، وفي الحادي والعشرين من ديسمبر أكد رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، ديفيد بن غوريون أن إسرائيل كانت تقوم ببناء مفاعل نووي ثان في ديمونة ولكنه أصر أن هذا المفاعل للأغراض السلمية . وأصبح ديمونة الآن معروفاً للجمهور .
وقد أكد تقرير مجلس الإستخبارات الأميركي أن من المرجح أن الإسرائيليين اتخذوا القرار بالمضي قدماً في برنامجهم النووي في وقت مبكر يعود الى عام 1956 وأن التعاون مع فرنسا حول هذا المشروع قد بدأ في موعد أقصاه عام 1957 . ويؤكد التقرير أن المعلومات كانت متوفرة لدى بعض عناصر الإستخبارات في شهر أبريل عام 1958 وكان يمكن أن تقدم تحذيراً للمخابرات عن النوايا الإسرائيلية . وعلاوة على ذلك فأن التقرير يوضح أنه " لو أن جهاز الإستخبارات الخاص بالطاقة الذرية قد حلل بصورة صحيحة المعلومات المتوفرة حول خطط المفاعل الإسرائيلي وسعى في الحال وبإصرار للحصول على معلومات إضافية حول هذا البرنامج فأننا نعتقد بأن السر المحيط بهذا التطور كان يمكن أن يكتشف وأن النوايا الإسرائيلية كان يمكن أن تعرف قبل عام على الأقل".
وفي محاولتهم لتفسير هذا الفشل أكد كتاب التقرير على جهود إسرائيل المتعمدة لخداع وإرباك الولايات المتحدة من خلال بيانات عامة وخاصة مختلفة عن الخطط الإسرائيلية بشأن الطاقة النووية. وأكد كتاب التقرير بأن إسرائيل لم تصنف بأنها دولة تشكل تهديداً خطيراً لمسألة إنتشار الأسلحة النووية الا بعد إكتشاف ديمونه. ويشير التقرير الى "شعور عام" بأن إسرائيل لا تستطيع تحقيق هذه القدرة النووية من دون مساعدة خارجية من الولايات المتحدة وحلفائها، والإعتقاد بأن مثل هذه المساعدة ستكون معروفة على الفور بالنسبة للولايات المتحدة". وقد أدى هذا الشعور العام الى ميل لإستبعاد الشائعات عن بناء مفاعل إسرائيلي وتعاون فرنسي مع إسرائيل في مجال الأسلحة النووية.
ويتحدث التقرير بتفصيل موسع عن كمية كبيرة من المعلومات من مصادر عديدة كانت متوفرة للمخابرات الأميركية الخاصة بالطاقة النووية منذ عام 1956 ولكنها فقدت في العمليات البيروقراطية أو أهملت من مجرد سوء التفسير لهذه المعلومات . ولا يمكن إستبعاد الإستنتاج القائل بأن التخبط والإرباك في داخل جهاز الإستخبارات في حكزمة إيزنهاور أدى الى أمور أكثر من مجرد عدم المراقبة وسوء التقدير. فسياسات إدارة إيزنهاور في المجال النووي، سواء بالنسبة للطاقة الذرية (الذرة من أجل السلام) أو الأسلحة النووية " إقتسام المعرفة النووية فيما بين الحلفاء"، أوجدت جواً قاد الى إنهيار المراقبة. وهذا الجو يفسر فشل الحكومة في تفسير الإشارات العديدة والدلائل التي كانت تظهر أن إسرائيل ربما كانت تطور برنامجاً للأسلحة النووية . بل أن بعض المسؤولين في جهاز الإستخبارات اعتقدوا في ذلك الوقت أن الرئيس إيزنهاور نفسه كان متردداً في إتخاذ إجراء سياسي ضد إسرائيل حتى عندما يقدم للرئيس دليل قطعي بذلك . وفسروا فشل الرئيس في التصرف كدليل على أنه إنما يقوم بالسماح لإسرائيل بصورة ضمنية بتطوير أسلحة نووية .
واستغلت إسرائيل بصورة متعمدة هذا الجو في جهودها لإخفاء أعمالها ونجحت في إبقاء مشروع ديمونة غير معروف لمدة ثلاث سنوات تقريباً بعد البدء به .
وأصبحت مهمة حكومة كينيدي التي ستتولى السلطة التأكد من أن مثل هذا التخبط والإرتباك الإستخباري لن يحدث ثانية .
كينيدي وإسرائيل: المواجهة الأولى
وفي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تفتقر في عام 1960 الى سياسة عالمية متماسكة بشأن منع إنتشار الأسلحة النووية فإن المجتمع الدولي أيضاً لم يعتبر أن إمتلاك دولة ما للأسلحة النووية يشكل إنتهاكاً لأي معيار دولي . وسبب ذلك واضح وبسيط وهو أنه لم تكن هناك أية معايير دولية ضد الإنتشار النووي . وكما اعترف وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس من أنه لا توجد أسس قانونية تسمح للولايات المتحدة بعدم تشجيع أي دولة أخرى - صغيرة أم كبيرة - على تطوير أسلحة نووية . وقد اعتبرت بريطانيا وفرنسا - وهما الدولتان الوحيدتان اللتان تملكان المقدرة على تطوير أسلحة نووية في الخمسينات اعتبرتا أن تحقيق ذلك مسألة تتعلق بالمكانة والكبرياء الوطني وبتأكيد وضعهما كدولتين كبيرتين . وكان هناك إحساس بأن دولاً أخرى متقدمة تكنولوجياً ستحذو حذوهما. وكان يٌنظر الى الإنتشار النووي كمسألة محتملة بل لابد منها.
وكان جون كينيدي أول رئيس أميركي جاء الى البيت الأبيض وهو مقتنع شخصياً بأن إنتشار الأسلحة النووية الى دول جديدة سيخلق عالماً أكثر خطورة ويٌقود النفوذ العالمي للولايات المتحدة. وقد كان مدركاً أن مشكلة إنتشار الأسلحة النووية قد أصبحت أكثر حدة فيما أصبحت التكنولوجيا والمعرفة النووية متوفرة بصورة متزايدة وأقل كلفة. واعتقد كينيدي أن من مصلحة الولايات المتحدة الحيوية التصرف بحزم لمنع الإنتشار النووي بما لا يتجاوز الدول الأربع ( بما في ذلك فرنسا) التي كانت تمتلك الأسلحة النووية. فقد جاء الى السلطة ولديه النية لوضع مسألة السيطرة على الأسلحة النووية ومنع إنتشارها في مركز جدول أعمال السياسة الخارجية الأميركية . وكما قال جلين سيبورغ رئيس لجنة الطاقة الذرية الذي عينه كينيدي "إن الإنتشار النووي كان " الكابوس الخاص " لكينيدي . وجدول أعمال كينيدي للإشراف على الأسلحة النووية كان مستمداً على الأقل من التزامه بعدم إنتشار الأسلحة النووية . فقد أيد إتفاقية لحظر إجراء التجارب النووية - وكانت هذه أول قضية تتعلق بالإشراف على الأسلحة يتعين على إدارته التعامل معها. وكان هذا التأييد يعود بصورة جزئية الى رؤيته لهذه الإتفاقية كآداة لمنع إنتشار الأسلحة النووية. وحتى قبل إنتخابات الرئاسة عام 1960 كان كينيدي معارضاً لإستئناف التجارب النووية لما تعطيه من ذريعة لدول أخرى لإمتلاك أسلحة نووية. والمثال الوحيد الذي استخدمه كينيدي لإظهار وجهة نظره كان إسرائيل.
وعندما تولى كينيدي السلطة كانت إسرائيل التجسيد الرئيسي لمشكلة إمتلاك الأسلحة النووية . فمشكلة مفاعل ديمونة النووي كانت تشمل أكثر من إسرائيل وحتى دول المنطقة، بل كانت تتناول كيفية استطاعة الولايات المتحدة محاربة الإنتشار النووي بصورة فعالة على مستوى العالم ككل . وقد أظهرت مشكلة إسرائيل أن دولة ما صغيرة أو متوسطة تمتلك المعرفة العلمية تستطيع أن تصنع سراً القنبلة الذرية ( بمساعدة أوروبية ) وحتى بدون إكتشاف الولايات المتحدة ذلك طيلة ثلاث سنوات. فإذا كانت دولة صغيرة مثل إسرائيل تسير باتجاه صنع القنبلة فكيف تستطيع الولايات المتحدة إقناع دول أخرى كبيرة بعدم إتباع نفس السبيل ؟ فنجاح إسرائيل أو فشلها سيكون حاسماً بالنسبة لقضية منع إنتشار الأسلحة النووية برمتها فقد كانت إسرائيل هي الصحوة التي قادت كينيدي الى إكتشاف الإنتشار النووي كاهتمام أميركي عالمي. ومارس كينيدي الضغط على إسرائيل بشأن مسألة ديمونة خلال النصف الأول من عام 1961 ، وقد أوضح لإداريته بأن له "اهتماماً شخصياً " في قضية ديمونة وأنه يعتبره في مقدمة أولويات السياسة الخارجية . وخلال أيام من توليه السلطة تلقى كينيدي تقارير شفوية ومكتوبة حول ديمونة تؤكد كلها أنه يجب على الولايات المتحدة أن تضع ديمونة تحت ضمانات دولية أو تضمن على الفور تفتيشاً أمريكياً للموقع. وفي غياب نظام لمنع الإنتشار النووي أو معايير دولية مٌلزمة فأن الإدارة السياسية الوحيدة المتوفرة لكينيدي هي الضغط الرئاسي القوى . ولهذه الأسباب بالذات كانت إسرائيل مترددة في قبول ضمانات من لجنة الطاقة الذرية الدولية على ديمونة. وقد وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بن غوريون ، من حيث المبدأ، على قيام فريق أمريكي بزيارة ديمونة في موعد غير محدد في المستقبل . وبعد ضغط أميركي مستمر وسلسلة من التأخيرات الإسرائيلية وافق بن غوريون أخيراً على زيارة سرية من قبل اثنين من العلماء الأميركيين لموقع ديمونة .
وفي 18 ايار (مايو) 1961 قام علماء من لجنة الطاقة الذرية الأمريكية بزيارة ديمونة وتوصلوا الى إستنتاج مفاده أن المفاعل غير المستكمل" هو من النوع السلمي الذي وصف سابقاً للولايات المتحدة ". وبسبب سيطرة إسرائيل على الزيارة فإن وكالة الإستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) شككت بصحة تقريرلجنة الطاقة الذرية الأميركية وهو إتجاه استمر طيلة فترة الزيارة التي قام بها عالمان أميركيان لديمونة . وبعد شهر كانون الاول (ديسمبر) عام 1960 أصبح لدى المخابرات الأميركية تقييماً ثابتاً بأن إسرائيل أنما تهدف الى صنع قنبلة ذرية وستفعل كل ما هو ممكن لملاحقة هدفها . على أية حال ، كان على البيت الأبيض أن يقر تقرير العالمين من دون أية تساؤلات. ولم يكن ذلك بسبب مجرد إقتناع سياسي على الرغم من أن التقرير كان مريحاً من الناحية السياسية للبيت الأبيض من حيث أنه سيمنع وقوف مجابهة مع إسرائيل، بل أن السبب الرئيسي في إقرار التقرير هو أن البيت الأبيض لم يكن في وضع يرفض فيه تقرير علمائه الذين أرسلهم الى إسرائيل بعد أن كافح بقوة من أجل إجبار إسرائيل على قبول زيارة العلماء الأميركيين.
وأكد التقرير الإيجابي الذي قدمه علماء لجنة الطاقة الذرية الأميركية أن الإجتماع الذي عقد في نيويورك بين كينيدي وابن غوريون بعد ذلك بأسبوعين كان ناجحاً. وأكد بن غوريون أن الغرض من ديمونة كان سلمياً ولكنه ربط ذلك بعبارة " في الوقت الراهن ". ولم يمارس كينيدي -الذي أوضح التزامه الحازم بقضية منع إنتشار الأسلحة النووية - أي ضغط جديد. لقد طلب من بن غوريون السماح له بتمرير مضمون التقرير الى آخرين، ووافق بين غوريون على ذلك. أن المجابهة مع كينيدي التي خشيها بن غوريون كثيراً لم تحدث . وشعر ابن غوريون بالإرتياح - فقد تم إنقاذ المفاعل - كما كتب كاتب سيرة حياته .
إن زيارة بن غوريون واجتماعه مع كينيدي أظهرا ضعف وعدم فعالية أسلوب كينيدي الثنائي في التعاون مع إسرائيل . وأصر كينيدي على قيام فريق أميركي بزيارة ديمونا - وحصل على ذلك - من أجل التحقق من تعهدات إسرائيل الشفوية . وهكذا فقد كان من المحرج بالنسبة له بأن يثير تساؤلات حول تقرير لجنة الطاقة الذرية. وشعرت (سي آي إيه) من البداية أن زيارة تستغرق يوماً واحداً يقوم بها إثنان من علماء لجنة الطاقة الذرية أو ثلاثة لديمونة برقابة ومرافقة إسرائيلية صارمة ليست هي الأسلوب لتحري نشاطات سرية، ناهيك عن النوايا ( الإسرائيلية ). وبموجب هذه الظروف فأنه من غير المحتمل أن يجد العلماء أي تناقض بين ما قالته إسرائيل للولايات المتحدة وما يجري بالفعل . وبعد سنوات عديدة كتب ماكغفرن يندي ( مستشار كينيدي للأمن القومي ) أن مثل هذه الزيارات " لم تكن جدية وقوية كما ينبغي من أجل الحصول على الرواية الصحيحة " لما يجري في ديمونة.
وقد ظهرت شهادة للمخابرات الأميركية عن إنتشار الأسلحة النووية وما تضمنته من شكوك تجاه إسرائيل في دراسة سرية للغاية في عام 1962 أعدتها وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) للبيت الأبيض .
وقد افترضت الدراسة استمرار الإتجاهات التكنولوجية ، وتنبأت بأن تكون هناك 16 دولة - باستثناء الدولة النووية الأربع الموجودة آنذاك - قادرة على إمتلاك أسلحة نووية ووسائل نقلها خلال عشر سنوات . ومن بين تلك الدول اعتبرت الصين بأنها الدولة التي ستحصل على الأسلحة النووية بصورة "مؤكدة تقريباً " واعتبرت إسرائيل بأنها الدولة التالية التي ستنشر الأسلحة النووية على أكبر ترجيح وتسبق بذلك السويد والهند . وتنبأت الدراسة بأن إسرائيل قد تجري أول تجربة نووية لها في الفترة ما بين ( 1966 - 1967 ) وقدرت الدراسة أن الصين ستجري تجربتها النووية الأولى في الفترة ما بين ( 1964ـ1965 ) . وسيكون لإسرائيل طائرة وصاروخ باليستي ( موجه ) متوسط المدى في موعد أقصاه عام 1968 ( قبل الصين الذي قدر لها أن تفعل ذلك في عام 1970 و 1972 ). ومن بين هذه الدول الست عشرة – وبخاصة فيما يتعلق بالدوافع - وضعت إسرائيل ( الى جانب فرنسا والصين ) في رأس القائمة.
ولاحظت المذكرة أنه في عام 1962 فأن تكاليف بناء برنامج سلاح نووي أولي ( إنتاج بضعة قنابل فقط) ستصل الى 150ــ 175 مليون دولار. وسيكون من المتوقع أن تقل التكاليف بصورة كبيرة بسبب التقدم التكنولوجي واتساع الأبحاث وقوة المفاعلات ، والتقدم في التكنولوجيا الناجم عن استمرار التجارب . وعلى الرغم من أن المذكرة إعترفت بأن حظر التجارب سيكون مساعداً من الناحية السياسية في كبح إنتشار الأسلحة النووية الا أنها لاحظت أنه حتى في حالة فرض حظر شامل فأن ذلك سيبطئ فقط من عملية إنتاج الأسلحة النووية بالنسبة لدولة مصممة على ذلك. وأكدت المذكرة ان الإجراء الأكثر أهمية سيكون الضغط السياسي الذي تكون الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي راغبين في ممارسته.
واعترفت إدارة كينيدي فيي وقت مبكر أن الأسلوب الثنائي - كما طبق على الوضع الإسرائيلي - كانت له نواقض وان الأسلوب الأفضل لوقت إنتشار الأسلحة النووية هو تعاون الدولتين الكبريين في وضع إتفاقية لمنع إنتشار هذه الأسلحة . وهذا الإدراك كان على الأرجح من بين الأسباب التي أدت الى تغيير في السياسة تجاه اقتراح ايرلندي بمنع إنتشار الأسلحة النووية. وفي شهر كانون الاول (ديسمبر) عام 1961 أيدت إدارة كينيدي مشروع قرار ايرلندي معدل يدعو الى التوصل الى إتفاقية لمنع إنتشار الأسلحة النووية تلزم بموجبها الدول النووية نفسها بعدم التخلي عن سيطرتها على أسلحتها النووية ، وبعدم تقديم معلومات عن كيفية صناعتها فيما تتعهد الدول غير النووية بعدم صناعة أو إمتلاك السيطرة على مثل هذه الأسلحة . وكان مشروع القرار الإيرلندي الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في الشهر نفسه عام 1961 أول تعبير رسمي عن اهتمام الدول الكبرى بمنع إنتشار الأسلحة النووية والذي أدى الى معاهدة حظر إنتشار الأسلحة في عام 1968 .
ان تبني الأمم المتحدة لمشروع القرار الإيرلندي جعل مفهوم معاهدة حظر إنتشار الأسلحة موضع بحث بين الدول الكبرى. ان الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية ـ السوفياتية حول هذه القضية بدأت في جنيف في شهر اذار (مارس) عام 1962 . وقد أصبح واضحاً في الحال أن الخلافات الرئيسية حول الترتيبات النووية الأميركية القائمة في حلف (الناتو) والمستقبلية "فكرة القوات متعددة الجنسيات" قد عرقلت أي تقدم. وتمسكت الولايات المتحدة بلغة الإقتراح الإيرلندي التي فسرت الحظر بـ "التخلي عن السيطرة على الأسلحة النووية" بينما أصر الإتحاد السوفياتي على حظر " النقل " المباشر أو غير المباشر للأسلحة النووية . وبالقدر الذي كان فيه المفاوضون الأمريكيون أكثر التزاماً بحماية مصالحهم الأوروبية أكثر من أي إتفاقية لمنع إنتشار الأسلحة كان أندادهم السوفيات أكثر من أي إتفاقية لمنع إنتشار الأسلحة النووية خارج حلف الناتو وألمانيا من اهتمام في قضية حظر إنتشار الأسلحة . وهكذا فأن فكرة عقد معاهدة حول حظر إنتشار الأسلحة النووية لم تكن ناضجة حتى الآن
كينيدي والحظر وإسرائيل : المجابهة الثانية
إن أزمة الصواريخ الكوبية في شهر تشرين الاول (أكتوبر) 1962 كانت تجربة مرهقة وصعبة بالنسبة لكينيدي . فقد أكدت القلق بشأن العيش في ظل القنبلة وعززت اقتناع كينيدي بأن إنتشار الأسلحة النووية يعتبر خطراً عالمياً لابد من احتوائه.
وبعد ذلك بعام أصبح حظر إنتشار الأسلحة النووية قضية أكثر مركزية بالنسبة بيرنامج كينيدي العالمي. وأعرب كينيدي في خطاب عام ألقاه في أواخر شهر مارس عام 1963 عن الحاجة الملحة لمنع إنتشار الأسلحة النووية على النحو التالي : " أن شعوراً يستحوذ علي شخصياً أنه ما لم ننجح في موعد أقصاه عام 1970 في التوصل الى معاهدة لحظر الأسلحة النووية فأنه قد يكون هناك عشر دول نووية بدلاً من أربع في موعد أقصاه 1975 وأنني أرى أن هناك إمكانية لأن يكون هناك خمس عشرة دولة أو عشرين دولة تمتلك هذه الأسلحة في السبعينات ؛ وأنني أرى كرئيس للولايات المتحدة أن من واجبي مواجهة عالم تكون فيه خمس عشرة دولة أو عشرين دولة أو خمس وعشرين دولة تمتلك هذه الأسلحة . واعتبر أن ذلك أعظم خطر يمكن أن يواجهه العالم".
ولم يذكر كينيدي إسرائيل في خطابه الا أنه في ربيع عام 1963 كانت إسرائيل في مركز جهود كينيدي من أجل حظر الأسلحة وفي شهر تموز (يوليو) عام 1962 أٌعدت دراسة حديثة حول " الإنشطار النووي " كتقديمها الى كينيدي في شهر فبراير عام 1963 . ولم تذكر هذه الدراسة في هذه المرة سوى ثماني دول باعتبارها ستكون قادرة على امتلاك الأسلحة النووية وقدرة أولية لنقلها في غضون عقد من الزمن .
وأشارت الدراسة مرة أخرى الى أن إسرائيل هي الدولة الأكثر إحتمالاٌ لنشر هذه الأسلحة بعد الصين ، وتنبأت الدراسة بأن تجري إسرائيل أولى تجاربها النووية في الفترة ما بين 1965ــ 1966 . واشارت الى أنه " في بعض الحالات بتعين علينا وعلى الآخرين ممارسة ضغوط وعقوبات أقوى من تلك التي مارسناها حتى الآن". وبعد ذلك بأسابيع أصدر رئيس مكتب CIA للتقديرات الوطنية شيرمان كفت مذكرة من ثماني صفحات الى مدير CIA جون ماككون حول عواقب امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية وبخاصة في ضوء النفوذ السوفياتي المتزايد في المنطقة . وجاءفي المذكرة أنه اذا لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً لوقف البرنامج النووي الإسرائيلي في مفاعل ديمونة فأن عليها أن تواجه العواقب المترتبة على ذلك خلال سنوات قليلة . واضافت المذكرة أنه إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن وقف الإنتشار النووي فأن عليها أن تتصرف بقوة مع إسرائيل قبل مجيء هذا الوقت . وقد أظهرت الوثائق السرية التي جرى رفع السرية عنها أنه في النصف الأخير من شهر مارس عام 1963 كان البرنامج النووي الإسرائيلي يحتل مكاناً بارزاً على جدول أعمال الرئيس كينيدي . وفي 25 اذار (مارس) بحث كينيدي البرنامج النووي الإسرائيلي مع ماككون الذي سلمه تقييم الـ سي آي ايه للعواقب المترتبة على امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية . وبعد ذلك الإجتماع طلب كينيدي من مستشاره لشؤون الأمن القومي ماكغورغ بندي بأن يصدر توجيهاً رئاسياً الى وزير الخارجية دين راسك ومدير الـ"سي آي ايه" ماككون ورئيس لجنة الطاقة الذرية سيبورغ يطلب منهم فيه أن يبحثوا عن "شكل من أشكال" الضمانات الدولية أو الثنائية الأميركية ـ السوفياتية للحد من هذه الأخطار .
وكانت النتيجة مذكرة العمل الصادرة عن مجلس الأمن القومي بعنوان " القدرات النووية للشرق الأوسط ". وجاء في المذكرة : "أن الرئيس يرغب بأن نتخذ ك " مسألة مستعجلة " كل إجراء معقول لتحسين استخباراتنا بشأن البرنامج النووي الإسارئيلي وبشا، برامج الأسلحة المتقدمة الأخرى لإسرائيل وللجمهورية العربية المتحدة والوصول الى تقييم أكثر دقة بشأن وارداتها . وفي هذا السياق فان رئيس الجمهورية يرغب بأن يجري التفتيش غير الرسمي القادم لمجمع المفاعل الإسرائيلي في الحال ويكون شاملاً الى أقصى قدر ممكن". وخلال أيام وضعت مذكرة مجلس الأمن القومي موضع التنفيذ . ففي 2 نيسان (أبريل) بادر السفير الأمريكي لدى إسارئيل بتقديم طلب جديد من أجل زيارة وفد أميركي الى مفاعل ديمونة . وفي الوقت نفسه شكلت وزارة الخارجية الأميركية مجموعة من عدة وكالات من أجل وضع خطة عمل باستخدام الجزرة والعصا لمنع إدخال أسلحة منقدمة (أسلحة نووية وصواريخ بالستيه ـ موجهة )الى المنطقة .
وكانت مذكرة الأمن القومي اختبارا لأسلوب أميركا في منع إنتشار الأسلحة النووية والصواريخ الباستيه في المنطقة .
وهذا الأسلوب كان متفقاً مع التوصيات التي صدرت عن دراسة للبنتاغون في شهر شباط (فبراير)، والتي تحث على استخدام أقوى الحوافز والعقوبات لإقناع بن غوريون بعدم انتاج أسلحة نووية. واستمرت معركة ديمونة بين كينيدي وبن غوريون ما بين شهر نيسان (أبريل) وحزيران (يونيو) عام 1963. وقد بدأت في أوائل أبريل حيث ضغط كينيدي على بن غوريون بشدة بشأن أهمية زيارة وفد أميركي الى ديمونة ومخاطر إدخال "أسلحة متقدمة" الى المنطقة. وحاول ابن غوريون مراراً المراوغة والتملص من هذه الجهود . وأراد بدلاً من ذلك البحث في قضية الضمانات الأمنية الأميركية لإسرائيل . ودرست إدارة كينيدي أيضاً أفكاراً مفصلة حول كيفية استجابتها بصورة إيجابية لطلبات ابن غوريون الأمنية بما في ذلك إمكانية تزويد إسرائيل بضمانات أمنية رسمية مقابل الطلب من ابن غوريون النظر بصورة مشجعة في اقتراحات أميركية لمنع إنتشار الأسلحة النووية والصواريخ البالستية في المنطقة . وقد شكلت عملية المقايضة هذه الخلفية لأول مهمة قام بها جون مكلوي لمصر وإسرائيل والتي كانت مقررة في يونيو ويوليو عام 1963 . وكانت الرغبة أن يكون مشروع ديمونة في قلب مهمة مكلوي .
وأخيراً فإن جهود ابن غوريون للتملص من ضغوط كينيدي حول ديمونة كان لها مردود عكسي . فقد وافق ابن غوريون على مضض أو على غير رغبة منه على مطالب كينيدي بأن تكون هناك زيارات " دورية " تقوم بها ووفود أميركية لديمونة .
وبعد ذلك بوقت قصير استقال ابن غوريون كرئيس لوزراء إسرائيل وانتقلت مهمة حل المجابهة مع كينيدي الى خليفة بن غوريون ليفي اشكول . فقد قام كينيدي المصمم على أن لا يسمح لـ"استقالة بن غوريون بعرقلة جهوده ، بالتصال بسرعة مع اشكول حول الزيارات الأميركية لديمونة . وفي رسالة شديدة اللهجة المؤرخة في 5 يوليو 1963 الى أشكول، أي في فترة أقل من أسبوعين من تولي أشكول منصبه ، استخدم كينيدي أقوى العقوبات التي يمكن لرئيس أميركي أن يستخدمها ضد إسرائيل. لقد هدد كيندي بأنه إذا لم تسمح إسرائيل بزيارات أميركية لديمونة-بموجب شروط كيندي القاسية- فأنه سيحرمها من التزام أميركي بأمنها. وأدخلت هذه الرسالة العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية في أزمة . وفي محاولة لنزع فتيل الأزمة تدخل السفير وولويرث باربور وأبلغ أشكول وغيره من المسؤولين الإسرائيليين الرئيسيين بأن مسألة ديمونة مهمة "لكيندي لأسباب عالمية وأن أهميتها تتعدى قضايا العلاقات الثنائية وطلب منهم أن لا يفسروا ضغط كيندي بشأن ديمونة كدليل على تغير أساسي في العلاقة الخاصة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل .
وتؤيد الوثائق الأرشيفية الأميركية السرية التي نشرت مؤخراً بعد الإفارج عنها وجهة نظر السفير باربو، وهي أن كيندي فكر في ربيع وصيف عام 1963 بمشكلة المفاعل الإسرائيلي في نطاق جدوله النووي العالمي . وفي ذلك الوقت كان كيندي مشغول بجدول أعمال معقد وحساس يتعلق بالإشراف العالمي على الأسلحة النووية وبخاصة الربط بين قضايا معاهدة حظر التجارب النووية وقضايا إنتشار الأسلحة . وفي المرحلة النهائية من المفاوضات حول المعاهدة الجزئية لحظر التجارب النووية في شهر يوليو استكشف كيندي بعض الأفكار السياسية العريضة حول كيفية ربط هذه المعاهدة بمشكلة إنتشار الأسلحة النووية وفي أوائل شهر يوليو 1963 وقبيل مهمة أفريل هاريمان للتفاوض حول المعاهدة الجزئية في موسكو حاول كيندي أن يضع مجموعة من القضايا المتعلقة بالأسلحة النووية على مستوى العالم بحيث تشكل جدول أعمال للمفاوضات . وكان يبدو أن مشكلة إسرائيل كانت جزءاً لا يتجزأ من برنامجه النووي العالمي .
زمنذ البداية إعتبرت إدارة كيندي مفتاح التوصل الى معاهدة لمنع إنتشار الأسلحة النووية يعتمد على إتفاقية أولية مع الإتحاد السوفياتي . وكان يفترض أن منع إنتشار الأسلحة يعتبر قضية من مجموعة قضايا تهم الدولتين الكبرتين النوويتين .
وفي شهر أبريل عام 1963 قدمت الولايات المتحدة للإتحاد السوفياتي مسودة إعلان بمنع نقل الأسلحة النووية على اعتبار أنه أول مسودة معاهدة أميركية لمنع إنتشار الأسلحة . وتنص الوثسقة الأميركية على أن تلزم الدول النووية نفسها بهذه المعاهدة التي تنص على عدم نقل أية أسلحة نووية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال حلف عسكري لتوضع تحت السيطرة الوطنية لدولة لا تمتلك حالياً مثل هذه الأسلحة . كما تنص على أن لا تقوم الدول النووية بمساعدة مثل هذه الدول في صنع مثل هذه الأسلحة . وتنص أيضاً على أن توافق الدول غير النووية الموقعة على المعاهدة على عدم إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية . كما قدمت الولايات المتحدة للإتحاد السوفياتي مذكرة تنص على أن القوات المسلحة لن تستثنى من هذه الإتفاقيات . وقد عارض الإتحاد السوفياتي بحزم هذه الفكرة وتمسك بالموقف القائل بأن هذه الفكرة أنما تشكل إنتشاراً للأسلحة النووية وأن أي إتفاقية مقبولة لابد أن تشمل القوات المسلحة . وعارض بشكل خاص دور المانيا في ذلك خشية أن يتاح لها عملياً الإشراف على أسلحة نووية . وهكذا وصلت المفاوضات في أوائل عام 1963 حول حظر إنتشار الأسلحة النووية الى مأزق . وأمل صناع السياسة الأميركيون أن تكون المفاوضات النهائية حول المعاهدة الجزئية لحظر التجاري النووية في شهر يوليو فرصة لطرح قضية منع إنتشار الأسلحة النووية . واشارت مذكرة قدمتها وكالة الإشراف على الأسلحة ونزع السلاح الأمريكية بعنوان " المضاعفات السياسية " لحظر التجارب النووية الى أنه على الرغم من أن حظر التجارب وحده لن يقدم جواباً على القضايا الأكثر حدة مثل قضية الصين الشيوعية . الا أنه سيزيد من الضغط الذي قد تمارسه الولايات المتحدة . وسيفتح الطريق أمام محاولات الإقناع وربما على مستوى دولي . وجاءت مهمة هاريمان في موسكو بعد ايام من إرسال كيندي رسالة شديدة اللهجة الى رئيس الوزراء الإسرائيلي أشكول حول مفاعل ديمونة . وقد حٌددت مهمة في موسكو بناحيتين : هما المفاوضات والإستكشاف . وطٌلب من هاريمان في نطاق مهمته الإستكشافية أن يتبين الى أي مدى تستطيع الدولتان الكبريان التعاون بينهما في مجال منع إنتشار الأسلحة النووية . وأن التعليمات الرسمية التي أعطاها مجلس الأمن القومي لهاريمان جعلت مهمة مرنة ومفتوحة . كما طلب منه مجلس الأمن القومي بأن يتسعرض بصورة عملية مجمل القضايا التي تتعلق بالسلام والأمن والتي يختلف عليها الأميركيون مع السوفيات . وجاء في التعليمات التي وجهت الى هاريمان ما يلي: "إن عليك أن تواصل التأكيد على العلاقة بين معاهدة لحظر التجارب النووية ورغبتنا في الإشراف على الأسلحة النووية . ولدى متابعتكم لهذا الموضوع عليكم الإسترشاد بالمحادثات التي جرت حول الأسلحة النووية بين دين راسك والسفير السوفياتي دوبرينين .
ويمكن الإشارة الى أن الولايات المتحدة حاولت ضمان التقيد بالتفاقية من قبل تلك الدول المرتبطة معها إذا كان الإتحاد السوفياتي راغباً في تحمل مسؤولية موازنة تجاه تلك الدول المرتبطة به . وتنص وقائع إجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي على أن وزير الخارجية راسك أكد في الإجتماع أنه خلال محادثاته السابقة مع السوفيات وافقوا على التعريف الأميركي للدول النووية بأنها " اربع دول " هي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وجمهوريات الإتحاد السوفياتي الإشتراكية . وطبقاً للتعليمات الرسمية التي أعطيت الى هاريمان فأن المسألة الأكثر حساسية في مهمة هي رؤية مدى إنفتاح السوفيات على جهد أميركي ـ سوفياتي مشترك بحظر إنتشار الأسلحة النووية بما يتعدى الدول " الأربع الكبرى". وارادت الولايات المتحدة أن تعرف رأي السوفيات بشأن القضية النووية الصينية وما إذا كانوا مستعدين لعمل شيء ما آزاءها . فإذا ما بذلت الولايات المتحدة جهوداً لتأمين جميع الدول المرتبطة بها فهل سيفعل الإتحاد السوفياتي الشيء ذاته .
ولم يذكر اسم إسرائيل في وثيقة مجلس الأمن القومي الأميركي الا أنه كان واضحاً في شهر يوليو 1963 . أن إسرائيل وألمانيا كانتا الدولتين الوحيدتين اللتين كانت الولايات المتحدة تشير لهما في رغبتها بتحمل بعض المسؤولية تجاه عدم امتلاكهما للأسلحة النووية .
وقد عقد إجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي بعد خمسة ايام فقط من إرسال كيندي رسالةا لى أشكول والتي تتضمن تهديدات قوية بشأن مفاعل ديمونة. وأٌعطيت التعليمات الأكثر حساسية الى هاريمان شفوية في إجتماع منفرد مع كيندي في 10 يوليو. وقد تم استثناء قضايا الصين وألمانيا بصورة متعمدة من إجتماع مجلس الأمن القومي الأميركي . ولم تكن ثمة وقائع لاجتماع كينيدي ـ هاريمان ، ولذلك لا يعرف أن كانت قضية إسرائيل قد بحثت في ذلك الإجتماع والى أي مدى؟
لم تؤد مهمة هاريمان في موسكو بشا، التعاون مع السوفيات حول إتفاقية لمنع إنتشار الأسلحة النووية الى نتائج. وأبدى السوفيات معارضتهم الحازمة للإقتراحات الأميركية الخاصة بقوات الناتو في أوروبا باعتباره العقبة الرئيسية في وجه مثل هذه الإتفاقية . كما رفض نيكتيا حزوشوف التحدث عن الصين . ولم تتوفر أي فرصة لهاريمان حتى لإستكشاف المسألة النووية الصينية مع السوفيات في سياق إتفاقية حظر إنتشار الأسلحة النووية . ولذلك فأن مهمة هاريمان في موسكو لم تحقق الإنجاز الذي أملت فيه الحكومة الأميركية بشأن حظر إنتشار الأسلحة النووية .
وحتى بدون احراز تقدم مع السوفيات واصل كيندي إنتهاج سياسته الحازمة والهجومية بشأن حظر إنتشار الأسلحة النووية مركزاً بصورة أولية على المسألة الإسرائيلية . وإعتبرت واشنطن في صيف ذلك العام أن إسرائيل هي الأكثر نصميماً بعد الصين على إنتاج ونشر الأسلحة النووية والأكثر خطورة في هذا المجال من كل الدول الغربية . وقد كان أمراً حيوياً باللنسبة لكيندي أن يحصل على التزام من أشكول بعدم نشر الأسلحة النووية وإيجاد ترتيب ثنائي طويل المدى للتحقيق من الإلتزام الإسرائيلي . وفي غياب معاهدة لحظر إنتشار الأسلحة النووية لم يكن لدى الولايات المتحدة من خيار سوى دفع القضية عبر الوسائل الثنائية .
وكان من المهم بالنسبة لصناع السياسة الأميركية آنذاك الإعتراف بالتأثير العالمي للمشكلة الإسرائيلية النووية في ذلك الوقت . فإذا ما أجرت إسرائيل تجربة نووية تحت الأرض خلال عامين أو ثلاثة أعوام آنذاك كما كانت تعتقد المخابرات الأميركية بأنها ستستطيع ذلك فسيكون لذلك آثار مدبرة على المعادلة النووية الحساسة في أوروبا وبخاصة في ألمانيا . وفي ضوء هذه الظروف حذر نائب مدير وكالة الإشراف على الأسلحة ونزع السلاح أدريان فيشر من أن المانيا ستجادل بأنها ستبقى دولة من الدرجة الثانية طالما أنها اقل استقلالية من ناحية القدرة النووية من إسرائيل والسويد والهند . وستكون النتيجة أن القرار الإسرائيلي سيكون له آثار سلبية على أهداف السياسة الأميركية في أوروبا .
وأدى ضغط كيندي على إسرائيل الى بعض النتائج الملموسة . فبعد أسابيع من المداولات المكثفة والمشاورات كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أشكول رسالة الى كيندي في 19 أغسطس يقبل فيها معظم مطالب كيندي فيما يتعلق بزيارات وفود أميركية الى ديمونة . ووافق أشكول بشكل خاص على طلب كيندي بأن يتمكن العلماء الأميركيون من القيام بزيارات دورية الى موقع ديمونة بما في ذلك زيارة يقومون بها قبل أن يدخل المفاعل مرحلة العمل ، ولكن أشكول ترك جوابه عامضاً بشأن عدد هذه الزيارات ( فقد طلب كيندي زيارات نصف سنوية ) . وكتب كيندي في رده على أشكول في 26 أغسطس ما يلي " أن رسالتكم المؤرخة في 19 أغسطس لقيت الترحيب الشديد في واشنطن " . وهكذا فأن الأزمة بشأن ديمونة قد حٌلت بالوسائل الثنائية . وبدآ أن الدبلوماسية الأمريكية قد كسبت فيما يتعلق بالحالة النووية الإسرائيلية . فقد وافقت إسرائيل على ترتيب الزمت نفسها به بالقول والعمل بعدم نشر أسلحة نووية . وكان الهدف من الزيارات الأمريكية نصف السنوية لديمونة ـ كما ذكرها كيندي في رسالة الى أشكولـ تجسيد الضمانات الخاصة بوكالة الطاقة الذرية الدولية . وقد أمكن بواسطة العمل الرئاسي القوي إقامة بعض القيود على مطامع إسرائيل النووية .
بداية إدارة جونسون : التجربة الصينية ، لجنة غلباتريك وإسرائيل :
في 22 نوفمبر 1963 أغتيل الرئيس كينيدي وأقسم ليندون جونسون اليمين القانونية كرئيس للولايات المتحدة . وبالنسبة للرئيس جونسون فإن إنتشار الأسلحة النووية لم تكن مسألة مهمة كما كانت بالنسبة لكينيدي . ومن المؤكد أنه كان يفتقر الى الشعور بالإستعجال بالنسبة للحد من طاقة ديمونة في إنتاج الأسلحة النووية . ولم يكن لدى جونسون تصور كبير خاص به عن إنتشار الأسلحة النووية الا بعد أن أجبر على التعامل مع تقرير غلباتريك الخاص بتشكيل قوة عمل خاصة . أما فيما يتعلق بديمونة فقد اتبع جونسون ترتيبات كينيدي من خلال مساعديه ( وكان فريق كينيدي وبخاصة ماكجورج بندي ، روبرت كومر ، ماير فيلدمان قد ظلوا في مناصبهم حتى عام 1965-1966 ) ولكن بدون أن يكون لديه ( جونسون ) الإهتمام الشخصي الذي كان يعلقه كينيدي على ديمونة.
وخلال فترة قصيرة كان هناك شعور بأن بالإمكان كبح الحالة النووية الإسرائيلية من خلال الوسائل الثنائية . وكان لدى الرئيس الجديد قضايا مستعجلة مثيرة ليركز اهتمامه عليها ، وبخاصة القضايا المحلية ( بما في ذلك حملته الإنتخابية ) . ووضعت قضية إنتشار الأسلحة النووية ضمن اهتمامات متأخرة .
وكان قرب حدوث التجربة النووية الصينية هو الذي نقل قضية الإنتشار النووي الى مقدمة البرنامج السياسي لجونسون في عام 1964 . وفي عام 1964 بحث مدير وكالة الإشراف على الأسلحة ونزع السلاح ويليام فوستر مسألة إنتشار الأسلحة النووية في تقرير قدمه الى راسك . ويعتبر هذا التقرير مهماً لأنه تضمن وجهة نظر مفصلة عن مسألة الإنتشار النووي . وجاء في التقرير ان قرب حدوث التفجير الصيني فرض مشكلة للولايات المتحدة . وقال التقرير أن التجربة النووية الصينية يمكن أن تحدث في أي وقت وستشكل ضغطاً كبيراً على ثلاث أو أربع دول تعتبر قادرة من الناحية الفنية على إنتاج أسلحة نووية ، لكي تتخذ قرارها الطني لأسباب أمنية أو من أجل المكانة الوطنية . وبسبب النزاعات الإقليمية فأن أي قرار وطني من أي واحدة من هذه الدول قد يجبر دولاً أخرى أقل أهلية من الناحية الفنية على إتخاذ قرار مماثل للبدء في جهد شامل من أجل امتلاك أسلحة نووية أيضاً . وكما قال فوستر في نقريره " وإذا ما بدأت هذه العملية فقد يكون من المستحيل وقفها ولذلك فأن المعضلة التي تواجه الولايات المتحدة هي كيفية منع بدءها . وأضاف يقول أنه إذا لم تحل هذه المشكلة سواء نتيجة الخطأ أو التأخير فسنواجه قريباً بعالم تكون فيه عشر دول أو ربما عشرون دولة فيما يعد تمتلك قدرات نووية وطنية . وسيكون هذا عالم محفوف بالخطر وعدم الأمن .
وفي توضيح مشكلة الإنتشار النووي ميز فوستر في تقريره بين مسارات العمل التالية:
1-عدم تشجيع الدول على أساس أخذ القضايا منفردة كل دولة على إنفراد .
2- عرقلة إنتشار القدرات الفنية .
-3محاولة تطوير أقصى قدر ممكن من الإجماع السياسي ضد الإنتشار النووي. ( ولدى توضيح الجهود الرامية الى عدم تشجيع الدول من الإستمرار في برامج الأسلحة النووية أورد التقرير إسرائيل والهند والسويد واليابان وألمانيا الإتحادية باعتبارها الدول التي تمتلك القدرات الفنية التي تدعم أي قرار وطني لإنتاج أسلحة نووية . ولاحظ التقرير أنه من بين كل هذه الدول الخمس فأن الولايات المتحدة تواجه برنامجاً نشطاً قائماً لمواجهة منع إنتشار الأسلحة النووية في الضرق الأوسط أي لدى إسرائيل . وهذا يشمل الترتيب الأميركي - الإسرائيلي الثنائي المتعلق بزيارات يقوم بها علماء أميركيون الى ديمونة وجهوداً أمريكية أخرى ( مثل المهمة الي قام بها ماكلوي مرتين في عامي 1963،1964 ) لإجراء حوار حول الإشراف على الأسلحة مع مصر . وأوصى التقرير باستمرار هذا البرنامج الثنائي وتوسيعه غلى اساس أخذ القضايا بصورة إنفرادية. كما أوصى التقرير بأن يدعم هذا البرنامج لكي يكون فعالاٌ بالرغبة في بحث بعض أشكال الترتيبات الأمنية التي تتضمن اشتراكاً أميركياً أو مساعدة أميركية . وأشار التقرير الى ضرورة الإهتمام بعنصر الوقت وثني هذه الدول عن إنتاج الأسلحة النووية قبل أن تتخذ قراراً وطنياً بهذا الشأن واقترح التقرير أن نجاح البرنامج الأميركي على المستوى الثنائي قد يكون مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمدى التقدم الذي يتم احرازه باتجاه التوصل الى إتفاقية دولية لمنع إنتشار الأسلحة النووية ، والتي ستكون مرتكزة على إتفاقية عالمية بين الدولتين الكبيرتين .
وقال التقرير أن الصين لن تنضم الى أي اتفاقية لمنع إنتشار الأسلحة النووية وإذا أصرت الولايات المتحدة على ذلك فأن فرص التوصل الى معاهدة ستغلق سلفاً . وأوصى التقرير بأن لا تؤخر الولايات المتحدة الجهود الرامية الى منع الإنتشار النووي الى حين حل المشكلة الصينية . وقال التقرير " أنه حتى لو طور الصينيون قدرة نووية ، فأن عالماً فيه خمس دول نووية سيكون أفضل بكثير من عالم فيه عشر دول أو عشرون دولة .
وفي 16 أكتوبر عام 1964 ، وطبقاً لما تنبأت به المخابرات الأميركية ـ فجرت الصين أول تجربة نووية لها . وصادف بعد ذلك بيوم ازاحة خروشوف من منصبه. وهذان الحدثان معاً قدما تذكيراً بهشاشة العصر النووي . وأكد الرئيس جونسون هذه النقطة في خطاب وجهه الى الشعب الأميركي . ولاحظ أن خروشوف أطهر في السنوات الأخيرة أنه " مدرك للحاجة الى التعقل في العصر النووي " . واشار جونسون الى أن الصين الشيوعية تفتقر الى الخبرة كدولة رئيسية وأن نواياها في إنتاج الأسلحة النووية ستكون باهظة التكاليف وقاسية على شعبها .
وأكد التفجير الصيني على تغيير في الأولوية وفي درجة الإستعجال لدى الإدارة الأمييكية بالنسبة للقضايا القائمة . ففي عامي 1962و1963 إعتبرت الحالة النووية الإسرائيلية بأنها أكثر القضايا خطراً وأكثرها استعجالاً بعد الصين الشيوعية ، ولكن في أعقاب الترتيبات التي تمت بين كينيدي وأشكول فأن صفة الإستعجال التي كانت تحيط بالحالة الإسرائيلية تلاشت الى حد كبير . وفي عام 1964 كان هناك شعور في واشنطن بأن المشكلة النووية الإسرائيلية قد تم احتواءها - على الأقل سياسياً - . وأن هذا الأمر قد يظل قائماً طالما أن الولايات المتحدة تلبي احتياجات إسرائيل من الأسلحة التقليدية . ومن جهة أخرى فأن التفجير الصيني أثار إمكانية حدوث سلسلة من ردود الفعل بشأن الإنتشار النووي وبخاصة من جانب الهند واليابان وباكستان .
وبعد شهر من التفجير الصيني عين الرئيس جونسون قوة عمل خاصة تتشكل من عشرة أميركيين بارزين لديهم الخبرة في الشؤون النووية والإشراف على الأسلحة برئاسة وكيل وزارة الدفاع السابق روسويل غيلباتريك لدراسة مشكلة الإنتشار النووي وكيفية قيام الولايات المتحدة بمحاربته.
وتشكيل هذه القوة يعني الإعتراف بأن الوضع العالمي بعد التفجير النووي الصيني يتطلب تفكيراً جديداً بشان إنتشار الأسلحة كما أنه يعني أن السياسة الأميركية لمنع الإنتشار مجزأة وأنها تفتقر الى التماسك والتنسيق على المستوى العالمي . وكانت هناك أسئلة أولية مطروحة على لجنة غيلباتريك ( قوة العمل ) وهي :
هل الإنتشار النووي مسألة حتمية حقاً ؟ وإذا كانت حتمية فهل الإنتشار النووي سيء دائماً لأميركا ؟ وأين ينبغي أن تضع الولايات المتحدة سياساتها بشان منع إنتشار الأسلحة النووية على سلم الأولويات بالنسبة للإعتبارات الخاصة بالسياسة الخارجية ؟ وكان التفويض الذي أعطي للجنة غيلباتريك واسعاً . وعلى الرغم من وجود اختلاف في الآراء بين أعضاء اللجنة الا أنها توصلت بالإجماع الى وجهة النظر القائلة بأن " منع المزيد من إنتشار الأسلحة النووية هو في الصالح الوطني للولايات المتحدة على الرغم من القرارت الصعبة المطلوبة بهذا الشأن كما أنه يجب على الولايات المتحدة - كأمر له صفة الإستعجال الملح - أن تزيد بصورة جوهرية من جهودها لمنع إنتشار الأسلحة إذا كانت تريد أن يكون لديها أي أمل بالنجاح .
وتوصلت لجنة غيلباتريك تحديداً الى الإستنتاجات التالية :
أولاً : أن الإنتشار النووي " يشكل تهديداً خطيراً بصورة متزايدة لأمن الولايات المتحدة " . وبهذا القول اتخذت اللجنة موقفاً عاماً حول كل حالات الإنتشار النووي بدون أن تٌصنف الدول التي تسعى لإمتلاك الأسلحة النووية كدول صديقة أو عدوة للولايات المتحدة . وقال تقرير اللجنة أن أية قدرات نووية إضافية مهما كانت بدائية وبغض النظر عن الجهة التي طورتها " ستضيف مزيداً من التعقيدات وعدم الإستقرار لتوازن الردع القائم بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي ويفاقم الشكوك والعداء بين الدول التي تجاور الدول النووية . وقال التقرير ان الإنتشار النووي سيؤدي كذلك الى تقليل نفوذ الولايات المتحدة على المستوى العالمي . وذكر التقرير أن " نفوذ الولايات المتحدة الدبلوماسي والعسكري سيتفاءل وستنشأ ضغوط جديدة من أجل العزلة لتجنب أخطار التورط في حرب نووية ".
ثانياً : إن العالم سيقترب بسرعة الى نقطة اللاعودة في مجال السيطرة على إنتشار الأسلحة النووية . ولذلك أوصت اللجنة باتخاذ " خطوات قوية وشاملة لعدم تشجيع المزيد من الدول على إمتلاك القدرات لإنتاج الأسلحة النووية .
ثالثاً : أن النجاح في منع إنتشار الأسلحة النووية في المستقبل يتطلب جهداً مركزاً ومكثفاً . من خلال اتفاقيات متعددة الأطراف ومن خلال التأثير على دوافع بعض الدول .
وأشار التقرير الى أن الأعمال التي تؤثر على إنتشار الأسلحة تتعلق بسلسلة واسعة من المصالح الأمركية والنشاطات التي تقع ضمن مسؤولية مختلف الوكالات الأميركية . ومن أجل ضمان جهود فعالة لوقف الإنتشار النووي أوصى التقرير بأن توحد الولايات المتحدة سياستها في منع إنتشار الأسلحة النووية على أعلى المستويات . واعترف التقرير بأهمية اشتراك الإتحاد السوفياتي كشريك في هذه الجهود .
وأخيراً لاحظت لجنة غيلباتريك أن الجهود المنسقة يمكن أن تؤدي الى نتائج مثمرة واقترحت اللجنة أن تقوم الجهود الأميركية على ثلاثة مسارات :
-1التفاوض بشأن معاهدة رسمية متعددة الأطراف لمنع إنتشار الأسلحة النووية .
-2 ممارسة النفوذ الأميركي على القرارات الوطنية للدول بصورة منفردة فيما يتعلق بامتلاكها لأسلحة نووية .
-3أخذ زمام القيادة والمبادرة في السياسات والأعمال المتعلقة بمجالات الإشراف على الأسلحة .
كما أن تقرير اللجنة أعطى توصيات سياسية تتعلق بدول غير نووية محددة . وكانت إسرائيل واحدة من هذه الحالات . وجاء في التقرير أنه " إذا ما ظلت إسرائيل دول غير نووية فأن علينا أن نواصل إعطاءها ضمانات ضد القضاء عليها ومن جانب الجمهورية العربية المتحدة . ويجب أن نوضح لإسرائيل أن هذه الضمانات ستٌسحب إاذ طورت قدرة علة على إنتاج أسلحة نووية ، وسنكون مستعدين للنظر بإجراءات أخرى أيضاً .
ويوضح تقرير اللجنة والمواد الأرشيفية المتعلقة به أن إسرائيل كانت من بين أربع دول هي الهند واليابان والسويد ( وإسرائيل ) اعتبرت بأنها تمتلك المقدرة الفنية على إنتاج الأسلحة النووية وأنها تفكر بنشاط في القيام بذلك . وفي حالة إتخاذ قرارات من جانب الهند وإسرائيل لإنتاج أسلحة نووية فأن باكستان والدول العربية ستعبر بصورة حتمية على أنها هي الأخرى ينبغي أن تكون حرة في امتلاك أسلحة نووية وتوصلت لجنة جيلباتريك الى استنتاج بأن على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة لممارسة ضغط قوي على دول مهمة ( بما فيها ألمانيا وفرنسا والهند واليابان وإسرائيل والجمهورية العربية المتحدة والسويد ) من أجل تحقيق إشتراكها في إتفاقية دولية شاملة لحظر إجراء التجارب النووية ومنع إنتشار الأسلحة النووية .
وقدم تقرير لجنة جيلباتريك الى الرئيس جونسون في 21 يناير 1965 . وعلى الرغم من أن التقرير صٌنف باعتباره " سرياً للغاية " الا أن توصياته تسربت خارج الإدارة وأصبحت في الحال موضع جدل سياسي على الصعيد المحلي الأميركي . وفي وقت لاحق من ذلك العام تبنى العضو الديمقراطي في مجلس الشيوخ، روبرت كينيدي قضية منع الإنتشار النووي في خطاب رئيسي ألقاه في مجلس الشيوخ ، يتمشى مع الخطوط العريضة الواردة في توصيات تقرير لجنة غيلباتريك . وهاج موقف إدارة جونسون بالنسبة لإقتراحاتها الخاصة باستثناء قوات حلف الناتو في أوروبا . وأكد أن الهند وإسرائيل يمكن أن تصنعا قنبلة ذرية خلال بضعة أشهر وأظهرت عملية مسح بين علماء نوويين أميركيين نشرها معهد لويش هاريس لتحليل الآراء في أغسطس عام 1965 أن إسرائيل ستكون الدولة التالية التي تفجر قنبلة ذرية وتنبأ استفتاء الرأي لدى العلماء الأميركيين بأن الهند ستأتي بعد إسرائيل في تفجير قنبلة ذرية .
أواخر ولاية جونسون : إسرائيل وظهور معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية
كانت لجنة غيلباتريك حجر الزاوية في إظهار أهمية عقد معاهدة لمنع إنتشار الأسلحة النووية على أهداف السياسة الخارجية الأميركية . وكانت إدارة جونسون بطيئة في تبني التوصيات السياسية للجنة . فقد واجهت الإدارة معضلة بين التزامها بقضية حظر إنتشار الأسلحة النووية ومتطلبات مستقبل الترتيبات النووية الأميركية مع حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا ، وتركزت المعضلة بصورة خاصة على مستقبل الخطة الخاصة بتحديد القوات العسكرية في أوروبا والتي قد تشمل قوة نووية استراتيجية للناتو تكون لها قيادة مشتركة وملكية مشتركة للأسلحة وقوات مشتركة .
ولم تكن إدارة جونسون مستعدة للموافقة على معاهدة لمنع إنتشار الأسلحة النووية تستثثنى الأسلحة النووية من ترتيبات أوروبية جماعية في المستقبل وعارض السوفيات ذلك . وكان هدفهم الرئيسي هو منع المانيا من الحصول على قجرات نووية من أي نوع .
وأمر مجلس الشيوخ في 17 مايو 1965 مشروع قرار قدمه عضو مجلس الشيوخ جون باستور يحث الرئيس على بذل مزيد من الجهود لحل مشكلة الإنتشار النووي .
وفي خريف عام 1966 تحرك الرئيس جونسون لتبني لغة جديدة في المادة الأولى من المعاهدة وفتحت مفاوضات جدية في أوائل عام 1967 وأصبحت إمكانية التوصل الى معاهدة لمنع إنتشار الأسلحة النووية قائمة . وبالنسبة لإسرائيل فقد أصبح واضحاً في عام 1966 بأن الترتيب النووي الذي تم الإتفاق عليه بين الرئيس كينيدي ورئيس الوزراء الإسرائيلي أشكول قد أصبح موضع خلاف . فتلك التفاهمات بين كينيدي وأشكول كانت غامضة جداً . فالقضايا الرئيسية كانت موضع تفسيرات مختلفة . ومن الناحية العملية فأن التفسيرات الإسرائيلية هي التي سادت . فزيارات العلماء الأمريكيين لمفاعل ديمونة لم تتم قط وفقاً لطلب كينيدي الأساسي ( رسالته الى أشكول في 5 يوليو 1963 ) . وسيطرت إسرائيل بدقة على قواعد السلوك خلال هذه الزيارات . واصبح الجانبان غير مرتاحين بل أنهما بدءا يكرهان هذه الترتيبات النووية الثنائية السرية بينهما . وفيما استمرت إسرائيل بتدمير الشروط التي أصر عليها الرئيس كينيدي فأن " الزيارات الدورية " لديمونة أصبحت عثياناً سياسياً للطرفين . وفي منتصف عام 1965 أرسل الرئيس جونسون رسالة الى أشكول طلب فيها بأن توافق إسرائيل على وضع مفاعل ديمونة تحت ضمانات لجنة الطاقة الذرية الدولية . ولم يٌجب أشكول حتى على الطلب الأميركي . وقدرت الولايات المتحدة التزام أشكول السياسي بأن إسرائيل لن تكون البادئة بإدخال الأسلحة النووية وكلن أمريكا أدركت أيضاً أن هذا الإلتزام الشفوي كان ضعيفاً جداً . فقد كان تعهداً غير مٌلزم ومن جانب واحد ، وتستطيع إسرائيل أن تغير موقفها في أي وقت . وفي عامي 1965 و 1966 كانت المخابرات الأميركية قد اعترفت أن هذا الترتيب الثنائي بين الولايات المتحدة وإسرائيل قد فشل في وقف الجهود الإسرائيلية . والزيارات الأميركية لديمونة لم تفعل سوى القيل من أجل تغيير هذا الوضع بل أدت بدلاً من ذلك الى الإدارك بأن البرنامج الإسرائيلي لن يتوقف . وهدف الزيارات الأميركية اختلف بصورة أساسية عن الهدف الأصلي الذي وضعه الرئيس كينيدي وهو إيجاد نظام للمراقبة قريب من نظام الضمانات الخاص بلجنة الطاقة الذرية الدولية . وكل الوكالات الأميركية التي كان لها علاقة بالزيارة وهي وكالة الإشراف على الأسلحة ونزع السلاح ولجنة الطاقة الذرية ووزارة الخارجية والبيت الأبيض كانت مدركة للثغرات الرئيسية في مهمتها . وعندما قام هريمان وكومر بزيارة إسرائيل في شهر مارس عام 1965 للتحدث مع المسؤولين الإسرائيليين ، فقد كان أحد الأهداف الرئيسية لمهمتها إقناع الإسرائيليين باستبدال الترتيب الخاص بالزيارات لديمونة باتفاقية ضمانات رسمية مع وكالة الطاقة الذرية الدولية . وبعد ذلك بعام كانت الولايات المتحدة مستعدة لتزويد إسرائيل بمصنع نووي لتحلية مياه البحر مقابل موافقة إسرائيل على قبول ضمانات لجنة الطاقة الذرية الدولية حول ديمونة . وقاومت إسرائيل كل هذه الجهود. وفي غياب أي بديل، استمرت الزيارات الأمريكية لديمونة . وفي الجانب الإسرائيلي أصبحت حكومة أشكول غير مرتاحة بصورة متزايدة أزاء هذا الترتيب الثنائي مع الولايات المتحدة . فالزيارات الأميركية لديمونة سببت إحراجاً سياسياً لأشكول داخل إسرائيل وكشفته باعتباره شخصاً عرض السيادة الإسرائيلية والأمن الإسرائيلي للخطر .
وفي عامي 1966و1967 توصلت عناصر في الجانبين بهدوء الى استنتاج بأن الترتيب الخاص بديمونة لم يعد له جدوى . وأدرك كثيرون في واشنطن أن الإجراءات والحقائق التي أسفرت عنها زيارات ديمونة تفتقر الى المصداقية. وقد تم التوصل الى استنتاج بأن الحل الوحيد الممكن وطويل المدى للحالة النووية الإسرائيلية سيكون من خلال معاهدة دولية . فإذا انضمت إسرائيل الى مثل هذه المعاهدة فأنها ستعفي الولايات المتحدة من ترتيب ثنائي غير مريح وربما يدعو الى الشك وستجعل البرنامج النووي الإسرائيلي مسؤولية دولية بدلاً من أن يكون مسؤولية أميركية منفردة .
هل ستوقع إسرائيل معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية ؟
منذ منتصف الستينات عملت الحكومة الأميركية بموجب الإفتراضات التالية :
1- إن إسرائيل تعتبر دولة رئيسية في معاهدة لحظر إنتشار الأسلحة النووية .
2-إن الأمر يتطلب مفاوضات خاصة ومضنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لحملها على توقيع المعاهدة.
3- إن وجود مزيج مناسب من المكفآت والعقوبات قد يدفع إسرائيل الى توقيع المعاهدة.
وظهرت وجهة النظر الأميركية هذه في دراسة حول المواقف الوطنية تجاه الإلتزام بمعاهدة لمنع إنتشار الأسلحة . وقد أعدت هذه الدراسة من قبل وزارة الخارجية الأميركية الى لجنة جيلباتريك. وأكدت الدراسة في البداية أن احتمالات "اتخاذ قرار وطني مشجع من قبل أي دولة حول منع إنتشار الأسلحة تتوقف على عوامل مختلفة يتعين على الدول تقييمها مثل موافقة الدول الكبرى على مثل هذه المعاهدة وتقيد الدول الإقليمية المتنامة بالمعاهدة وتقييم الإستقرار الإستراتيجي والوصول الى تكنولوجيا الطاقة النووية . وفيما يتعلق بإسرائيل أكدت الدراسة أن البيانات العامة والخاصة التي يصدرها الزعماء الإسرائيليون تكفي لتشكيل موقف إسرائيلي واضح حول هذه الأمور.
واشارت الدراسة الى أن إسرائيل وقعت على الإتفاقية الجزئية لحظر إنتشار الأسلحة النووية وانضمت للقرار الإيرلندي لحظر إنتشار الأسلحة في الأمم المتحدة ولكنها رفضت قبول ضمانات لجنة الطاقة الذرية الدولية حول ديمونة . وأوضحت الدراسة أن إسرائيل تجنبت باستمرار أي الزام سواء كان خاصاً أم عاماً من شأنه أن يقيد يدها فيما يتعلق بإنتاج الأسلحة النووية. وقد كانت في الحقيقة تتحرك بثبات باتجاه موقع تمتلك فيه القدرة على صناعة أسلحة نووية. وقدرت الدراسة أن إسرائيل ستوقع على الأرجح معاهدة. بحظر إنتشار الأسلحة النووية إذا تحققت بعض الشروط منها :
1- إذا وقعت الدول العربية على مثل هذه المعاهدة .
2- إذا تضمنت المعاهدة فقرات تمكن إسرائيل من التهرب من الإلتزام بها كما هو الحال بالنسبة لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية .
3- والأهم من كل ذلك ... إذا تلقت الحكومة الإسرائيلية بعض الضمانات بالمساعدة من الحكومات الغربية في حالة وقوع هجوم عربي كاسح عليها .
وأثناء المفاوضات حول معاهدة حظر إنتشار الأسلحة اعتقد المسؤولون الأميركيون بأن هناك فرصة معقولة لابد تكون الولايات المتحدة قادرة على إقناع إسرائيل بتوقيع المعاهدة إذا انتهجت الولايات المتحدة سياسة العصا والجزرة في حالة كون المعاهدة جاهزة للتوقيع .
على أية حال، لقد بدآ أن توقيع إسرائيل قد جرى تجنبه بعناية من قبل الجانبين الى حين قيام أشكول بزيارة واشنطن في شهر يناير عام 1968 . وبحلول ذلك الوقت كانت المعاهدة مكتملة بصورة أساسية ولم تجد الولايات المتحدة أي سبب أو حاجة في عامي 1966 و 1967 لإجراء مشاورات مع إسرائيل على أسس ثنائية فيما يتعلق بالمعاهدة . ولم تضوع إسرائيل بين الحلفاء الأوروبيين الذين كانت الولايات المتحدة ملتزمة بالتشاور معهم . فلم تكن إسرائيل عضواً في حلف الناتو أو عضواً في منظمة مراقبة الأسلحة النووية في أوروبا . وعلاوة على ذلك فأن إسرائيل لم تكن عضواً في مؤتمر نزع السلاح . وخلال تلك الفترة كانت إسرائيل تعتبر دولة لا تمتلك سلاحاً نووياً . وقد تعهد قادتها علناً ( وبصورة خاصة ) بالإلتزام بوضعها اللانووي كما أنه توقيت المفاوضات حول معاهدة حظر إنتشار الأسلحة في جينيف والأزمة والحرب التي وقعت في الشرق الأوسط عام 1967 لم تسمح بإجراء مباحثات جدية بين إسرائيل والولايات المتحدة قبل عام 1967 .
وفي ربيع عام 1967 بدأت الولايات المتحدة بالتذكير في كيفية الإتصال بإسرائيل على أعلى المستويات حول معاهدة حظر إنتشار الأسلحة . وفي 16 مايو 1967 كتب هارولد سوندرز وهو أحد كبار الموظفين في مجلس الأمن القومي في شؤون الشرق الأوسط مذكرة الى مستشار الأمن القومي وولت رستو بعنوان " اهتمامات الرئيس في الشرق الأوسط " أوضح فيها أهمية معاهدة حظر إنتشار الأسلحة في برنامج الرئيس في الشرق الأوسط . وجاء في المذكرة أن الرئيس يواجه أخطاراً في عملية تحديد السلاح في المنطقة ويجب أن تحتفظ إسرائل بتفوق توعي ، وخلاف ذلك فأن الرئيس ملتزم التزاماًعميقاً بمنع إنتشار الأسلحة النووية . وجاء في المذكرة أن العقبة الرئيسية في الشرق الأوسط هي إسرائيل . فقبل أن توقع على المعاهدة فأنها قد تطلب ضمانات من الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي بأن الموردين الرئيسيين للسلاح سيوقفون تزويد العرب بالسلاح في الوقت الذي يكون فيه ميزان الأسلحة التقليدية في صالح إسارئيل .
ولم يكن لدى حكومة جونسون أي فرصة حقيقية للبدء في محادثات مع إسرائيل حول معاهدة حظر الأسلحة النووية في صيف أو خريف عام 1967 . فالأزمة والحرب وما تلاها غيرت الوضع في الشرق الأوسط على نحو عميق . فقد يسطرت على جدول الأعمال الأميركي – الإسرائيلي قضايا سياسية جديدة ومستعجلة . وكان لابد من وضع مشكلة إسرائيل والمعاهدة جانباً لعدة أشهر أخرى . وعندما أثارت الولايات المتحدة القضية خلال وبعد زيارة أشكول لواشنطن في أوائل يناير 1968 ، كان السياق السياسي والإستراتيجي قد تغير . وفي 18 يناير 1968 قدمت الدولتان الكبريان نسخ مسودة معاهدة متماثلة الى مؤتمر نزع السلاح .
وأن التوقع الأميركي بأن إسرائيل ستوقع على المعاهدة في النهاية لم يكن توقعاً غير معقول أو غيير واقعي كلياً قبل حرب 67 . ففي الجانب السياسي كانت الولايات المتحدة تعتبر حكومة أشكول ( وكان ذلك صحيحاً ) ملتزمة بصورة حازمة بعدم إدخال السلاح النووي في صراع الشرق الأوسط . وعلى المستوى الفني كان هناك شعور بأن إسرائيل تستطيع التعايش مع نصوص الضمانات الواردة في المعاهدة . وكان هناك إعتقاد في الولايات المتحدة بأنه قد يتم إقناع إسرائيل بالإنضمام الى المعاهدة مقابل حقيقة أمن جديدة أكثر إقناعاً مع أمريكا . وعلى الرغم من أنه كان هناك بعض الدلائل الإستخبارية بأن إسرائيل ربما كانت من الناحية الفنية قريبة من صنع القنبلة الا أن تلك الدلائل استملت على عناصر غير مؤكدة أتاحت لوزارة الخارجية الأميركية أستبعاد مصداقيتها السياسية . وقد تبين أن هذه الاعتبارات كانت قديمة وبدون جدوى في أجواء ما بعد حرب 67 . وعشية الحرب كانت إسرائيل قد حققت بصورة سرية القدرة على صنع السلاح النووي . وفي أواخر مايو 1967 وفي وسط الأزمة أعدت إسرائيل دولة بدون سلاح نووي . وعلاوة على ذلك ، فأنه لو وقعت إسرائيل المعاهدة فأنه كان عليها أن تنبذ سياستها النووية الغامضة . وأن الإلتزام الإسرائيلي بأن لا تكون إسرائيل هي أول من يدخل السلاح النووي في الشرق الأوسط سيٌفسر في ضوء المعاهدة باعتباره التزاماً قوياً وواضحاً بعدم صنع الأسلحة النووية . وفي عام 1968 ، وهو عام إبرام المعاهدة إضطرت إسرائيل للرد على معضلتها النووية . وفي نهاية العام وبعد صٌدام آخر مع الولايات المتحدة حول المعاهدة وبيع طائرات اف 4 ظلت إسرائيل عنيدة في رفضها توقيع المعاهدة . فمن الناحية السياسية الرسمية فإن المعاهدة "تحت الدراسة " ، وأما من الناحية غير الرسمية فأن الولايات المتحدة فهمت أن إسرائيل " لن توقع "المعاهدة .
وقد دخلت معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية حيز التنفيذ فى عام 1970، وبمقتضى هذه الاتفاقية فإن الدول غير النووية عليها ألا تسعى إلى امتلاك السلاح النووى ، وفى مقابل ذلك .. تتعهد الدول النووية المعترف بها طبقا للمعاهدة بمساعدة هذه الدول غير النووية فى الحصول على التكنولوجيا النووية للاستخدامات السلمية. ومنذ ذلك العام وإسرائيل ترفض الانضمام إليها.
استنتاجات :
إن من الصعب إعطاء حكم مؤكد بشأن الدولة التي ساهمت أكثر من غيرها في تطور السياسة الأميركية الخاصة بحظر إنتشار الأسلحة النووية ، ولكن لابد وأن تكون إسرائيل في مرتبة متقدمة على أية قائمة من الدول. وما من شك أن البرنامج النووي الإسرائيلي كان عاملاً مساعداً في تطوير سياسة أميركية جديدة بهذا الشأن في العقد الحاسم ما بين ولايتي إيزنهاور وجونسون ( 1958-1968).
وكانت إسرائيل هي الحالة الأولى في إنتشار الأسلحة النووية التي كان على الولايات المتحدة أن تتخذ إجراء بشانها خارج نطاق التركة النووية للحرب العالمية الثانية. ولم تكن حالة سهلة. فإسرائيل كان ينظر لها ولا يزال باعتبارها دولة صغيرة صديقة محاطة بأعداء أكبر منها وتقع خارج نطاق الإحتواء الأميركي. وكانت إسرائيل أيضاً دولة تحظى بتأييد محلي قوي في الولايات المتحدة.
وخلافاً للحالتين الصينية والهندية ، فأن الحالة الإسرائيلية لا تتعلق بدولة تحاول أن تضع قدرتها النووية في مصاف وضع الدول الكبرى. وفي النهاية ، فإن إسرائيل اعتبرت من قبل البعض بأنها حالة استثنائية بسبب ميلادها من تحت رماد المحرقة . وباختصار فأن إسرائيل كانت حالة خاصة لأسباب واعتبارات تتعلق بالسياسة الأمريكية المحلية والخارجية.
وفي أواخر الستينات من هذا القرن كان البرنامج النووي الإسرائيلي حافزاً مهماً لسعي حكومة كينيدي من أجل سياسة عالمية متماسكة لحظر إنتشار الأسلحة النووية . وقد اعتبرت إسرائيل مجال إختبار للتصميم الأميركي في منع الإنتشار النووي على مستوى عالمي . وفي ربيع وصيف عام 1963 وصلت الولايات المتحدة وإسرائيل الى أزمة حول هذه القضية لأن كينيدي تحديداً لم يرد منح البرنامج النووي الإسرائيلي حالة إعفاء. وفي السنوات التي تلت تعلمت إسرائيل والولايات المتحدة إيجاد "تسوية مؤقتة" فريدة من نوعها منحت إسرائيل وضعاً خاصاً كأمر واقع ولكن بدون تغيير علني في التزام الولايات المتحدة بحظر انتشار الأسلحة النووية.
ومع ذلك فقد أصبح واضحاً أن الولايات المتحدة فشلت في وقف الجهد النووي الإسرائيلي . فالقرارات الإسرائيلية الرئيسية حول امتلاك السلاح النووي اتخذت في منتصف الخمسينات وبدأ تطبيقها في أواخر الخمسينات. وخلال ذلك الوقت لم تكن الولايات المتحدة قد قدمت ضمانات أمنية موثوقة كما أنها لم تطور سياسة ملتزماً بها عالمياً بشأن منع إنتشار الأسلحة . ويعود جزء من المشكلة الى أن واشنطن - بسبب فشل مخابراتها - لم يكن لديها شعور بأن الإسرائيليين مصممون بصورة جدية على صنع قنبلة نووية. وعندما وجهت المشكلة أخيراً في عهد كينيدي حول ممارسة الضغط وحصل في النهاية على ترتيبات لقيام علماء أميركيين بزيارة مفاعل ديمونة.
وبالعودة الى تلك الزيارات ، فقد كانت قليلة وجاءت في وقت متأخر. وكان البرنامج النووي الإسرائيلي يسير قدماً .
إن الدروس التي تم تعلمها من الحالة الإسرائيلية ساعدت في صياغة منظور أميركي حول جدية حظر الإنتشار النووي غير المقيد وأدت الى قرار بمتابعة المفاوضات الجدية مع الإتحاد السوفياتي للوصول الى معاهدة حظر إنتشار الأسلحة النووية.
أميركا تنشر صور المواقع النووية الإسرائيلية
وفي ايار (مايو) 2000 نشرت منظمة العلماء الأميركيين على موقعها الإلكتروني صوراً هي الأولى من نوعها، من حيث الجودة، لقاعدة "سدوت ميخا" في "كفار زخاريا" المقامة على أراضي قرية "زكريا" العربية. ورأت المنظمة في نشر هذه الصور جزءا من نضالها ضد انتشار الأسلحة النووية في العالم. وقد ركزت المنظمة الأميركية على نشر صور لمواقع نووية لكل من الهند وباكستان وإسرائيل، وهي الدول النووية الثلاث التي لم توقع على معاهدات حظر انتشار الأسلحة النووية.
وإلى جانب الصور الحديثة نسبيا الملتقطة لموقع "سدوت ميخا"، نشرت المنظمة الأميركية صورا قديمة للمفاعل النووي الإسرائيلي في ديمونا.
وأشارت نبذة قصيرة في الموقع الى ان سلاح الجو الإسرائيلي يحتفظ بثلاث بطاريات صواريخ متوسطة المدى من طراز "اريحا" تحمل رؤوسا حربية نووية. وللمرة الأولى يتم كشف النقاب عن الأرقام الكودية لهذه البطاريات وهي 199، 150 و248.
ومن المعلوم أن "سدوت ميخا" تقع على بعد 45 كيلومترا جنوب شرقي تل أبيب، أو في منتصف الطريق إلى القدس. وبرغم أن علماء المنظمة الأميركية أشاروا الى ان في موقع "سدوت ميخا" ما يقدر بحوالى خمسين صاروخا من طراز "اريحا 1"، فإن مجلة "جينز" العسكرية البريطانية كانت في السابق قد أشارت إلى أن بحوزة إسرائيل بطاريات عملياتية لصواريخ "اريحا 1" و"اريحا 2"، وأن لديها ما لا يقل عن خمسين صاروخا من كل طراز. وتحمل هذه الصواريخ رؤوسا حربية نووية.
وتتحدث التقارير الاستخبارية الغربية عن ان التقديرات العامة بخصوص ترسانة إسرائيل النووية تتراوح ما بين 200- 500 رأس حربي نووي. وقد شددت المنظمة الأميركية التي تضم في صفوفها ما لا يقل عن خمسين عالِماً يحملون جائزة نوبل، على أن الصور القديمة لمفاعل ديمونا تظهر أنه يحتوي على منشآت لمعالجة المياه الثقيلة، ولإنتاج البلوتونيوم لأغراض عسكرية. وقالت ان إسرائيل استخدمت مفاعل ديمونا لانتاج "آيزوتوب تريتيوم وليثيوم" وهي المواد الضرورية لانتاج قنابل هيدروجينية. وأشارت المنظمة الى انها لا تستطيع نشر صور أشد وضوحا من الصور المنشورة، بسبب قانون أميركي يحظر بيع أو نشر صور بمثل هذا الوضوح لإسرائيل.
وتقود مصر الاتجاه العربي الذي يهدف الى دفع الولايات المتحدة الى اتخاذ موقف صارم من إسرائيل في الموضوع النووي. وقد سعت إسرائيل الى إحباط المساعي العربية لتشكيل عناصر ضغط بعد أن نجحت مصر في إقناع المندوبين الأميركيين قبل عقد المؤتمر بذكر إسرائيل بوصفها الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي لم توقع على المعاهدة وترفض فتح منشآتها النووية أمام المراقبة الدولية.
ولكن موقف الحكومات الأميركية المتعاقبة، الذي غطى طوال الوقت الموقف الإسرائيلي المندرج تحت "سياسة الغموض النووي"، لا زال على حاله.
وكانت صحيفة "واشنطن بوست" أشارت في مطلع شهر ايار (مايو) 2000 إلى أن الحكومة الأميركية لا زالت تؤيد الموقف الأساسي لإسرائيل. ولكنها قالت انه في "سلسلة تصريحات علنية وخطوات دبلوماسية هادئة في الأسابيع الأخيرة، ألمحت الولايات المتحدة إلى مكانة إسرائيل كقوة نووية وعقّدت مساعي إسرائيل في المحافظة على الغموض الذي يحيط بترسانتها النووية السرية".
وبالمقابل، فإن إسرائيل تدعو وبشكل تملصي الى "تجريد الشرق الأوسط من السلاح النووي بعد تحقيق السلام الشامل والثابت بين جميع دول المنطقة، وبعد عملية متواصلة من مراقبة التسلح، تبدأ بخطوات بناء ثقة وتستمر بنزع السلاح التقليدي والكيميائي والبيولوجي، وفقط بعد ذلك يحين وقت السلاح النووي". وكانت الولايات المتحدة قد تعهدت لإسرائيل عام 1969 بأن لا تضغط عليها للانضمام الى معاهدة حظر انتشار السلاح النووي أو تجريدها من قدرتها النووية ما دامت اسرائيل تحافظ على سياسة الغموض النووي، ولا تجري تجارب نووية، ولا تعلن حيازتها للسلاح النووي.
وهكذا، يبقى السلاح النووي الإسرائيلي السر الأكثر انكشافا في العالم. و صور قاعدة "سدوت ميخا" تحت عدسات أقمار التجسس الأميركية.