Advertisement

شارك بواسطة ال SMS

الرجاء لبعث ال SMS

تنامي الحركات التبشيرية يثير مخاوف من ظهور صراعات طائفية في المغرب العربي (1 من 2 )

مشاهدات 277
القدس : 16 آذار 2010
تونس - من رشيد خشانة - مازالت ردود الأفعال على قرار السلطات المغربية طرد مبشرين مسيحيين من البلد تتفاعل وأثارت أخيرا موجة احتجاجات غربية صادرة بالخصوص عن الولايات المتحدة وهولندا. وأفادت وسائل إعلام مغربية أنه ثبت للسلطات المغربية ان هؤلاء المبشرين يستغلون فقر بعض الشرائح الاجتماعية فيغرونها بالمال وحتى بمنح أبنائها تأشيرات هجرة لنشر دعواهم واستقطاب اكبر قدر ممكن من الأنصار. وكان من ضمن هؤلاء ستة عشر فرداً يديرون احدى دور الايتام ويقيمون بها لزرع قيم المسيحية لدى الاطفال الناشئين منذ نعومة اظفارهم. إلا أن انتشار الحركات التبشيرية لم يقتصر على المغرب وإنما شمل جميع دول المغرب العربي تقريبا، بدعم من جهات مختلفة منها الفاتيكان والكنيسة الانجيلية المعمدانية في الولايات المتحدة. وتخشى النخب المغاربية أن تؤدي هذه الحركات التبشيرية الى ظهور اقليات دينية تكون منطلقاً لزعزعة استقرار الشعوب، عبر المطالبة بحقوق لهذه الأقليات مستقبلاً. واذا استمر الحال على ما هو عليه فإن العقود المقبلة ستُبصر تعدداً طائفياً في دول المغرب العربي قد يكون منطلقا لزرع بذور الاقتتال بين هذه الطوائف كما هو الشأن في العراق ولبنان.

قاسم مشترك

لئن شكل تنامي حركات التنصير في الفترة الأخيرة قاسما مشتركا بين بلدان المشرق والمغرب العربيين فإن الظاهرة ارتدت طابعا أكثر دراماتيكية في المغرب العربي بالنظر للتجانس الديني والمذهبي السائد في أربعة من بلدانه الرئيسية على الأقل. ففي المغرب والجزائر كما في تونس وليبيا لا وجود لأقليات مسيحية منذ غادر المستوطنون الأوروبيون المنطقة في أعقاب نيل بلدانها الإستقلال بين 1952 و1962. ويسود المذهب السني المالكي بشكل مطلق في المغرب العربي منذ الفتح الإسلامي وخاصة منذ أن عممه الإمام سحنون بن سعيد المدفون في مدينة القيروان.

من هذه الزاوية أحدث اكتشاف شبكات تبشيرية في المنطقة "خضة" في عقول كثير من الناس العاديين لأنه أحالهم على سجل التحديات الدينية التي فُرضت على الأجيال السابقة خلال الفترة الإستعمارية. وكانت "الهجمة الصليبية" التي تزامنت مع احتفال رجال الدين الفرنسيين بذكرى مرور قرن على احتلال الجزائر في سنة 1930 ومرور نصف قرن على احتلال تونس في السنة الموالية، ألهبت مشاعر المسلمين وأعطت دفعة قوية للحركة الوطنية في البلدين. وتعتقد شخصيات إسلامية تونسية أن التحدي الذي تُجابهه الهوية الدينية للمغاربيين بشكل خاص لا تقل عن تحديات الثلث الأول من القرن الماضي، بسبب الدور الذي تلعبه العولمة في تفكيك العلاقات الروحية وهز مناعة المجتمع، و"خاصة في ظل سطوة الفضائيات وما تحمله من قيم وافدة سرعان ما تستهوي الشباب".

واستدل عضو في "المجلس الإسلامي الأعلى" في تونس (رسمي) فضل عدم الإفصاح عن هويته بالكشف أخيرا عن جماعة "عبدة الشيطان" الذين ضبطتهم أجهزة الأمن التونسية العام الماضي في أحياء مختلفة من العاصمة تونس بينما كانوا يمارسون طقوسهم في سرية تامة على أنغام موسيقى "الهارد روك" الصاخبة. واعتبر تلك الحادثة، رغم أنها الأولى من نوعها، "تهديدا لوحدة البلاد الروحية وتقويضا لأحد أركان هويتها". وذهب إلى حد القول إن ظهور مذاهب ونحل متناحرة هو الخطوة الأولى التي تسبق دق إسفين في جدار الإنسجام الديني والمذهبي الذي ميز المنطقة المغاربية عن المشرق، وجعلها الأكثر استقرارا منذ زوال الدولة الفاطمية من المهدية (200 كيلومتر جنوب العاصمة تونس) سنة 945 للميلاد.

كاثوليك وبروتستانت

ومثلما كان الشبان السبعون الذين اعتُقلوا في الربيع الماضي في تونس للإشتباه في انتمائهم لجماعة "عبدة الشيطان" من طلاب الجامعات والمعاهد الثانوية، لوحظ أن أعمال التبشير التي تزايدت في الفترة الأخيرة استهدفت الشريحة الإجتماعية نفسها. غير أن مصادر مطلعة على شؤون الديانة المسيحية أكدت لـ وجود فوارق جوهرية بين تعاطي الكاثوليك والبروتستانت مع هذه المسألة الدقيقة والملتهبة. فإذا كان الكاثوليك ينفون بشدة إقدامهم على تنصير شبان تونسيين لأن الكنيسة الكاثوليكية لا تبدي حماسة لانضمام الآتين من ديانات أخرى إليها وتضعهم في الإختبار طيلة سنتين، "أملا بتبريد حماستهم" على ما قالت تلك المصادر، فإن الأوساط البروتستانتية تقوم بحملات مكثفة لحمل الشبان المغاربيين على اعتناق المسيحية، مستخدمة كل الأسلحة الممكنة من حصص التلقين والتبشير، إلى الكتب والمطبوعات باللغة العربية التي تُسلم باليد أو تُرسل بالبريد، إلى فتح الكنائس في وجوههم أيام الآحاد، وصولا إلى تسهيل مسار التعميد الذي قد لا يستغرق أكثر من أربع وعشرين ساعة.

وشكا كبير الأساقفة الكاثوليك في الجزائر هنري تيسيي (فرنسي) من دور البروتستانت مُحملا إياهم المسؤولية عن تدهور العلاقات بين الكنيسة والسلطات الجزائرية من دون أن يُسميهم. وقال تيسيي في تصريحات أدلى بها في وقت سابق، ان زيادة نشاط المسيحيين التبشيريين في الجزائر ذات الغالبية المسلمة أدت الى "مصاعب خطرة" تحدث بصورة دورية للكاثوليك "على الرغم من أن الكنيسة شرحت بوضوح أنها غير ضالعة في ذلك". وعزا بوضوح تشنج العلاقات إلى "الحرب ضد التبشير الذي تمارسه جماعات تبشيرية" حسب تعبيره. ومضى قائلا "إن المبشرين وصلوا للجزائر وأول من عانى نتيجة لافعالهم هم الكاثوليك".

شرارة الخلاف

وكانت الشرارة التي أشعلت نار الخلاف بين السلطات الجزائرية والكنيسة إقدام الراهب الفرنسي بيير واليز على الصلاة بمسيحيين في مدينة مُغنية غرب الجزائر القريبة من الحدود مع المغرب، وهي منطقة لا يُسمح فيها بممارسة الشعائر الدينية غير الإسلامية. والمسيحيون الذين صلى بهم هم كاميرونيون مهاجرون بصورة غير شرعية كانوا يقيمون في أخدود على الحدود مع المغرب. وهم جزء من تجمع من الغانيين والنيجيريين زارهم رهبان كاثوليك في المنطقة على مدى سنوات. ودانت محكمة جزائرية واليز وقضت بسجنه سنة واحدة مع وقف التنفيذ، وهو الحكم الذي استأنفته الكنيسة. واستند قرار المحكمة على قانون صدر قبل عامين وحدد مكان إقامة العبادات غير الاسلامية في مبان محددة توافق عليها الدولة. وكانت السلطات الجزائرية طلبت خلال عام 2008 من رهبان برازيليين من طائفة "سلام" مغادرة البلاد في غضون أسبوعين بعدما اتهمتهم بتجاوز القوانين، ثم عدلت عن الإجراء استجابة للمساعي التي قام بها السفير البرازيلي لديها. ويمكن القول إن القانون الذي سنته الجزائر في 26 شباط (فبراير) 2006 جاء ردا على تنامي الحركات التبشيرية، وبخاصة في منطقة القبائل التي اعتنق بعض سكانها المسيحية، ما تسبب في احتكاكات بين أبناء القرية الواحدة. وبموجب القانون الجديد يُعاقب كل من يُغري المسلم لتبديل ديانته أو يُشجعه على ذلك بالسجن من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة تراوح بين خمسة آلاف وعشرة آلاف يورو. كذلك حظر القانون إقامة الشعائر غير الإسلامية خارج الأماكن المُخصصة لذلك.

وحذرت الصحافة الجزائرية خاصة الناطقة بالعربية، في مناسبات عدة من اتساع ظاهرة التبشير، لكن رجال الدين المسيحيين قللوا من شأنها. وعبر رئيس الكنيسة البروتستانتية الجزائرية مصطفى كريم في تصريح لصحيفة "الوطن" (الناطقة بالفرنسية) عن "عجبه من انزعاج 32 ألف مسجد من 32 طائفة مسيحية صغيرة في الجزائر" على حد قوله، مؤكدا أن "من يقوم بالتبشير هي الجماعات الإسلامية". لكن صحيفة "لوموند" الفرنسية اعترفت في تقرير لموفدها إلى الجزائر نشرته السنة الماضية أن نشاط الإنجيليين حقيقي في البلد وأنه يثير قلق الأهالي الذين يصدمهم ارتداد بعض معارفهم عن الإسلام في قرى صغيرة حيث يعرف الناس بعضهم البعض". وعلق المراسل الذي حجبت الصحيفة اسمه، قائلا إن الجزائريين "يشعرون أن الحاجز الذي يمثله الإسلام يتعرض للهجوم". ولعل ما يدل على تنامي عدد مُعتنقي المسيحية في البلد أن إحصاءات رسمية حديثة أظهرت أن هناك حوالي عشرة آلاف مسيحي في الجزائر وبعضهم يعيش خارج البلاد، علما أن تعداد السكان الإجمالي يصل إلى 33 مليونا.

تسجيل الدخول