الصحافي الاميركي توماس فريدمان: الخلاف على البناء الاستيطاني في القدس يحول الاهتمام بعيداً عن لحظة قد تكون تاريخية
– يقول الصحافي توماس فريدمان في مقال نشرته الاثنين صحيفة "ذي انترناشونال هيرالد تربيون" ان الخلاف الذي نشأ بسبب خطط اسرائيل اقامة مبان جديدة في القدس الشرقية يهدف الى تحويل الانظار عن لحظة محتملة في صناعة التاريخ.ويعلن فريدمان انه من اشد المعجبين بـ (نائب الرئيس الاميركي) جو بايدن. ويصفه بانه لا يكل ولا يمل في الدفاع عن المصالح الاميركية في الخارج. ويمضي قائلا: "ان مما يؤلمني ان اقول ان بايدن خلال زيارته الاخيرة الى اسرائيل، عندما مرغت حكومة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو أنفه في خطط اسكان مثيرة للخلاف في القدس الشرقية، لم ينتهز الفرصة يبعث برسالة علنية قوية: اذ كان عليه ان يركب الطائرة "اير فورس تو" عائدا الى الوطن، وان يترك وراءه ملاحظة مكتوبة تقول: "هذه رسالة من اميركا الى الحكومة الاسرائيلية: الاصدقاء هم الذين لا يتركون اصدقاءهم يقودون السيارة وهم في حالة سكر. وانتم الان تقودونها سكرانين. هل تعتقدون ان بامكانكم ان تحرجوا حليفكم الحقيقي الوحيد في العالم من دون اي عواقب، ارضاء لنوع من السياسة الداخلية؟ لقد فقدتم جميع الروابط مع الحقيقة. اتصلوا بنا عندما تصبحون جادين. نحن نحتاج للتركيز على بناء بلادنا".
ويقول فريدمان ان هذا في رأيه، وليس الغضب والتراضي، هو الذي يرسل رسالة مفيدة للغاية لسببين: الاول ان الاسرائيليين توجهوا مباشرة الى ما يتساءل كثيرون بشأنه في ما يتعلق بطاقم ادارة اوباما: الا وهو ما مدى صرامة هؤلاء الناس؟ ولعل اخر شيء يحتاج اليه الرئيس (الاميركي) في وقت يواجه فيه ايران والصين، اذا نحن أغفلنا الكونغرس، أن يبدو كما لو ان حليفا هو الاشد اعتمادا عليه يستطيع ان يوجهه كيف يشاء.
اما السبب الثاني فهو ان اسرائيل تحتاج الى نداء الصحوة. فالاستمرار في بناء المستوطنات في الضفة الغربية، بل والاعلان عن الاسكان في القدس الشرقية "المتنازع عليها"، ليس الا نوعا من الجنون المطبق.
فلقد وافق ياسر عرفات على ان تظل الاحياء اليهودية تحت السيادة الاسرائيلية في أي اتفاق سلام يؤدي الى ان تكون الاحياء العربية من القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. غير أن خطط التوسع الاسكاني الاسرائيلي تثير تساؤلات حول ما اذا كانت اسرائيل مستعدة لقبول عاصمة فلسطينية في الاحياء العربية من القدس الشرقية- وهذه بحد ذاتها مشكلة كبيرة.
لقد قضمت اسرائيل بالفعل الكثير من اراضي الضفة الغربية. واذا كانت تريد ان تظل ديقراطية يهودية، فان اولويتها الحالية يجب ان تكون التوصل الى اتفاق مع الفلسطينيين يسمح لها بتبادل اراض في الضفة الغربية يحتلها يهود باراض مماثلة تماما في اسرائيل للفلسطينيين، وبعد ذلك حصاد الفوائد من اقتصادية وامنية نتيجة انهاء الصراع.
على ان ما حدث الاسبوع الماضي للاسف لم يكن كذلك. فلقد امضى المبعوث الاميركي الخاص الى الشرق الاوسط جورج ميتشل تسعة شهور حتى الان في محاولة لايجاد وسيلة تسمح باجراء محادثات سلام بين الفلسطينيين والاسرائيليين. ثم ان الفلسطينيين لا يثقون بنتنياهو، اضافة الى ان هذا الاخير تعتمل في صدره شكوك حقيقية عما اذا كانت القيادة الفلسطينية المنقسمة على نفسها تستطيع ان تقوم بالمهمة.
ورغم ذلك فقد تمكن ميتشل من التوصل الى تفاهم مع مستشاري نتنياهو بحيث يجلس الفلسطينيون في رام الله والاسرائيليون في القدس، ويقوم ميتشل بجولات مكوكية تستغرق نصف ساعة بينهما.
وكان ميتشل قد توصل الى تفاهم مع معاوني نتنياهو انه في حال موافقة الجانبين على اجراء المحادثات فلن يعلن عن البناء في القدس الشرقية، تحاشيا لاحراج الفلسطينيين واجبارهم على الانسحاب. ويقول مسؤولون اميركيون ان نتنياهو وافق على ذلك، بشرط ان لا يلتزم باي شيء علني.
فما الذي حدث بعد ذلك؟ وصل بايدن في اليوم التالي لبدء المحادثات غير المباشرة، وخرج بيان وزارة الداخلية الاسرائيلية بانها اقرت للتو بناء 1600 وحدة سكنية جديدة في القدس الشرقية العربية.
قال نتنياهو انه صدم، وقد يكون ذلك صحيحا في أضيق الحدود. ويبدو ان الخطوة ليست الا جزءا من تنافس بين اثنين من وزراء اليمين السفارديين (اليهود الشرقيين) من حزب "شاس" الديني حول من هو البطل الاعظم لبناء مساكن لليهود السفارديين في القدس الشرقية. وهذا مقياس للقدر الذي تعتبر فيه اسرائيل دعم اميركا أمرا مفروغا منه، ولمدى انفصال اليمين الديني الاسرائيلي عن متطلبات الاستراتيجية الاميركية.
وقد قيل عن بايدن، وهو صديق حقيقي لاسرائيل، انه ابلغ المحاورين الاسرائيلييين ان "ما تقومون به هنا يسيء الى امن قواتنا التي تحارب في العراق وافغانستان وباكستان. ويعرضنا ويعرض السلام الاقليمي للمخاطر".
وهذا الخلاف باكمله يحول انظارنا عن هذه اللحظة المحتملة: ولا يستطيع الا رئيس وزراء اسرائيلي يميني، مثل نتنياهو، ان يبرم صفقة تتعلق بالضفة الغربية. وقد ساعدت سياسات نتنياهو الفلسطينيين في تنمية اقتصادهم وفي اعادة بناء قواتهم الامنية. والحقيقة هي ان محمود عباس وسلام فياض جادان في التوصل الى حل. ثم ان "حماس" اوقفت هجماتها على اسرائيل من غزة.
وخلاصة القول هي انه قد تكون هناك فرصة حقيقية، اذا اختار نتنياهو ان ينتهزها. وعلى رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يقرر ما اذا كان يريد ان يسجل صفحة في كتاب التاريخ او ان يكتفي مرة اخرى بتسجيل ملاحظة على هامشها.