أميركا وإيران وحكاية الحراك السياسي
، تحت عنوان "أميركا وإيران وحكاية الحراك السياسي" كتب د. محجوب الزويري مقالا في صحيفة الغد الأردنية جاء فيه:تتحرك الولايات المتحدة وإيران بنشاط سياسي ملفت للانتباه هذه الأيام، ففي حين قام مدير الاستخبارات الأميركية وكذلك قائد القوات الأميركية بزيارة إلى إسرائيل، لا يبدو أن ذلك كان كافيا من دون قدوم السياسيين. هذه المرة نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن في زيارة تبدو أنها الخطوة قبل الأخيرة لما يمكن أن تقوم به إدارة الرئيس باراك أوباما. زيارة بايدن تتزامن مع زيارة وزير الدفاع روبرت غيتس إلى كل من أفغانستان والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. الزيارات الأميركية تبدو مهتمة بأمرين هما تحريك ما يسمى بعملية السلام، وملف إيران. الملفت للانتباه هو أن الإنكار المتصل لعلاقة هذين الأمرين ببعضهما لم ينفع، وبشكل مقصود أو غير مقصود يبدو الربط بينهما ضرورياً. واشنطن تريد عودة الفلسطينيين والإسرائيلين إلى المفاوضات، وترغب في أن تعود المحادثات المباشرة بين سورية وإسرائيل، في ظل مثل هذه الظروف تتضاعف قدرة واشنطن في الضغط على إيران. ما يجري على الواقع هو العكس تماما، إذ إن إسرائيل في ظل خطواتها التصعيدية في ما يتعلق بالاستيطان إنما تعطل كل الجهد الأميركي، وتقلل من فرص بناء التحالف القوي الذي تطمح واشنطن بتشكيله ضد إيران. في الحقيقة رجحت رئاسة الحكومة الإسرائيلية الحفاظ على وحدة الائتلاف الحكومي من خلال الاستمرار في بناء المستوطنات والتي تثلج صدر الأحزاب اليمينية التي يتحالف معها بنيامين نتنياهو، وهو خيار بالنسبة لهؤلاء السائرين في درب التفاوض أمر معطل لتلك المسيرة.
في المقابل واشنطن تريد من دول عربية الوقوف إلى جانبها في سياق فرض عقوبات جديدة على إيران، هذه المرة الطلب يبدو مركزا على أن تقوم دول عربية بالانفتاح على الصين أملا في أن يدفع ذلك الصين لدعم مشروع العقوبات الجديد الذي تحاول واشنطن وحلفاء غربيين لها تمريره في مجلس الأمن. الملفت للانتباه في هذا السياق أن تصوير عدم إمكانية موافقة الصين على مشروع القرار إنما هو بسبب العلاقات الاقتصادية بين بيجين وطهران، وهو أمر يفتقر إلى الدقة، فالصين لديها ما يقلقها من سياسة الولايات المتحدة ولا سيما الاستمرار الأميركي في تسليح تايوان، وهو الأمر الذي تستمر فيه واشنطن من دون أدنى تراجع. إن محاولة القول إن مفتاح التوافق (الدولي) على قرار عقوبات على إيران إنما يأتي من عند دول عربية فيه نوع من إرسال رسالة إلى طهران بأن محيطها الإقليمي فاعل في الجهد الدولي. هذا لا ينفي بالضرورة وجود قلق من دول عربية من إيران، لكن القول إنه بالانفتاح على الصين فإن إنجازا ما سيحصل لا يبدو دقيقا، لأن السؤال حينها هل هذا فقط ماتريده الصين؟
إيران في المقابل خرجت عن صمتها السياسي من خلال زيارتين قام بهما الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى سورية وأفغانستان، وهي زيارات ذات دلالات سياسية كبيرة. فمن ناحية إيران ترد على التوقعات التي ذهبت إلى القول باحتمالية تراجع دورها الإقليمي بعد الانتخابات الرئاسية العاشرة وماتبعها من تطورات، فالاجتماع الذي جرى في دمشق كان رسالة بأن إيران ماتزال نشطة في المنطقة، وأن علاقاتها مع حلفائها لم تتغير. وقد سبقت تلك الزيارة تصريحات الرئيس نجاد حول "عدم سماح العراقيين للبعث بالعودة لحكم العراق" وهي التي اعتبرت من قبل أطراف عراقية بتنشيط للدور الإيراني في العراق. إيران أيضا تحركت نحو أفغانستان، فالزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني إلى كابل والتي وصفها وزير الخارجية الأميركية "بالمزعجة" تأتي في سياق التأكيد على الحضور الفاعل في الإقليم، وأن أيا من أدوارها لم يتأثر بسبب التطورات الداخلية في الأشهر الثمانية الماضية.
ماراثون الزيارات الإيرانية الأميركية فيه عرض للعضلات السياسية لكل طرف، وفيه تسخين لخطوة مقبلة، لكن ما يجب ذكره هنا هو أن الإدارة الأميركية ربما باتت على يقين أكبر أن الخروج الإسرائيلي على طاعة واشنطن هو ما يعطل سياسة الضغط على إيران ويكلف واشنطن جهدا سياسيا أكبر للحفاظ على التحالف الدولي متماسكاً في مواجهة إيران.