انبعاث مشروع "الدولة المهدوية" في إيران
، تحت عنوان " انبعاث مشروع الدولة المهدوية في إيران " كتب قاسم قصير مقالا في جريدة النهار اللبنانية جاء فيه: أدخل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مصطلح "الدولة المهدوية" إلى خطابه السياسي المباشر مما ترك الكثير من التساؤلات والاستفسارات لدى الأوساط السياسية والإعلامية ومراكز الأبحاث الغربية حول أبعاد هذا المصطلح وعلاقته بالمشروع السياسي والتكنولوجي والعسكري الذي تعمل الجمهورية الإسلامية الإيرانية على تحقيقه في المرحلة المقبلة.ولم يخفِ المسؤولون الإيرانيون، وخصوصا الفريق المقرب من الرئيس نجاد حقيقة هذا المشروع وأبعاده مؤكدين أن ورود مصطلحات "الإمام المهدي" و"الدولة المهدوية" و"صاحب الزمان"، والتي ترد في خطابات نجاد، ليست عفوية بل هي إثارات مقصودة لإيصال رسالة محددة سواء للرأي العام الإيراني أو للجهات العربية والإسلامية والدولية. وقد عمدت المستشارية الثقافية الإيرانية في بيروت إلى نشر دراسة متكاملة حول "الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) والمهدوية في خطاب الرئيس أحمدي نجاد" وساهم في الإشراف عليها المستشار الثقافي محمد حسين رئيس زاده وتم الاستفادة لإعداد الدراسة من وثائق "مؤسسة المستقبل المشرق" (آينده روشن) والمتخصصة بالدراسات المهدوية والتي يشرف عليها السيد مسعود بورسيد آقائي.
المهدوية بين النص الديني والخطاب السياسي
إن الإيمان بوجود الإمام المهدي ليس أمرا جديدا في الفكر الإسلامي عامة والشيعي خاصة، فاتباع الإمامية الأثني عشرية يعتقدون بأن الإمام المهدي هو الإمام الثاني عشر من سلالة الأئمة، وهو نجل الإمام الحسن العسكري وقد ولد عام 255 هجرية، وقد توفي والده وله من العمر 5 سنوات. ويعتقد الشيعة أن للمهدي غيبتين، الغيبة الصغرى والتي استمرت لمدة سبعين عاما وكان يتم التواصل خلالها بينه وبين الناس عبر أربعة سفراء. والغيبة الكبرى الممتدة منذ العام 329 هجرية والتي تنتهي بظهور الإمام مباشرة، مع أن الشيعة يعتقدون أنه خلال الغيبة الكبرى يحصل تواصل بين الإمام المهدي وأتباعه بوسائل وطرق متعددة.
وأما بقية المسلمين فيعتقدون بالإمام المهدي ولكنهم يؤمنون بأنه لم يظهر حتى الآن وأنه سيظهر في آخر الزمان مع النبي عيسى. في حين أن بقية الأديان وبعض المعتقدات الفكرية تؤمن بظهور المخلص أو بحتمية الخلاص للبشرية.
وقبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران برزت في الفكر الشيعي مجموعات تؤمن بانتظار المهدي وعدم القيام بأي عمل سياسي لإقامة الدولة حتى ظهور الإمام، وسمي هؤلاء بالحجّتية. لكن الإمام الخميني أنهى هذه النظرية بالتأكيد على أن الانتظار يتحقق بإقامة الحكومة الإسلامية وهي التي تمهد لظهور الإمام. ولم تغب مصطلحات الإمام المهدي والمهدوية عن خطابات الإمام الخميني والإمام الخامنئي والعديد من مسؤولي الجمهورية الإسلامية الإيرانية. لكن بوصول الرئيس أحمدي نجاد إلى رئاسة الجمهورية اتخذ هذا الموضوع بعدا عمليا وسياسيا من خلال الربط بين كل نشاط وكل خطوة يقوم بها الرئيس الإيراني بالإمام المهدي والمهدوية. وتمت إقامة مراكز الدراسات والمؤتمرات المتخصصة بـ"المهدوية" وعمد نجاد إلى إدخال فكرة "المهدوية" في خطاباته السياسية والشعبية وصولا إلى خطابه في الأمم المتحدة حين قال "إن العالم المعاصر أحوج ما يكون إلى المخلص الحقيقي والإنسان الكامل الذي تنتظره الأمم والشعوب حول العالم، ليملأ الأرض عدلا وأخوة ومحبة".
وفي خطاب له مع علماء خراسان يقول نجاد: "هل يشك أحد في وجود الإمام المهدي؟ أو في ممارسة الرقابة على الأفعال؟ هل يشك أحد أن الإمام ينزعج من بعض أفعالنا؟ وأنه يفرح ببعضها الآخر؟ ألا يدعو الإمام بالفرج كما ندعو؟ ألا يدعو لنا بالتوفيق للسير والوصول؟".
ويتحدث نجاد في الكثير من خطاباته وحواراته عن دور الإمام المهدي في تيسير نشاطاته وأعماله، وعن ضرورة ربط كل نشاط سياسي واجتماعي وعسكري بالإمام المهدي "لأن ذلك هو السبيل الوحيد للخلاص والانتصار".
إذن تحولت فكرة "المهدوية" في عهد نجاد من فكرة إيمانية عقائدية إلى نص سياسي تفصيلي ومباشر في كل الأدبيات والأداء السياسي. وأصبح هناك مراكز دراسات ومجموعات عمل حول نجاد تنظّر لهذه الفكرة وتعمل على نشرها عبر المؤتمرات والندوات والدراسات.
المشروع الايراني و"الدولة المهدوية"
لكن ما هي علاقة المشروع الإيراني السياسي العسكري والتكنولوجي بالدولة المهدوية؟ وهل للملف النووي الإيراني ارتباط بهذه العقيدة الدينية؟
منذ انتصار الثورة الإسلامية وتسلم الإمام الخميني لموقع المرشد للجمهورية الإسلامية سادت في الأوساط الشيعية المرتبطة بإيران مقولات تعتبر أن الإمام الخميني هو الذي سيسلم الراية للإمام المهدي وأن الحرس الثوري الإيراني سيكون جيش الإمام المهدي المقبل، وأن "المطلوب إعداد جيش قوامه عشرين مليون فرد ليكونوا الجيش الذي يقاتل مع الإمام المهدي عند ظهوره". لكن وفاة الإمام الخميني قبل تسليمه الراية للمهدي أدى إلى انتشار حالة من التساؤل والقلق لدى بعض هذه الأوساط، فتم الترويج لاحقا أن الإمام الخامنئي هو الذي سيسلم الراية للمهدي لأنه من خراسان (مشهد) وذلك تطبيقا لبعض الأحاديث من "أن رجلا من خراسان سيسلم الراية للإمام". كما أنه عند حصول أية تطورات سياسية أو عسكرية كبرى في العالم الإسلامي يتم الربط بينها وبين الإمام المهدي، كما حصل خلال التحرك العسكري الذي قام به جهيمان في مكة المكرمة، وكذلك عند احتلال الرئيس العراقي صدام حسين للكويت واندلاع حرب الخليج. ولكن منذ وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد لرئاسة الجمهورية الإسلامية انتشرت بقوة أفكار جديدة بأن نجاد هو من أنصار المهدي وأنه سيعد الجمهورية الإسلامية لتكون مركزا أساسيا لانطلاق الإمام خصوصا على صعيد الركائز العسكرية والتكنولوجية... وتم طبع ونشر العديد من الكتب والدراسات التي تربط بين نجاد والإمام المهدي.
وقد أدى نشر أحد هذه الكتب إلى أزمة سياسية بين المملكة العربية السعودية و"حزب الله" لأن الكتاب تضمن إشارة إلى أن إحدى علامات ظهور الإمام المهدي ترتبط بالحكم السعودي، وقد جرى نقاش حول الكتاب خلال لقاء بين الملك السعودي ووفد من "حزب الله" برئاسة نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم ونفى الحزب علاقته بالكتاب الصادر من إحدى دور النشر في الضاحية الجنوبية، وأصدر الحزب لاحقا بيانا إعلاميا يؤكد فيه عدم مسؤوليته عن مثل هذه الكتب التي تصدرها دور نشر خاصة.
ويسود لدى بعض الأوساط الإسلامية في إيران وفي عدد من الدول العربية أن ما يجري في الجمهورية الإسلامية هو الإعداد والتهيئة لظهور الإمام، وقد حرص الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على إبراز هذا الأمر بشكل دائم في خطاباته ومواقفه، كما أن بعض هذه الأوساط يعتبر "أن حصول إيران على التكنولوجيا النووية هو جزء من التحضير والاستعداد لظهور الإمام لأنه لا بد من امتلاك التقنيات والتكنولوجيا القادرة على مواجهة التقنيات والقدرات الغربية. فالإمام سيدير العالم وفقا لنظام عالمي جديد في مواجهة الرأسمالية الغربية وبعد فشل الاشتراكية والشيوعية".
وتنتشر في الأوساط الشيعية حلقات نقاش وحوار خاصة غير معلنة متخصصة بكل ما يتعلق بالإمام المهدي حيث يتم دراسة الأحاديث والروايات عن الرسول والأئمة وتطبيقها على الوقائع السياسية الحالية، ويتم الربط بين كل تطور عالمي وبين حديث من الأحاديث.
ورغم أن بعض التطبيقات لم تكن دقيقة ، فإنه منذ وصول الرئيس نجاد للحكم ازدادت هذه التوقعات والتقديرات. وما جرى من أحداث في اليمن أخيراً كان إحدى الإشارات التي توقف عندها الكثيرون لأن جيش المهدي سيتشكل من "اليمانيين" حسب بعض الأحاديث، وقد وُجد عند الحوثيين كتب خاصة بالروايات عن المهدي وعلامات ظهوره وقد أعدها أحد العلماء اللبنانيين المقيمين في قم.
الأبعاد العملية لفكرة "المهدوية"
أما على الصعيد السياسي والميداني فإن كل العقيدة التي يرتكز عليها الحرس الثوري الإيراني ومشروع الرئيس نجاد تقوم على التحضير والاستعداد لظهور الإمام المهدي لأنه هو الذي "سيقيم العدل وينهي الظلم في العالم" حسب عقيدة الشيعة.
وقد عمد نجاد وفي الكثير من خطاباته ومواقفه للإشارة إلى الرعاية الخاصة التي يحظى بها في تحركاته من قبل الإمام المهدي وخصوصا خلال زياراته للولايات المتحدة الأميركية وإلقائه محاضرة في إحدى جامعات نيويورك.
ويقول الرئيس نجاد في إحدى خطبه "الموضوع الثاني الذي نلتمس فيه بركات صاحب العصر(الإمام المهدي) هو الملف النووي... وبعض البلدان ما زالت منذ 25 سنة تسعى للحصول على الطاقة النووية أما الشعب الإيراني فإنه استطاع ببركة الإمام وخلال سنتين أو ثلاث من الحصول على التقنية النووية دون أن يقدم التزاماً أو تعهداً لأحد". ويضيف "تصوروا أن تلك الساعة أتت وأصبحنا على صلة مباشرة بالإنسان الكامل، بإمام العصر(المهدي) وتخيلوا ماذا يحصل ساعتئذٍ تخيلوا تلك الاستعدادات والمواهب التي سوف تتفتح... ولا شك أنكم سمعتم أنه عندما يظهر الإمام ويتصل نهر الحقيقة الهادر بالمحيط، تحصل أمور عديدة فيها فيتفتح العقل الإنساني وكماله".
ومن أجل تحقيق هذا المشروع تم وضع خطة متكاملة على الصعد السياسية والدينية والثقافية والعسكرية وكل ما يقوم به نجاد من زيارات ولقاءات عالمية في هذا الاتجاه، حتى إن الخطاب الديبلوماسي الذي يدعو نجاد إلى اعتماده ينطلق من هذه الرؤية.