الفرنكفونية في حال دفاع استراتيجي بعد زحف الإنكليزية على معاقلها في المغرب العربي
- مشاهدات 159
تونس -
من رشيد خشانة ـ بعد الجولة المغاربية التي قام بها البروفسور الياس زرهوني الموفد الثقافي للرئيس الأميركي أوباما إلى المغرب العربي مطلع الشهر الماضي، زار مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فلتمان كلا من ليبيا وتونس ليحض البلدين على تطوير تدريس الأنكليزية وتعزيز العلاقات السياسية والإقتصادية مع الولايات المتحدة. وما أن غادر فلتمان المنطقة حتى حل فيها حاكم ولاية ويسكونسن الأميركية جيمس دويل الذي ركز محادثاته مع المسؤولين الذين التقاهم على وضع برامج تعاون بين جامعات الولاية ونظيرتها المغاربية.وأفاد دويل أن التعاون سيشمل تبادل الطلاب والمدرسين وسيمتد إلى القطاع الخاص لتنظيم معارض اقتصادية وتبادل وفود رجال الأعمال، ما سيشكل خطوة متقدمة، برأي المراقبين، في الحرب الثقافية بين الولايات المتحدة وفرنسا للفوز بمنزلة اللغة الثانية في المنطقة بعد العربية. استثمار الصراعاتويمكن القول إن الولايات المتحدة تسعى لتعزيز وجودها الثقافي في المغرب العربي، مُستثمرة الصراع السياسي الدائر حاليا بين فرنسا وأكثر من بلد مغاربي، وخاصة تونس والجزائر، لمطالبة باريس بالإعتذار عن الحقبة الإستعمارية. وتتكامل هذه الحركة الثقافية مع حركتين مماثلتين في المجالين الإقتصادي والعسكري، أكدتا الأهمية الإستراتيجية المتزايدة التي باتت توليها الإدارة الأميركية لشمال أفريقيا. فقبل جولة زرهوني قام وفد من رجال الأعمال يمثل 24 شركة أميركية كبيرة بجولة على المغرب وتونس والجزائر وليبيا للبحث عن فرص لإقامة مشاريع شراكة. ويقول الأميركيون إن هذه الشراكة تندرج في إطار الرؤية التي طرحها باراك أوباما في خطابه الشهير في القاهرة في الرابع من حزيران -(يونيو) الماضي.وتتألف الرؤية من محاور مختلفة تصب جميعها في إطار نقل الوجود الأميركي في المنطقة، التي كانت تُصنف على أنها الحديقة الخلفية التقليدية لفرنسا، من حال إلى حال. ومن تلك المحاور المحور العسكري الذي تجلى من خلال المساعدات العسكرية المهمة الممنوحة سنويا لبلدان المنطقة، ولكن أيضا من خلال زيارات رئيس أركان القيادة العسكرية الاميركية لافريقيا "أفريكوم" الجنرال وارد إلى عواصم المنطقة، من أجل تطوير التنسيق والتعاون في مكافحة تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" والتنظيمات المصنفة في خانة "الإرهاب" عموما. ولوحظ أن الأسابيع الأخيرة شهدت إلى جانب جولتي الوفد الإقتصادي والوفد الثقافي بقيادة زرهوني، جولة مماثلة (وإن لم تشمل نفس الدول) قام بها الجنرال جوزيف انطوني هولمز مساعد قائد "أفريكوم"، والذي كان مرفوقا بوفد هام. ويمكن أن نلاحظ على هذه الأصعدة الثلاثة مُتغيرات كثيرة تصب كلها في اتجاه تقدم مركز الأميركيين على حساب منافسيهم. فعلى سبيل المثال أظهرت أحدث الإحصاءات أن حجم المبادلات التجارية بين الولايات المتحدة وبلدان الإتحاد المغاربي تضاعفت ثلاث مرات خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إذ ارتفعت من 10.3 بلايين دولار إلى 29 بلايين دولار. وكانت ليبيا في مقدمة المستفيدين من تطور حجم المبادلات مع أميركا بعدما فتحت حدودها للمنتوجات الأميركية في أعقاب عشرين عاما من القطيعة والحظر على التصدير إليها (بين 1982 و2003)، فتضاعفت 13 مرة. لكن مع ذلك التطور المتسارع مازال البون شاسعا مع أوروبا إذ أن حجم المبادلات مع المغرب العربي لم يتجاوز 1 في المائة من تجارة الولايات المتحدة مع الخارج و10 في المائة من مبادلات البلدان المغاربية مع العالم.أما في المجالين الثقافي والعلمي فما انفكت الأنكليزية تكتسح قلاع الفرنسية وتزيحها عن عرشها، مع اضطرار النخب الجامعية إلى كتابة رسائلهم العلمية وأبحاثهم بلغة شكسبير. ولاحظ الأكاديمي التونسي الدكتور جلول عزونة أن كثيرا من الأبحاث والأطروحات مازالت تُحرر باللغة الفرنسية "لأننا تابعون لفرنسا" كما قال لـ
، لكنه أشار إلى أن الباحثين التونسيين في التخصصات العلمية والأدبية على السواء، الراغبين بنشر أبحاثهم في مجلات محترمة، وهي المجلات الأجنبية المُحكمة، صاروا يُحررون مؤلفاتهم بالإنكليزية مما يُفسر الإقبال الواسع لدى الأكاديميين المحليين على تعلم لغة شكسبير في معاهد متخصصة. وأضاف عزونة الحاصل على دكتورا الدولة في الأدب الفرنسي من جامعة السوربون، أن زوجته المتخصصة في العلوم بذلت جهدا لتعلم الإنكليزية وصارت تكتب معظم أبحاثها بها، لأن دائرة القراء بالفرنسية أو حتى بالألمانية ضيقة، بل هي ما فتئت تضيق. وقال ساخرا "من يكتب بالفرنسية لدينا يظن أنه حقق شيئا عظيما وأن عدد قرائه سيتضاعف غير أن الدائرة لا تتجاوز بعض البلدان الأفريقية وكندا، لا بل كيبك فقط".واستدرك عزونة وهو رئيس رابطة الكتاب الأحرار في تونس، موضحا أن "الفرنكفونية مجال مهم لكنه غير كاف، وهي تخوض حاليا معركة المنسحب من الميدان الذي لا هم له سوى الحد من حجم الخسائر فقط"، مستدلا بأن الأبحاث الأكاديمية في فرنسا نفسها أصبحت تُكتب بالإنكليزية في مجال العلوم الصحيحة. ستة قطاعاتمن هذه الزاوية تعتبر المهمة التي جاء من أجلها موفد أوباما إلى المغرب العربي الياس زرهوني ضربة جديدة للغة فولتير، ليس في الأمد المنظور فحسب وإنما أيضا في الأمدين المتوسط والبعيد. فزرهوني هو الشخص الذي اختاره أوباما في الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي ليكون موفده الخاص إلى منطقتي الخليج والمغرب العربي للشؤون العلمية والتكنولوجية على إثر خطابه المعروف الموجه إلى العالم الإسلامي من القاهرة.وفي إطار تلك المهمة قابل زرهوني في الرباط اخيرا رئيس الحكومة المغربية عباس الفاسي ودرس معه آفاق تعزيز التعاون الثنائي في مجالات التكوين العلمي وتكنولوجيات الإتصال الحديثة وتنمية الطاقات المتجددة وتطوير العلوم. وظهرت من خلال اللقاء، مثلما كشفت وسائل إعلام مغربية، فرص للتقاطع بين الرؤيتين وخاصة في إطار خطة "هندسة" (Génie) المغربية الرامية لتجهيز المؤسسات التربوية بوسائل الإنترنت والإتصال الحديثة، وكذلك خطة تكوين عشرة آلاف مهندس. وفي تونس عرض على الوزراء الذين اجتمع معهم "النظرة الجديدة للادارة الاميركية إلى البلدان العربية والاسلامية والتي ترمي بالخصوص الى الارتقاء بالعلاقات التي تربطها بهذه البلدان في القطاعات العلمية والتكنولوجية". وأفاد أنه "تم الاتفاق على استكشاف المجالات الواعدة للتعاون مثل التكنولوجيات الحديثة للمعلومات والاتصال والطاقات المتجددة والتصرف في الماء والصحة والسلامة الغذائية واستثمارها في إطار الشراكة بين البلدين". ومن النقاط التي جرى الإتفاق عليها تدعيم التكوين في اللغة الانكليزية وتعزيز الصلات بين الكفاءات العلمية في البلدين. ودعا زرهوني صراحة إلى "تعميم الانكليزية في الدراسات والبحوث العلمية والطبية لأن 90 في المئة من المادة المعتمدة في كل دول العالم في هذا المجال مكتوبة بالانكليزية بما في ذلك في فرنسا وألمانيا واسبانيا ودول آسيا" كما قال في لقاء صحافي عقده في خاتمة الجولة. وأكد البروفسور زرهوني في الجزائر بلده الأصلي أن زيارته تندرج في إطار "الرؤية الجديدة للرئيس الأميركي تجاه العالم الإسلامي"، وأوضح أنها ترمي لتطوير التعاون في سبعة ميادين هي الأمن الغذائي والطاقة والمياه والتربية والتغيرات المناخية والصحة وكذلك وسائل الاستفادة من العلوم والتكنولوجيا لتحقيق التنمية"، مُشددا على ضرورة الشروع في تطوير الشراكة بين الجانبين بناء على خطة عملية وقابلة لقياس مدى التقدم في تحقيق نتائجها.وكان زرهوني يشغل في عهد الرئيس جورج والكر بوش منصب المسؤول الأول على المعاهد الوطنية للصحة، وهي أكبر هيأة طبية في العالم، ونجح في تأسيس ما يسمى بالهيئة الجزائرية ـ الأميركية في كانون الثاني (يناير) الماضي بمشاركة أكثر من 150 جزائريا من أعلى المستويات. واعتبرت تلك الخطوة سابقة في العلاقات الأميركية العربية إذ تهتم الهيأة بتطوير الكفاءات بين البلدين، فضلا عن حرصه على العمل في إطار جمعية الباحثين الجزائريين المقيمين في الولايات المتحدة، والذين يفوق عددهم 1200 باحث من ضمن 13 ألف جزائري مسجل في السفارة الجزائرية في واشنطن. وعرض زرهوني على كلية الطب في الجزائر ربطها مباشرة بالكليات المماثلة في الولايات المتحدة باستخدام التعليم عن بعد وإنشاء مكتبة افتراضية تكون موصولة بالمكتبات الطبية الأميركية.
تكنولوجيات حديثةواللافت أن زرهوني حذر في التصريحات التي أدلى بها في تونس والجزائر من أن الحاجز الذي قد يعيق التواصل بين الجانبين هو اللغة وكذلك قلة استغلال التكنولوجيات الحديثة للتواصل بين مختلف الباحثين والجامعات وحتى بين الطلاب المغاربيين والأميركيين. وكشف أن جولته تشكل محطة مهمة في التحضير لملتقى علمي دولي كبير سيُقام في أميركا مع موفى الشهر المقبل بمشاركة رجال أعمال وباحثين بارزين من المغرب العربي ونظرائهم الأميركيين. وتدل هذه المؤشرات على كثافة المنافسة بين الولايات المتحدة وفرنسا على التقارب مع دول المنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، إذ يبدو أن الإدارة الأميركية تنتهز اختلال العلاقة التقليدية مع باريس لملء الفراغ. وربما يندرج في هذا السياق الإعتذار الذي قدمته واشنطن لليبيا عن تصريحات استهزأ فيها مسؤول إعلامي أميركي بتصريحات للعقيد القذافي، وهو دليل على شدة تمسك واشنطن بالمحافظة على مواقعها في المنطقة خشية أن تفقد بعض المصالح المكتسبة.ويؤيد الأكاديمي والكاتب المغربي الدكتور عبد الصمد بلكبير التحليل القائل بأن الولايات المتحدة مهتمة باكتساح معاقل الفرنسية في المغرب العربي، مُذكرا بإنشاء "جامعة الأخوين" في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، التي تُدرس جميع التخصصات بالإنكليزية والتي "قلما يبقى خريجوها بلا عمل" كما قال.وأضاف بلكبير الذي يُدّرس الأدب العربي في جامعة مراكش أن الأميركيين ضغطوا من أجل إرسال 20 ألف طالب من الجزائر وأربعة آلاف من المغرب للدراسة في جامعاتهم. وأشار إلى تأسيس اللجنة الأميركية ـ المغربية للتعاون الثقافي التي يوجد مقرها في الرباط ومهمتها تدبير المنح الدراسية وتسهيل تسجيل الطلاب في الجامعات الأميركية، هذا فضلا عن دور المراكز الثقافية التي تُعلم الإنكليزية. وأكد أن الولايات المتحدة "تقدم دعما كبيرا للمجتمع المدني المغربي" مُستدلا بالمؤتمر الأخير لخريجي الجامعات الأميركية في المغرب الذي حضره أربعة آلاف شخص.لكن أليس التعاطي مع اقتصاد متقدم مثل الإقتصاد الأمريكي فرصة إيجابية للمغاربة لتحديث مجتمعهم؟ أجاب الدكتور بلكبير "بلى، هو ظاهرة إيجابية والدليل أن عدد الذين يتعلمون الإنكليزية في مراكش وحدها بلغ 10 آلاف متعلم في مقابل ثلاثة آلاف فقط منذ عامين". وشدد على وجود صراع خفي داخل الدولة المغربية بين التوجهين الفرنكفوني والأنغلوفوني، إلا أنه أوضح أنها تتعاطى بمُكر مع الموضوع فتُدمج من هو أنغلوفوني لكن قلبه فرنسي، بشرط أن تختبره وتتأكد من ولائه، فإذا ثبت لها أنه أميركي الهوى همشته".وتؤكد هذه القراءة أن الفرنكفونية باتت في حال دفاع استراتيجي في مواجهة زحف اللغة الإنكليزية التي تتقدم على جميع المحاور الأكاديمية والعلمية والطبية والثقافية. والأرجح أن مهمة زرهوني الأخيرة ستُعطيه دفعة غير مسبوقة، وخاصة في الملتقى المقرر للسنة المقبلة بين أكاديميين مغاربيين ونظرائهم الأميركيين.






