Advertisement

شارك بواسطة ال SMS

الرجاء لبعث ال SMS

لبنان...وولاية الفقيه

مشاهدات 58
د.دياب نصر : 10 شباط 2010
إن كنا نولي اهتماماً لمجريات الأحداث والمتغيرات المنتظرة والحروب الداخلية وعناصر الصراعات الداخلية في أي وطن عربي فنعلق عليها ولا نشيح النظر عنها، فذلك من منطلق المفهوم القومي الجامع للأمة الذي يشكل قارب النجاة الوحيد والأمة تمخر في عباب محيطات الأزمات والقضايا الطاحنة التي تفتك بجسدها من كل حدب وصوب، داخلي وخارجي. والوسيلة الوحيد لاخراج الأمة من وضع مترد طال أمده ولا بشائر تدل على الإعداد للخروج منه بل تمعن مكونات الأمة في التنكر لوحدة الماضي ومخاطر الحاضر ومستحقات المستقبل الآمن.

ومصائب هذه الأمة ونوازع تفتيتها لا تأتي فقط من القوى الخارجية المعادية المتزايدة التي تدفع الأمة بإصرار الى طريق الضياع والتقسيم، بل آتية أيضاً من خلل كامن في بواطن هذه الأمة على يد وكلاء وأذرع داخلية بارعة في رفع الشعارات وتوظيف الاجتهادات على قاعدة المأجورية لأجندات معادية أو غير صديقة. تقود حركة تدمير شامل في أوساط الأمة وهي أطراف لا تدرك أم انها كانت تدرك أن ممارساتها التدميرية تلتقي مع أهداف الدول الامبريالية والكيانات المزروعة من حيث النتائج. ومن حيث جر هذه الأمة خارج مسار التاريخ، والمعلم المشترك الأول هو السعي بإصرار لطمس قومية الأمة والغاء انتمائها العرقي.

نقول ذلك في معرض تعرضنا لوثيقة حزب الله التي صدرت في 30 تشرين ثاني 2009 ، نركز على بعض المفاصل وما تحمله من مضامين ومغازٍ ملتبسة.

في البدء نقول للحقيقة وللإنصاف أن الحزب بشعاراته بانجازاته بخطابه السياسي الذكي بانتقائه للألفاظ بحنكة في قراءة الأحداث في صدق الوعود قد حاز وملك مشاعر العامة على ساحة الشعوب العربية. وتلك ميزة نادرة في عالم العرب اليوم، لكنها أيضاً ميزة تكمن فيها الخطورة في آن واحد، فالحزب شكل ظاهرة نادرة في الوسط العربي، ظاهرة غير مسبوقة في زمن التردي العربي العام، ظاهرة شكلت رأس الحربة التي تملك قرار ومبادرة القتال ضد الاحتلال الاسرائيلي في زمن الانكسار وزمن التواطؤ والتبعية المفرطة. فغدا الحزب في زمن التخاذل عملة نادرة وتعبيراً صادقاً عمّا يعتمل في صدور العامة من قهر وإحباط وذل أفرزته ثقافة الانهزام العربي الشامل.

لكن هل تتقاطع هذه الحقيقة مع حقائق النوايا أم انها ساترة لنوايا وأهداف أخرى مبيتة، إن طرحنا لا يقصد بالمطلق تجريم حزب الله وإلا تناقضنا مع أنفسنا ومع احترامنا وتقديرنا لكل ما دفعه الحزب وكوادره من دماء وتضحيات جسام وما حققه من انجازات. كما اننا لن نوظف قلمنا في الدفاع عن الأوضاع العربية الجارية وفي لبنان على بازار سياسي على حرفية مفتتة على تلاعب أمراء السياسة في ميدانه، كما لا نقصد الدفاع عن الأوضاع العربية العامة المهترئة المدانة، ولن نتحيز لحصاد سياسة هذه القطريات القائمة على نتائجها العقيمة المترسخة. دافعنا الوحيد هنا هي الأجندة القومية وما يصب في قنواتها أو ما يهتك حياضها.

إن وثيقة الحزب الجديدة في رأينا تستهدف استحداث نقلة نوعية في مساره منذ اعلان وثيقة تأسيس الحزب 1982 التي بشرت بميلاد حركة مقاومة جادة بهدف تحرير الأرض اللبنانية المحتلة من قبل اسرائيل وفي الجنوب تحديداً وقد نجح الحزب في مهمته بجدارة مميزة متى حرر الجنوب بلا أكلاف سياسية وبلا مترتبات ومكبلات على الوطن اللبناني.

لكن الوثيقة الجديدة تؤشر الى نقلة نوعية الى مرحلة مستجدة غير مريحة تخلط بين المبادئ والشعارات، بين الأهداف والمرامي بعيدة المدى... فأين يقف الناس منها؟! وكيف يفهمون ما بين سطورها؟!

1- أكّدت الوثيقة الحرص على لبنانية الحزب، ذلك يثر تساؤلاً إن كان الحزب فكراً وأهدافاً وممارسة واستراتيجية فعلاً لبنانياً صرفاً فلا مسوغ للتأكيد على هذه اللبننة التي تعكس نفسها في مشوار الحزب في التصرفات اليومية والميدانية في السياسة وفي الفكر ومدى انضباط هذه ضمن اطار المصالح الوطنية اللبنانية العليا في اطار الدولة الشرعية القائمة وتحت منظومة قوانينها وصلاحية القرارات العليا والاستراتيجية ومرجعيتها خاصة قرار الحرب والسلم. فهل هذا ما يجري في لبنان.

إن الحزب قبل وبعد اطلاق هذه الوثيقة لم يثبت بالقطع أن أجندته لبنانية صرفة، بل على استقلالية تامة مرجعيتها دولتي محور الممانعة بلا مرجعية وطنية في كل قراراته والخطيرة منها. لا بل شكل دولة داخل الدولة لها ملامحها وخططها وأغراضها، وبالأخص في حريته المطلقة في النشاطات العسكرية في قرار الحرب والسلم في ادارة شؤون الجنوب سياسياً واجتماعياً على استقلالية تامة وعلى حرية سيادية في باطن الدولة اللبنانية.

كيف تقاس اللبننة بمضامينها؟ والحزب لم يولد على خلفية بيئة لبنانية صحية متعافية موحدة بل على خلفية حرب أهلية مدمرة (1975 – 1991) تخللها دخول قوات عسكرية خارجية بضوء أخضر أمريكي، فترة تميزت بتقلب التحالفات بالهيمنة على لبنان حتى 2005 وقع خلالها الاجتياح الاسرائيلي الشامل 1982.

ذلك ما يجبرنا على تناول مسببات هذه الأحداث الدامية التي لم تزل ذيولها جارية في لبنان، طرف فيها متهم بأنه ينساق خلف المحور الأمريكي وطرف تقلّد ونمى واستقوى على يد محور معاكس يسمونه محور الممانعة في ظرف تتجاذب لبنان فيه السطوة الاقليمية الكاملة والتدخلات الدولية الجارية.

وهذا يعني أن ما جرى ويجري في لبنان هي معارك المحاور الخارجية بالأذرع الداخلية لا مصلحة وطنية فيها ولا مصلحة قومية. هي حروب هيمنة ضد هيمنة أخرى كلتاهما تستهدفان استقلال وسيادة الدولة اللبنانية، والحزب مصنّف ضمن محور الممانعة الذي تقوده ايران التي تسلح وتبني وتمول لتشكل سوريا حلقة المرور لكل الامدادات.

ومن الواضح أن هذا الخلط لا صلة للمصلحة الوطنية اللبنانية الصرفة به، بل بهذه التكتلات وبحروب المحاور الخارجية على أهدافها المريبة ولا التحالفات الداخلية المتقلبة الناشئة من هذه المعادلة تخدم لبنان. الحزب اذن إن غدا على علاقة عضوية امتدادية مع ايران في ما يدعى محور الممانعة لن يعود لبنانياً صرفاً. وإلا لماذا ارتد سلاحه على الشارع اللبناني في 7 أيار 2008، أي لبننة تطرح الوثيقة وهي تتمسك بولاية الفقيه كمبدأ وعقيدة ونهج.

هنا مشكلة فلا قيادة الحزب ولا الحزب وكوادره على هذا الجهل في خلط الكلمات والقواعد والعقائد والرسالات، فمن يرفع ولاية الفقيه كمبدأ ونهج فهو ينزع صفة اللبننة عنه إلا اذا قصد أن مآل لبنان في النهاية هي ولاية الفقيه.

لكن بلداً كلبنان أساس الوجود فيه والاستقرار والازدهار هو الانتماء القومي الحصري هو التعايش الآمن المشترك بين كل مكوناته على قاعدة الحراك الديمقراطي وسواسية الناس، فان اعتمد الحزب ولاية الفقيه عقيدة ونهجا فهو يسعى الى تحقيقها على أرض لبنان وذلك لا يتسق ولا يتزاوج ولن ينصهر مع طبيعة تكوين لبنان لا حاضراً ولا مستقبلاً، وهو توجه يزيل قومية لبنان بل يلغيها على حساب الأمن والسلم الاجتماعيين وعلى حساب بقاء الدولة اللبنانية السيادية القادرة على السيطرة على أراضيها، بقي على الحزب مهمة حل طلاسم هذه الأحجية حتى يفهم الناس وحتى يحسم خياراته.

فاللبننة بمضمونها تفرض على الحزب أن يكون حزباً وطنياً صرفاً خاضعاً لدستور البلد وقوانينه ومعادلة أمنه وسلمه الداخلي في اطار الوطن اللبناني القومي الموحد ، لا يشكل عراباً لدول المحور يمنح صك الزيارات وصياغة التحالفات، كما أن نهج الحزب في ولاية الفقيه في لبنان يضمر انتشارها في الأجواء العربية المنقادة الى عصور الظلام الى صكوك الغفران الى عصمة الولي الفقيه الى صكوك التوطؤ والتكفير والأمة العربية عانت بما فيه الكفاية من الظلمة ومن الاستبداد.

2- ليس عشوائياً ما يطرحه الحزب في مسألة ولاية الفقيه وهي بالأصل بدعة تحولت من طرح سياسي الى مشرّع الهي لا ينص عليها الاسلام ، فان تبناها الفرس لأغراض خاصة بهم فلا يحق استيرادها وتصديرها وتطبيقها في الحالة العربية لأكثر من سبب، فهي أولاً تقوم على قاعدة المذهب الشيعي بمعنى الطائفية حصرياً في القومية الفارسية فان طبّقت في لبنان فتداعياتها متشعبة تزيل أولاً ملامح لبنان كوطن متعدد، وثانياً لا يمكن فرضها على الغالبية العظمى من السنة العرب إلا اذا جرى تشييعها بالكامل. فهل هذا ما يقصده الطرح. والحزب يدرك كل هذه المحاذير فان اصر على زج هذا الخيار على وثيقته معنى ذلك أنه يضمر أهدافاً مريبة حقاً. هل ينبع ذلك من قراءة محددة من تصور مؤكد لصورة لبنان المستقبل على قراءة صائبة يراهن فيها الحزب على:

أ- إن تعداد الطائفة الشيعية في لبنان سيشكل في مدى قريب الأغلبية الساحقة وأكثرية التعداد اللبناني.

ب- التفكك وعدم التماسك في أصول الطائفة السنية في لبنان المشوهة أيضاً بما ينسب اليها من الحركات الجهادية السلفية الارهابية المتطرفة التي تزج على لبنان، ثم الصراعات في أوساطها والتقلبات السياسية وبيع التحالفات الجارية في أصولها كتصرفات وليد جنبلاط ووئام وهاب وغيرهما. وذلك يصب في تهميش دورها وإضعافه وهي قد نازعت الحزب بمرارة منذ اغتيال رفيق الحريري 2005 تخللها تلويح الحزب بسلاحه على بيروت 7 أيار 2008 ترهيباً في بث رسالة لها مغازٍ حصرية، انتهج في المرحلة التالية محاولات دؤوبة لشق صفوف الطوائف اللبنانية بأسرها لاضعاف دورها وتقزيمه.

وقد باتت هذه المكونات مدركة تماماً أن الحزب هو اليد الطليقة الأعلى هو الحاكم هو المتحكم في شؤون لبنان ومصيره، في الدفع الى اعادة الهيمنة عليه بواسطة الأذرع الداخلية، والحزب فرح منتشٍ في انهائه لتداعيات ثورة الأرز ثورة الاستقلال والسيادة، والهيمنة تعود الى فضاء لبنان وخصوم الأمس باتوا يلهثون لزيارة سوريا من يزكي هذه الزيارات هو الحزب بغض النظر عن الدور المكشوف.

3- هذه الكوامن بمجملها أفرزت حالة الشد والتجاذب السياسي على ساحة لبنان منذ 2005 على قواعد لا تمت لمصلحة لبنان العليا وهي على تصادم بين أجندتين خارجيتين أجندة الممانعة وأجندة المحور الغربي، فترة تميزت بالتعطيل الشامل لكل ادارات لبنان السياسية لكل مرافقه بدعوى فرض التقاسم على قاعدة التعطيل، هي فترة كرست رسالة الحزب وتحالفاته المستجدة وتمرير كل التدخلات الماسة بسيادة لبنان وبوحدة نسيجه.

على هذا الرهان بالذات تدرك الوثيقة أن لبنان الأعزل فريسة سهلة لتمرير ولاية الفقيه عليه بمعنى عزله عن انتمائه القومي.، تشكّل فيه التجاذبات واعادة صياغة التحالفات وتقاسم الغنائم في تصارع الأجندات عليه.

بالقطع لا حافز لدينا للدفاع عن المفهوم الطائفي والقبلية الطائفية السياسية في لبنان أو في أرجاء الوطن العربي بأسره لا للتحدث عنها ولا للتعامل معها. لكننا مجبرون في هذا السياق على التعامل مع الواقع القائم في لبنان مع توازناته القائمة وفق دستور الاستقلال 1943 لأننا مجبرون على التعامل مع ما تحمله وثيقة الحزب طيها من نوازع طائفية محضة، وما يكمن فيها من أخطار على استقلال لبنان أو اعادة ضمه الى سوريا وهو تحت نظام ولاية الفقيه حتى يقيض الله له الاندماج القومي المتكامل.

4- تدعو الوثيقة الى المزاوجة بين المقاومة ومهماتها في التصدي للاحتلال والحروب الاسرائيلية وبين الجيش اللبناني الوطني الذي أناطت به الوثيقة مهمة حماية الأمن الداخلي. ولمن يفهم هذه المعادلة سيصعق تماماً فالوثيقة في هذا الطرح أقصت الدولة عن مهماتها الأساسية من حماية حدود البلاد من قرار الحرب والسلم من أي قرر استراتيجي ، كما أقصت الجيش الوطني عن صلب أهم مهماته في حماية الحدود وحماية الوطن والدفاع عنه ضد أي عدوان خارجي من حيث المبدأ المسلم به: أين يحصل ذلك على وجه الأرض؟ الجيش ضعيف هذا أمرٌ آخر، والمبدأ والصلاحيات وسيادة الوطن شيء مختلف آخر.

نعم كنا ندعو دائماً الى استيعاب سلاح الحزب وكوادره في اطار الجيش الوطني على هدف توحيد السلاح والجيوش وشرعنتها تحت قيادة رئاسة الأركان الوطنية وبإمرة وزارة الدفاع والحكومة والعمل وفق ما تقرره في اطار استراتيجية الدفاع والحرب والسلم ضمن اطار المصلحة الوطنية العليا وتلك قاعدة محسومة لا جدال فيها حتى تزول هيكلة واستقلالية جيوش المقاومة وهي على استقلال خارجي وداخلي وهي تتعدى على استقلال دولة سيادية عضو في الأمم المتحدة وفي الجامعة العربية يفترض أن تعمل بسيادة مطلقة واستقلال تام وفق مصلحة البلد لا خيار لها لتفاضل أجندات وفق رؤية المقاومة.

فاذا أحالت الوثيقة الى المقاومة مهمات هي من صلب وأساس مهمات الجيش الوطني فقد سلبت هذا الجيش مبرر وجوده، ومتى تكرمت فأحالت عليه مهمة حماية الأمن الداخلي فقد حولته الى قوة درك داخلية لا علاقة لها في الدفاع عن الوطن ولا بقرار الحرب ولا السلم مع مرجعياتها وقياداتها السياسية والعسكرية. ومعادلة الوثيقة تعني من أجل ادامتها وتبرير وجودها أن تظل أرض لبنان تحت احتلال دائم ليظل الاحتلال ذريعة وجود المقاومة الى الأبد.

عن أي تزاوج تتحدث الوثيقة، من أية فوقية وعلى أية نرجسية يأتي هذا التزاوج لتغدو الكلمة العسكرية العليا وقرارها الأعلى في فضاء لبنان آتية من خارج الحدود.

إن الأصل في المقاومات الوطنية انها مهمات وقتية إن زال الاحتلال حلّت نفسها فوراً، وإن كانت تتأبط وجوده لغرض أجندة خاصة فقد تجاوزت سبب وجودها كونها ستؤول الى استقلال داخلي تام داخل الدولة تحشد الترسانات والجيوش على قرارها الخاص المستقل لصالح أجندتها لأغراض مريبة تغدو معها متجاوزة على سيادة وطنها واستقلاله. ولا يعقل في العرف السياسي نهوض جيوش متعددة على سياسات وقيادات متعددة داخل البلد السيادي الواحد لتعمل هذه الجيوش كل حسب أجندته الخاصة على سياسة مرسومة ومطامع كامنة يُخطف معها لبنان، أين تكمن لبننة الحزب في هذا الطرح؟!

ما ورد من طروحات هدفت الوثيقة تكريس الحزب كدولة قائمة بذاتها لا صلة لها بالدولة الوطنية بل متجاوزة لكل صلاحيات الدولة ومهماتها ومسؤولياتها حتى لا تظل يد المقاومة طليقة متسلطة تجر البلد الى أين تريد وفق ما تختزن من أهداف وفق موازين التحالفات الداخلية اللزجة، ما يعني بصراحة أن المقاومة دخلت مرحلة جديدة لتوظيف مقاومتها لأجندة أهداف مريبة تتذرع في مقاومة الاحتلال على مفاهيم ومقاصد ملتبسة.

5- تطرح الوثيقة بناء آلية الديمقراطية التوافقية للحكم . لماذا تدحر الحراك الديمقراطي الحر على مبدأ حكم ألأكثرية النيابية ومعارضة الأقلية بغض النظر عن اللون السياسي.

لا بد أن الديمقراطية التوافقية تخدم أهداف الحزب بشكل أفضل، لذا تجاوزت الوثيقة عن الديمقراطية الحرة وأصولها واستحقاقاتها، فالديمقراطية التوافقية تعني بالضبط فرض التقاسم والمحاصصة على موازين المأسدة على قاعدة التعطيل فالابتزاز وفرض المطالب والمواقف السياسية والرؤية الخاصة.

ولا شك أن الوثيقة مدركة للقدرة على فرض التعطيل ما لم يمتثل الجميع للرغبات الاستراتيجية لأمر الاستقواء لا يهمها استحضار الحروب والدمار والكوارث على الناس، ولا يهمها السلم الأهلي او احترابه لا تخريب الوطن لا تمزيقه ولا تفريغه ولا زجه في أزمات طاحنة بل تستثمر كل هذه المفردات للوصول الى الأهداف الكامنة.

هنا يحضرنا سؤال وتعجب: أليس من الغريب أن يصمت الحزب عن غزو العراق واحتلاله المشترك وعن الاستنكاف عن مقاومتهما ثم يصمت عن الحرب الطائفية التي أدمت العراقيين، ثم ينتصر للتمرد الحوثي الانفصالي في اليمن مقابل ما تحمله ثنايا الوثيقة للبنان. أليس لأن ايران داعمة لهذه المواقف المريبة؟ ألا تعني تلك الأحداث أن التوجه المذهبي هو سيد الأحكام؟ الى متى ستظل القبلية الطائفية والقبلية السياسية طريق التدمير والتقسيم بدل الوحدة والتوحد.

لتغدو الديمقراطية التوافقية ديمقراطية إملائية في حقيقتها ومجريات السياسة اللبنانية منذ 2005 واصدار القرار 1519 والقرار 1701 وحتى الانتخابات التشريعية الأخيرة وما صاحبها من صخب وتجاذبات قد اكتوت بالتعطيل والتجميد ثم الابتزاز بحجة التوافقية التي تدعو الوثيقة اليها. توافقية عطلت تشكيل الوزارة 6 أشهر حتى تشكلت على قاعدة التعطيل والابتزاز أهم عناصر التوافقية المراد بها التحكم الفعلي في قرارات الحكومة السياسية والاقتصادية والعسكرية والادارية والمجتمعية للتحكم في مسيرة الوطن وفق مصالح الأقوى ومصالح تحالفاته داخلياً أو خارج الحدود.

6- أخيراً تطرح الوثيقة الرفض المطلق لمبدأ التسوية السياسية مع اسرائيل على موقف ثابت لا تراجع فيه ولا مساومة ، هكذا قرار ليس في وسع الحزب ولا في وسع لبنان تحمل تبعاته، أمام هذه الأسئلة التي نطرحها حول هذا التعهد:

أ- لنفترض أن سلاماً شاملاً تحقق بين سوريا واسرائيل ستكون أهم أهدافه شل وجود حزب الله وسلاحه فكيف سيتصرف الحزب. ب- على افتراض وصلت ايران الى دورها المنتظر بقوة نووية ودخلت بقوة في مربع المساومات الدولية مع الغرب عموماً ومع النووية الاسرائيلية المنافسة ألا تغدو اللعبة هنا أكبر كثيراً من تعهدات الحزب وطروحاته. ج- هل يملك لبنان في هذه المستجدات قدرة التمرد على سلام يغزو المنطقة فقط لأن الحزب لا يريد؟

من يقبل في لبنان هذا الموقف على اعتبارات القدرات الكامنة وموازين القوى ، ومن يقبل من الأسرة الدولية بقاء الدولة الأضعف مثار نشاز في المنطقة مثار عدم استقرار وحروب وعدوانات وتدمير لأن الحزب يرغب في ذلك. د- لا يصح وليس بوسع أية مقاومة في لبنان أو في فلسطين أو في أي مكان آخر أن تختطف أوطانها لصالح أجندات خارجية متغيرة المواقف على قاعدة المصالح القومية الثابتة وإلا غدت أهداف المقاومات خطيرة للغاية مريبة للغاية تصب كلتاهما على رأس وطنها.

ما هو المعنى الكامن في هذا الطرح" لنفترض أن لبنان جُرّ الى سلام غزا المنطقة هل يستطيع أن يرفض ذلك نزولاً عند رغبة بعض مكوناته؟ فيما الملف اللبناني أسهل الملفات العالقة، ولمن يكون القرار عند هذا المنعطف؟ سيما وأن سلاح حزب الله سيخضع للمساومات لتقاسم ألأدوار والمصالح في خضم عمليات السلام والمساومات في الاقليم.

فاذا سلمنا بقدرة حزب الله في الشمال وفي قوة حماس في الجنوب لكنهما معاً بعيدتين بعد الأرض عن السماء عن امكانية ازالة اسرائيل من الوجود على الأقل في العصر الراهن كما يصرح أحمد نجاد. هي قوى تزعج اسرائيل بلا شك لكن هذه تستثمر هذا الازعاج بجدارة كذرائع لحروبها ولحصاراتها وصب الدمار على رؤوس الشعوب.

من يطرح هذه الوعود ويقطع هذه العهود يدرك بالطبع احتمالية المتغيرات في فضاء الاقليم سلباً كانت أم ايجاباً، كما يدرك أن وعوده وتعهداته لن تتسق مع السياسة الجارية في الاقليم ولن تتسق مع محصلة هذه المتغيرات، ما يعني رفضها من أقرب حلفائه. ماذا يقصد اذن من هذه التعهدات غير الساحة اللبنانية المستضعفة.

هنا لا مجال لمسألة عقيدة ونهج ولا لمسألة ضمير ولا لمسألة تنازل، بل هي موازين القوى المختلة بشكل صارخ، هي مصالح الشعوب هي الحفاظ على كياناتها لعدم ابتلاعها من أي طرف أمام مكتسحات المتغيرات التي ستهب على المنطقة.

ولا يعقل أن تتلهى المقاومات في مقاومة الجانب الاسرائيلي في زمن الانكسار والانهزام من حولها في زمن الفرقة والصراعات والانقسامات المتعمقة في أصولها في زمن هتك السلم الأهلي وتقويض صمود الجبهات الداخلية. فيما يجب على هذه المقاومات أن تبني وأن تعمل على وحدة انسجتها الوطنية على سلمها الأهلي على بناء متغيرات اجتماعية داخلية تقود الى وحدة مانعة لتفرز سياسات تحررية استقلالية بدل أن تشكل قبائل سياسية مسلحة تمتص قوتها من خارج حدود وطنها وعلى حسابه، لا تتورع في تشكيل دولة داخل في الوطن.

فان تمادت المقاومات تجاه قرارات السلم والحرب فقد تجاوزت مهمتها وتعدت على الصلاحية الشرعية على السياسة الاستراتيجية لبلدها في اطار مصالح الوطن العليا وفي اطار مصالح الشعوب، فيما القطريات بأمس الحاجة لمداواة مشاكلها الداخلية لا تعقيدها.

نحن هنا بالطبع لا ندعو هذه المقاومات للاعتراف باسرائيل والسلم معها أو إجراء الحلول التسووية معها بقدر ما نعني وضع الأمور في نصابها وعدم اختطاف الأوطان لصالح قبليات سياسية وأجندات خارجية، وبقدر ما نعني وحدة الأنسجة المتراصة وعدم السعي الحثيث لتفتيت الأوطان واختطافها تحت أية ذريعة وأية أهداف غامضة وملتبسة.

على هذه المقاومات المعسكرة أن لا تغفل عن موازين القوى العسكرية ما دام عملها عسكري محض والتحدي الوحيد أمامها أن تسعى داخل فضائها القومي لبناء الرادع الموازن قبل أي طرح وأي وعود وقطع أية عهود وإلا فانها تعود بنا الى لاءات مؤتمر الخرطوم أيلول 1967 ( لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض) التي أسفرت في النهاية عن تحالفات وتواطؤات ومشاركات مع ذات الخصم.

هل يضمر الحزب في وثيقته المخاوف من جلاء اسرائيل عن قرية الغجر ومزارع شبعا لتضعه في مأزق يفقده حوافز بقاء المقاومة المسلحة في ظروف لا تسمح للحزب باطلاق الوعود والعهود، ما يعني الغاء حوافز بقاء المقاومة المسلحة وإلا عنى العكس ضرورة بقاء لبنان رهينة رؤية الحزب في الاصرار على الاشتباكات المتواصلة مع اسرائيل كمبرر وحيد لبقاء المقاومة وسلاحها.

7- على أثر صدور هذه لوثيقة طرح نبيه بري باصرار العمل على الغاء الطائفية السياسية والقبلية السياسية نهائياً بمعنى الغاء التقسيمات والتوازنات التمثيلية والمجتمعية القائمة في البلد وفق دستور الاستقلال 1943.

في الأجواء الصحية من الطبيعي أن يكون موقفنا الى جانب الغاء الطائفية الغاء القبلية السياسية الغاء التقاسم والمحاصصة وكل ما يتأتى عنها من تجاذبات من تحالفات متقلبة من تعطيل وابتزاز ، على قاعدة وطنية أكثر هدوءاً وانسجاماً على قاعدة ترسيخ الحراك الديمقراطي في سواسية الناس في الحقوق والواجبات.

لكن هل هذا ما قصده رئيس البرلمان اللبناني؟! بل لماذا لم يبادر الى هذا الاصلاح بجدية في ظروف وطنية أفضل وهو متربع على كرسي الرئاسة الثالثة منذ عقود طويلة؟! وأبرز ما سجله عليه التاريخ هو تعطيل البرلمان اللبناني واغلاقه بالضبة والمفتاح وشل حركة البلد في أصعب الظروف السياسية تحت طائلة المناوشات والتحالفات الطائفية، ألأنه كان يخشى على حصة طائفته في ظروف غير ملائمة؟ أم كان يخشى أن تفقد طائفته كرسي الرئاسة الثالثة؟ وفق توزيعات دستور الاستقلال. أم أن رئاسة لبنان الثالثة تعمل وفق أجندات خارجة حدود الوطن.

إننا نرى في الإصرار على هذا الطرح في مثل هذه الظروف اللبنانية والمتغيرات التحالفية فيها، ومحاولة بري تسويق طرحه على الداخل اللبناني وعلى الممثليات الأجنبية، اشكالية مستجدة تحاول رفد وثيقة الحزب ومحاكاة مضامين ما جاء فيها. وقد غدت ملامح تركيبة النسيج الوطني اللبناني تخدم طائفة الشيعة وقياداتها في حزب الله وحركة أمل سواء في الأكثرية العددية المتماسكة فوق التحكم الاداري والسياسي والعسكري في مفاصل الدولة اللبنانية، معها باتت تتطلع الى مصالح أوسع ودور أوسع وحصة أوسع دون حاجتها الى تحاصص وتقاسم وتلاعب على التحالفات. ما يعني أن موعد الاستحقاق قد دنا لاجراء تغييرات جذرية في أصول دستور الاستقلال ونصوصه وتقسيماته.

ما يكمن في نشاطات بري ليس هو الجهد والاجتهاد الشخصي على نوايا وطنية خالصة وليست هي المصلحة الوطنية الحصرية بقدر ما هو سعي يصب في سياق متغيرات أفصحت عنها وثيقة الحزب وطرحه يقوم على إغراء كامن ، بمعنى لا براءة في هذا الطرح على أبواب مرحلة حبلى بالمتغيرات العميقة .وجهود بري هنا تكمل ما أتى في ثنايا الوثيقة لتأسيس عناصر وقواعد واستحقاقات النقلة النوعية باعداد مسرح لبنان لاستيعابها، مع قابلية مكونات النسيج اللبناني للانشطارات السريعة وفيها اغراء كامن للحراك الشيعي.

والشيعة أولاً قابضة على موازين التعداد بجدية وعلى موازين قادرة على شراء التحالفات وجذب الانشطارات بجدارة ، باتت ترى أن التقسيمات والمحاصصات والتعطيل والابتزازات لم تعد تلبي طموحاتها ولم تعد تفوت فرصة في الزمن المستجد فرصة سانحة للاستحواذ على الحكم كأمر مفروغ منه.

فوسائل الاعلام اللبنانية باتت مهيأة لذلك. ما تبقى هو اعداد المسرح اللبناني لمتغيرات قوية وهي أطراف قادرة ومصرة ومصممة على ازالة مسلمات دستور الاستقلال.

الى هنا نبدي أسفنا العميق وامتعاضنا الشديد ونحن نُدفع الى التعامل مع الثقافة المذهبية وثقافة القبلية السياسية المتجذرتين في أصول هذه الأمة العربية.

تسجيل الدخول