تركيا وروسيا: دور مشترك في الشرق الأوسط
- إن التوجه التركي إلى موسكو يأتي عقب زيارة لإردوغان إلى واشنطن، ما يشير إلى أنها تشكّل رسالة إلى الإدارة الأميركية بشكل خاص حيث تشعر أنقرة أنّ دور واشنطن يتراجع في الشرق الأوسط وتتجه إدارة الرئيس الأميركي أوباما نحو الانغلاق والإنشغال بملفات محلية صرف. ولا يستبعد أن تكون أنقرة تحاول من خلال التوجه إلى موسكو حث الأطراف الأوروبية أيضا للقيام بدور إيجابي وفاعل في الشرق الأوسط لاسيما تحريك عملية السلام المتعثّرة. فأنقرة التي تنتهج مبدأ التوازن في سياستها الخارجية تدرك بأن توجهها نحو موسكو يزعج الإدارة الأميركية وأطرافا أوروبية، حيث تشعر حكومة أردوغان أن حلف الناتو يتراجع دوره ويتوقع خبراء استراتيجيون أن هذا الحلف سينفرط عقده خلال السنوات المقبلة مع بروز فكرة الجيش الأوروبي أو قوات الردع الأوروبية كقوة عسكرية جديدة تحاول دول الإتحاد الأوروبي الاستقلال بها عن هيمنة الإدارة الأميركية على حلف الناتو. ويعتبر توجه أنقرة إلى موسكو محاولة لتهيئة أرضية لتعاون عسكري فاعل مع روسيا بعد أن كانت متوجهة اتجاها أحاديا نحو الولايات المتحدة الأمريكية و الإتحاد الأوروبي، ولعلّ توقيع اتفاق التعاون بشأن الطاقة النووية بين أنقرة وموسكو ومشروع بناء مفاعل نووي في تركيا يؤكّد هذه الرؤية. لاشك أن توقيع اتفاق للتعاون العسكري وفي مجال الطاقة النووية أيضا بين تركيا وروسيا، يعكس رغبة أنقرة الواضحة في تحقيق التوازن مع كلّ من إيران وإسرائيل، ومحاولة للتخلّص من الارتباط الكلّي في المجالات العسكرية مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية و دول أوروبية أخرى. وفي الوقت الذي تسعى فيه أنقرة لحماية مصالحها الاقتصادية و تنميتها مع الجانب الروسي، فهي تعمل أيضا على تحقيق شراكة إستراتيجية من نوع آخر مع موسكو من خلال تحرّك مشترك تجاه قضايا الشرق الأوسط لاسيما عملية السلام المتعثرة ، بالإضافة إلى الشأن العراقي والملف النووي الإيراني.
وإذا كانت تركيا تحرص من خلال علاقتها مع روسيا لحماية مصالحها في منطقة القوقاز وآسيا الوسطى، فإن الطرف الروسي يسعى من جانبه من خلال علاقته مع تركيا إلى إنهاء الحرب في الشيشان بمعاونة أنقرة ذات التأثير على قادة الشيشان، بالإضافة إلى رغبة موسكو في تفعيل دورها في الساحتين العربية والإسلامية وترى تركيا شريكا مهما في هذا التوجه. ومن المهم جدا العمل على تشجيع روسيا على دور أكثر فعالية وإيجابية في الشرق الأوسط حيث أن موسكو يمكنها الإسهام في تحريك الملفات المعقدة في أفغانستان، وباكستان، والشيشان، بالإضافة إلى ملف السلام في الشرق الأوسط، ولاشك أن هناك أهمية إستراتيجية لإشراك روسيا في قضايا الشرق الأوسط تتمثّل في تحقيق التوازن بين الفاعلين الدوليين في المنطقة.
* مدير المعهد التركي العربي للدراسات بأنقرة