العلاقات الإيرانية – الأميركية بين السياسة والاقتصاد
طالعتنا صحيفة "نيويورك تايمز" امس الاحد بنبأ مفاده ان واشنطن تمّول شركات اجنبية تعمل في مجال الطاقة في ايران رغم سعيها لفرض عقوبات أشد على طهران.
وتابعت الصحيفة الاميركية النافذة: "ان الحكومة الأميركية أعطت 107 مليارات دولار خلال السنوات العشر الأخيرة لشركات أميركية وأجنبية تقوم بأعمال في إيران، كثير منها في قطاع الطاقة، وذلك رغم سعي الولايات المتحدة لفرض عقوبات أشد على طهران".
واضافت: "رغم التهديد بمعاقبة الشركات التي تسعى للحصول على عقود اتحادية أميركية في الوقت الذي تتعامل فيه مع إيران، فن الإدارات الأميركية المتعاقبة واجهت صعوبة في فرض سلطتها على الشركات الأجنبية والوحدات الخارجية للمؤسسات الأميركية".
ومن بين 74 شركة قالت الصحيفة إنها تتعامل مع كل من الحكومة الأميركية وإيران، هناك 49 شركة مازالت تزاول أنشطة في الجمهورية الإسلامية وليس لديها خطط معلنة لمغادرة البلاد.
هذا الخبر ذكرني بحديث للصحافي الفرنسي البارز اريك رولو مذكرا بمهمة قام بها كدبلوماسي في عهد الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران في طهران حيث التقى وزير الحرس الثوري انذاك محسن رفيق دوست.
يقول اريك رولو: "كانت الحكومة الفرنسية تبيع السلاح انذاك – اي اثناء الحرب العراقية الايرانية - ليس لصدام حسين فقط، بل لإيران ايضا. غير ان الفرق بين الحالتين هو ان الحكومة الفرنسية كانت تبيع السلاح للعراق على مرأى ومسمع كل العالم ولكنها كانت تبيعه لإيران بصورة سرية".
ووفقا لما اسر به رولو بعد اكثر من عقدين من الزمن لايمكن ان نستغرب اذا قامت الولايات المتحدة الاميركية بنفس اللعبة ولو بشكل اخر مع دولة تعتبرها عدوة لها تطلق ليل نهار شعار الموت لأميركا. ولهذا الامر اسباب، اهمها:
اولا، قوانين الرأسمالية ومصالح الرأسماليين الكبار اقوى من كل حكومة وادارة في الولايات المتحدة الاميركية.
ثانيا، تعيش الولايات المتحدة الاميركية في ازمة اقتصادية لا يحسد عليها وهي تعاني من ركود اقتصادي لم يسبق له مثيل منذ الازمة الاقتصادية في اوائل الثلاثينات من القرن المنصرم.
ثالثا، هناك تصور تاريخي، عرقي، استراتيجي في اوساط المفكرين والساسة الغربيين ان الايرانيين والاوروبيين والاميركيين هم من عرق واحد هو العرق الآري. وهذا يعني - من وجهة نظرهم – انه ايوجد عداء استراتيجي بين الاخوة الآريين!
رابعا، الخلافات الاساسية القائمة حاليا بين طهران وواشنطن تعود الى رفض المتشددين في النظام الايراني لوجود اسرائيل وهم اي الايرانيين لايشعروا بالعداء نفسه ازاء الولايات المتحدة الاميركية.
خامسا، للجالية الايرانية – وخاصة الفرس منهم – نفوذ لا يستهان به في الولايات المتحدة وهذا النفوذ هائل في وزارة الخارجية الاميركية. اذ لاننسى ان عدد الجالية الايرانية يبلغ نحو 3 ملايين شخص؛ معظمهم يريدون التقارب الايراني – الاميركي ويسعون من اجله.
سادسا، يواجه الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد معارضة شعبية واسعة ويمر الاقتصاد الايراني - وخاصة قطاع النفط منه – باسوأ احواله. اضف الى ذلك العقوبات الاقتصادية المفروضة على ايران. كل هذا الامور ادت باحمدي نجاد كي يطلب ود "الشيطان الاكبر" سياسيا واقتصاديا. فرغم ايفاد رئيس مكتبه وصهره اسفنديار رحيم مشائي عدة مرات الى واشنطن ونيويورك لكن العلاقات الدبلوماسية لم تلتئم لاسباب معظمها داخلية، تعود الى المنافسة بين التيارات المتخاصمة في السلطة الايرانية وخارجها. ولذا يحاول احمدي نجاد ان يفعّل العلاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة وهي اقل مرئية وحساسية قياسا بالعلاقات الدبلوماسية.
سابعا، هناك نوع من التوازن بين طهران وواشنطن لا يسمح للثانية ان تفرض اي عقوبات اقتصادية نابية ضد ايران او تقوم باي عمل عسكري ضدها في اللحظة الراهنة. وقد يدفع هذا التوازن الحكومة الايرانية كي تستغل استثمارات الشركات النفطية الاميركية ونشاطاتها على الاراضي الايرانية لتحسين ظروفها الاقتصادية، كما تستغلها ادارة اوباما للتنفيس من ازمتها الاقتصادية.
________________________________________
*كاتب وصحافي عربي ايراني