تحليل اميركي: 3 اسباب لحرب اهلية قد تقسم العراق وتحرم واشنطن من النصر
- مشاهدات 94
لندن -
- شكلت المعارك الضارية الاخيرة في البصرة ومدن الجنوب العراقي تحولاً سياسياً خطيراً، اذ انها قلبت وجهة القتال التقليدي ضد قوات الاحتلال الاميركي الى أقتتال شيعي ـ شيعي. واعتبر الكثير من المراقبين "صولة الفرسان" حملة شخصية لرئيس الوزراء نوري المالكي وهو من اتباع حزب "الدعوة" ضد الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وتياره ومسلحيه، وعدّت الانطلاقة غير المعلنة لحرب أهلية عراقية شاملة.
وقد كتب الباحث الاميركي انتوني أتش. كوردزيمان الذي يعمل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية تحليلاً بعنوان "حرب أهلية لن ينتصر فيها العراق" نشرته صحيفة "انترناشونال هيرالد تربيون" في عددها الصادر الخميس هنا ترجمته:
"حتى اذا كانت القوات الاميركية والعراقية قادرة على القضاء على "القاعدة" في العراق، فانه ما تزال هناك ثلاث امكانات مقلقة لأشكال جديدة من القتال يمكن لها ان تقسم العراق وتحرم الولايات المتحدة من اي نوع من "النصر". واحداها هي ان العشائر والمليشيات السنية التي كانت تتعاون مع الاميركيين يمكن ان تنقلب ضد الحكومة المركزية والولايات المتحدة. والثانية هي ان الصراع في اوساط العرب والاكراد والتركمان والمجموعات العرقية الاخرى للسيطرة على المنطقة في الشمال يمكن ان يؤدي الى اقتتال في كركوك والموصل ومناطق اخرى. ويتمثل الخطر الثالث – وهو حاليا حقيقي جدا – في ان الصراع السياسي بين الاحزاب الشيعية المسيطرة قد يتحول نزاعاً مسلحاً، ويمكن لايران ان تستغله بسهولة.
وليس واضحا ابدا ما اذا كان القتال انتهى في جنوب العراق واجزاء من بغداد بين "جيش المهدي" الخاضع لسيطرة رجل الدين الشيعي الشعبي مقتدى الصدر وبين تحالف قوات بقيادة حزب "الدعوة" التي يتزعمه رئيس الوزراء نوري كامل المالكي والمجلس الاسلامي الاعلى في العراق، وهو حزب قوي يتزعمه عبد العزيز الحكيم، حليف المالكي. وتراجع "جيش المهدي" نتيجة لوقف لاطلاق نار تم بوساطة ايرانية على ما يبدو، ولكن "جيش المهدي" ما يزال سليماً رغم حقيقة ان "الدعوة" والمجلس الاسلامي الاعلى يملكان سيطرة فعلية على الكثير من قوات الامن العراقية، وان مجموعة الحكيم لديها مليشياها الخاصة المسماة بـ "منظمة بدر".
ان الكثير من التقارير حول الصراع على السلطة في البصرة وبغداد – والتي بادرت الحكومة العراقية الى اعدادها – افترضت أن الصدر ومليشياه هم الفئة الشريرة الذين يسعون الى افساد السلام، وان القوات الحكومية هي الجهة الشرعية التي تحاول فرض النظام. وهذا تبسيط مفرط وخطير، يجب على الولايات المتحدة ان تكون اكثر حذرا بشأن اعتماده.
ولا شك في ان الكثير من العناصر في "جيش المهدي" كانوا مذنبين بالتطهير الطائفي، وان حركة الصدر معادية للولايات المتحدة وان بعضا من متطرفيها واصلوا اعمال العنف رغم وقف اطلاق النار الذي اعلنه الصدر الصيف الماضي، وان بعضا من هذه العناصر لديها صلات مع ايران. ولا يجدر بأحد ان ينظر بعدسات وردية الى حركة الصدر، وان يقلل من اهمية الاخطار التي يمثلها او ان يتجاهل الراديكاليين العنيفين في "جيش المهدي".
ولكن من المهم بالقدر نفسه عدم النظر بعدسات وردية الى المالكي وحزب "الدعوة" او "المجلس الاسلامي الاعلى". فهم لا يتمتعون بشعبية كبيرة في الكثير من المناطق الشيعية ولديهم شرعية محدودة. ان القتال الحالي، الذي صورته الحكومة بأنه حملة ملاحقة ضد الجريمة والتمرد، من الافضل رؤيته على انه احكام للسيطرة ومحاولة من جانب المالكي واقوى الاحزاب السياسية الشيعية لفرض سلطتهم في البصرة واجزاء من بغداد افلتت من قبضتهم. واضافة الى ذلك، فان رهان المالكي جر قوات اميركية الى القتال، وشمل ذلك غارات جوية على البصرة، بطرق جعلت الصدر و"جيش المهدي" اكثر عدائية وحولت ايران الى وسيط سلطة محتمل.
ان ضرب العناصر العنيفة والمارقة في "جيش المهدي" هو شيء، واشراك كل حركة الصدر في القتال شيء آخر تماما. ان وقف اطلاق النار الرسمي الذي ابقى التيار الرئيسي في "جيش المهدي" بعيدا عن الاشتباك مع القوات الاميركية والحكومية يمكن ان يلغى، والهدنة الجديدة بين فصيل الصدر وبين حزب"الدعوة" و"المجلس الاسلامي الاعلى" هي هدنة هشة في افضل الاحوال.
وكان الصراع الوشيك على السلطة واضحا جدا اثناء زيارتي للعراق الشهر الماضي. وكان المجلس هو القوة التي تقف وراء المحافظات الشيعية في الجنوب، وكان يوسع بثبات تأثيره على الشرطة العراقية. وكان يتمركز بوضوح لمواجهة التأييد الشعبي للصدر ويستعد لانتخابات المحافظات المقررة في الاول من تشرين الاول (اكتوبر).
وقد ابلغني مسؤولون عسكريون ومدنيون اميركيون بصراحة أن المحافظين ومسؤولين محليين آخرين عينتهم الحكومة المركزية في البصرة واماكن اخرى من جنوب العراق لا يتمتعون بقاعدة شعبية. واضافوا انه في حال اجراء انتخابات مفتوحة للمحافظات، فان حزبي "الدعوة" و"المجلس الاسلامي الاعلى" من المرجح ان يتراجعا لان الناخبين يرون انهما فشلا في تحقيق التنمية وايصال الخدمات الحكومية. ولم يدر نقاش حقيقي حتى الآن حول مدى سوء الادارة الحكومية اجمالا في الجنوب على مستوى المحافظات، والمقدار الضئيل من الاموال التي تصل الى المنطقة من بغداد، ومدى ضعف الخدمات الحكومية، حتى في المناطق الشيعية.
ان انعدام الكفاءة والفساد ليسا طائفيين. واظهر استطلاع اجرته محطة "ايه بي سي نيوز" هذا الشهر ان ثلثي السكان الشيعة في البصرة فقط يؤيدون الحكومة المركزية، بعد ان ثلاثة ارباعهم يؤيدونها الصيف الماضي، وان 14 في المئة فقط من جميع السكان يشعرون بأنهم يستطيعون التنقل بأمان.
ان المسؤولين الاميركيين الذين التقيتهم اختلفوا في الرأي حول حجم قاعدة الصدر في محيط البصرة، ولكن معظمهم شعروا بأن الصدر ما يزال يمتلك قاعدة تأييد واسعة في بقية الجنوب وفي بغداد وهو شيء تشير اليه المسيرات الحاشدة التي نظمت بالنيابة عنه في العاصمة الاسبوع الماضي، وعدم قدرة القوات الحكومية على تحقيق انتصار حقيقي على جيش المهدي. ان الكثير من العراقيين الذين تحدثت معهم قلقون بشأن الكيفية التي ستتم من خلالها الانتخابات في تشرين الاول (اكتوبر) المقبل.
المشكلة الاولى هي عدم وجود احزاب سياسية اصيلة تعمل مع قادة محليين. والثانية هي الاطار الذي ما زال غير محدد. واذا اتبعت الانتخابات نموذج تلك التي اجريت في العام 2005، فسيصوت العراقيون لقوائم طويلة لمرشحين عن الاحزاب الرئيسية (وسيواجهون اسماء كثيرة غير مألوفة) ولن يكون هناك سماح بانتخاب مباشر لاعضاء في البرلمان يمثلون منطقة معينة او قضاء بعينه.
ويأمل المتفائلون بان يبرز القادة والاحزاب قبل الانتخابات غير ان الواقعيين يتوقعون حالة فوضى لا يعرف مداها.
وثمة خلافات في الرأي ايضاً بشأن وقف النار الذي اعلنه الصدر. وكان العراقيون يتساءلون قبل شن المالكي هجومه ما اذا كان (الصدر) ينتظر نتائج الجهد الاميركي - العراقي لهزم "القاعدة" قبل السماح لجيشه بان ينشط مرة اخرى.
ويسأل العراقيون الآن ما اذا كان وقف النار الجديد بين قوات الصدر وقوات المالكي والحكيم سيدوم وما اذا كانت ستجرى انتخابات او سيحصل المزيد من القتال ولماذا يبدو ان ايران هي الشريك التفاوضي الرئيسي ولم يبق اي من الجانبين الولايات المتحدة على اطلاع.
وعلى اي حال يبدو ان البصرة قد اصبحت حالة خاصة. فقد اصبحت منذ الغزو الذي قاده الاميركيون تحت حماية البريطانيين الذين اختاروا استراتيجية اهمال ليس عادياً. ومن هنا فان الصراع على السلطة في المدينة، وهي ميناء العراق الرئيسي، يختلف اختلافاً حاداً عنه في المناطق الاخرى ذات الغالبية الشيعية.
وقد قسمت البصرة بصورة اساسية بين مافيات الاحزاب الشيعية وكان لكل منها شكل خاص به من اشكال تحصيل الاتاوات والفساد. وهي تتقاتل في ما بينها احياناً وثمة اسباب تبرر تسميتها عصابات اجرامية ولكنها ارست نظاماً فجاً للتعايش معاً.
وتشعر البصرة ايضاً بنفوذ ايران اكثر بكثير مما تشعر به المحافظات العراقية الاخرى. وتعمل الميليشيا الدينية الايرانية شبه العسكرية
كمصدر امداد بالسلاح والمال بالتساوي لجميع الميليشيات الشيعية ، ضامنةً عملياً انها ستدعم الرابح اياً كان.
وكانت هناك اسباب وجيهة لدى الحكومة المركزية لتحاول اعادة توكيد سيطرتها على البصرة. اذ ان المدينة ليست في سلام. وهي مفتاح صادرات النفط العراقية. وحكم العصابات ليس بديلاً للحكومة الشرعية.
ولكن بالنظر الى التوقيت والتكتيك، ليس من الواضح هل كان غرض هجوم المالكي هو خدمة مصلحة الامة ام مصالح المجلس الاسلامي الاعلى وحزب الدعوة. وليس من الواضح ايضا ما اذا كانت النتيجة النهائية ستقوي اي طرف باستثناء ايران.
كيف سيؤثر هذا الاقتتال بين الشيعة على اميركا؟ اذا اثار الاقتتال صراعاً واسع النطاق وعنيفاً بين الفئات الشيعية، فان معظم المكاسب الامنية التي تحققت العام الماضي يمكن ان تذهب سدى.
وقد هدد القتال الذي حصل الاسبوع الماضي الاستقرار والامن في المناطق الشيعية. كما انه جعل المصالحة السياسية اكثر صعوبةً وقد يكون تحذيراً بان المجلس الاعلى للثورة الاسلامية وحزب الدعوة لن يسمحا بانتخابات منصفة واقامة حكومات شرعية محلية وعلى مستوى الالقاليم.
وان دل هذا الى شيء فانه يمكن ان يدل الى انهما وايران حريصون على اقامة عراق شيعي اكثر بكثير من الحرص على اقامة حكم ديمقراطي.






