أحجية إيران
، (أوان الكويتية) - نشرت مجلة تايم الأمريكية مقالا بعنوان "أحجية إيران" بقلم إريتا بارسي جاء فيه: إيران هي مكافئ القرن الحادي والعشرين لروسيا ثلاثينيات القرن الماضي. إنها أحجية مغلّفة بالسرية في قلب لغز غامض. والإيرانيون لم يتعثروا بهذه الحالة الغامضة بالمصادفة، كما أن هذا اللغز الغامض ليس بسبب عدم محاولة الآخرين فهمهم. خلافا لذلك عملت الحكومة الإيرانية بشكل متعمّد لجعل العالم الخارجي مرتبكا تجاه أهدافها وعملية صنع القرار عندها. وكما يقول أستاذ جامعي إيراني "إن حكام إيران يعتقدون أن الغموض يمنحهم الأمان".إذا أخذنا هذا الهدف بعين الاعتبار، فلن يكون من الصعب معرفة السبب الذي يجعل واشنطن تواجه صعوبة في صوغ سياسة إيرانية ناجحة. في الوقت الحالي تسعى إدارة أوباما إلى الحصول على موافقة مجلس الأمن لفرض عقوبات، في حين تسعى إلى تكوين تحالف من الراغبين لفرض عقوبات تتجاوز كل ما يمكن أن تفرضه الأمم المتحدة. والغاية التوصل إلى نظام عقوبات يشمل الحكومة الإيرانية والحرس الثوري من دون التأثير في الشعب.
مع ذلك قلّة في واشنطن تعتقد أن العقوبات ستؤدي إلى تغيير سلوك طهران. وتجربة إدارة بوش تبيّن أن الجمع بين العقوبات والحديث عن تغيير النظام، أسهم في تعزيز مكانة المتشددين في إيران. وقد عزز إحساس إيران بالعظمة وقلّص الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة. وإذا ما شعر النظام الإيراني أن الهدف الحقيقي من السياسة الأميركية هو الإطاحة به، فمن المرجح ألا يقوم بالتغييرات التوافقية التي تسعى إليها أميركا بخصوص البرنامج النووي.
إذن، ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة؟ الشيء الواضح أنها لم تعد تتعامل مع إيران على أنها مجرد قضية تخلق حالة من التردد، على العكس، تبدو إيران مشلولة وفاقدة العزيمة، بسبب فقدان حكومة خامنئي للشرعية واستمرار الصراع داخل النخب وبين الحكومة والشعب.
صحيح أن الحكومة حققت نجاحا في منع مناوئيها من التظاهر في 11 فبراير /شباط ، لكن التغيير تحت السطح محدود. فالحكومة فقدت الشرعية، وهي تلجأ إلى القوة باستمرار للبقاء في السلطة. والاقتتال داخل النخب أصبح أكثر ضراوة، مع تعرُّض زوجات وأبناء قادة المعارضة للتعذيب والضرب من قبل الميليشيات التي ترعاها الحكومة.
في مثل هذه الظروف لن يكون بمقدور الحكومة الإيرانية، المشغولة بمعاركها، أن تضع سياستها الخارجية الجديدة. وفي حالة الشلل هذه، يكون سلوك إيران مدفوعا بأمرين: القصور الذاتي البيروقراطي والرغبة في اتخاذ القرارات التي تعتبر متدنية المجازفة ضمن السياق السياسي الإيراني.
وهذه لا تشمل التسوية مع واشنطن ووكالة الطاقة الذرية في ما يخص القضية النووية. فمنذ فضيحة إيران-كونترا وحتى الآن، خسر كثير من السياسيين الإيرانيين مواقعهم بعد محاولات فتح حوار بين إيران والولايات المتحدة، خوفا من أن تستفيد قوى منافسة من وضع نهاية للعداء بين إيران وأميركا. فمن وجهة نظر الموجودين في النظام، إن الطريق الأقل مجازفة يتمثل في الرد على الضغوط عن طريق المواجهة والتصعيد. ومن الأسهل على المتشددين أن يتعاملوا مع خطر محدد عنيف، كما في حالة بوش، من أن يتعاملوا مع أوباما المحيّر والمربك.
ليس هناك من المؤشرات ما يدل على أن فرض عقوبات أميركية شاملة يؤدي إلى إغلاق باب الدبلوماسية، وهو ما سيجعل أوباما يضع نفسه في الموقف ذاته الذي وضع بوش نفسه فيه. إلا أن ميل طهران إلى المواجهة قد يدفع الوضع إلى الخروج عن السيطرة. وقد تصبح المواجهة العسكرية، التي لا يرغب بها أحد في إدارة أوباما، حتمية.
أحد عوامل تغيير اللعبة سيكون انتصار الحركة الخضراء المناصرة للديمقراطية في إيران. لكن تأثير واشنطن في الحركة الخضراء محدود، كما أن جدول نضالها الزمني غير متواقت مع مسار إيران النووي. تبقى المعارضة شوكة في خاصرة خامنئي، لكن توقّع الكثير منها قد يضيف عليها أعباء تفوق طاقتها.
وبالتالي تكمن هنا معضلة السياسة الإيرانية: الحركة الخضراء الإيرانية بحاجة إلى الوقت، لكن واشنطن لا تستطيع الانتظار. وفي حين لا يحظى الصبر بالقيمة التي يستحقها في الثقافة السياسية الأميركية، يمكن للتسرع أن يحمل أخطارا أعظم في حالة التعامل مع بلد مهيأ للتصعيد في الوقت الحالي. ومأساة حرب أخرى في الشرق الأوسط شيء لا طاقة للولايات المتحدة على تحمّله. وانتظار تغيّر شيء يعد أمرا صعبا على الأميركيين. وهذا ما يجب على الإيرانيين القيام به.