الآثار العثمانية جهد تعميري على مدى ستة قرون
من الدكتور عبد الجليل التميمي* - يحتل التراث الأثري في العديد من المدن التي كانت تابعة للدولة العثمانية، النسبة الأهم مقارنة بالآثار التي تعود إلى فترات تاريخية سابقة. ولا شك أن ذلك يعكس بوضوح أهمية المجهود التعميري الذي بذله العثمانيون على امتداد ستة قرون، متفاعلين مع التقاليد المعمارية والحضرية لمختلف الشعوب التي عثمنوها. غير أن هذه الآثار مافتئت تتعرض لشتى أنواع الإهمال لأسباب أيديولوجية أو قومية أو حتى شوفينية، من خلال تحويلها إلى مقاه أو فنادق أو فضاءات ترفيهية هابطة أو التخريب المتعمد لمئات المساجد والقلاع والجسور التاريخية والدور ذات المسحة المعمارية العثمانية. ولا أدل على ذلك من الحرب التي جرت في البوسنة والهرسك في تسعينات القرن الماضي، عندما قضي تماما على المئات من دور العبادة الإسلامية والجسور التاريخية ومختلف المعالم الاثرية. بل أن هذه الظاهرة عرفتها حتى البلدان التي لم تشهد مثل تلك الحروب بما في ذلك البلاد العربية. أما في تركيا فظل الاهتمام بهذا التراث المعماري ضعيفا ولم يغط إلا نسبة ضئيلة جدّا مما استوجب الاهتمام به وترميمه.
وفي هذا الإطار التاريخي، كان إطلاقنا سلسلة من المؤتمرات حول مدونة الآثار العثمانية في العالم عام 1996، وحرصنا على استمرار انتظامها منذئذ، إيمانا منا بمكانة وأهمية البحث الأثري في عالم اليوم، اذ تعتبر الآثار جزءا من تراثنا الوطني والتراث الإنساني عموما. وعلى ضوء ذلك حققت مؤتمراتنا الدولية الثمانية التي انعقدت حتى اليوم، عدة أهداف أساسية، وحصل من خلالها تراكم نوعي من البحوث والنتائج والأفكار. ولعل من أهم ذلك تأكيد العلاقة بين وثائق الأرشيف والمعالم الأثرية، والتفاعل المعماري بين المحلي والوافد، ودور المهندسين المعماريين في تشكيل الفضاء الحضري، وغير ذلك من التوجهات الكبرى.
ولعل أهم ما ساهمت فيه مؤتمراتنا أيضا هو هذا الانفتاح الثقافي والتفاعل الإيجابي بين مجتمعات الأثريين في الفضاءات البلقانية والتركية والعربية على السواء، بالإضافة إلى الأثريين الدوليين المهتمين بالآثار العثمانية في البلقان بصفة خاصة.
والحقيقة أن الاعتبارات الوطنية والقومية وحتى العرقية والثقافية، جعلت هؤلاء المختصين في الماضي القريب يتحركون دون التواصل مع بعضهم البعض. ولا بد لنا هنا أن ننوه ببعض المؤسسات العربية مثل دار الآثار الإسلامية بالكويت تحت إشراف الشيخة حصة الصباح وكذلك بعض المؤسسات التركية التي أبدت اهتماما بهذا الإرث المعماري الخالد. وحاولت مؤسستنا من خلال هذه السلسلة من المؤتمرات، كسر هذا الانعزال البحثي والتأسيس لعلاقة جديدة من التعاون العلمي والتبادل المعرفي، ذلك أننا نعتقد أن التراث الأثري العثماني يمكن أن يوظف للتقريب بين الشعوب والثقافات ودعم أواصر التعاون والتحاور، خدمة للتفاهم والتعايش والسلم الإقليمي والعالمي، إذ ليس لنا من خيار آخر إلا التبشير بتلك القيم والعمل من أجلها، وهي دعوة مفتوحة للأثريين العرب وغيرهم لتكثيف نشاطهم وبحوثهم في مثل هذه الموضوعات الهامة.
* رئيس مؤسسة التميمي للبحث في تونس