الأسرى الفلسطينيون..نحو تحديث بنود القانون الدولي الإنساني

212

يختلط على كثير من الناس، وبخاصة السياسيين والإعلاميين وحتى الحقوقيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان، التوصيف القانوني للفلسطينيين المحرومين من حريتهم في السجون الإسرائيلية.

وثمة توصيفان أساسيان لهم، الأول يعتبرهم معتقلين وبذلك تنطبق عليهم إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، أما الثاني فيعتبرهم أسرى حرب وتنطبق عليهم الحماية المقررة لهم في إتفاقية جنيف الثالثة. وهناك من يقسمهم إلى قسمين،أسرى حرب ويشمل هذا التوصيف الأشخاص الذين يتم اعتقالاتهم لمشاركتهم في العمليات العسكرية، أو في مقاومة الإحتلال، أو لإنتمائهم إلى أحدى الفصائل الفلسطينية التي تحظرها إسرائيل، ومعتقلين كالذين يتم اعتقالهم لأسباب جنائية، مثل السرقة والقتل والإحتيال ...الخ.

إن جميع المصطلحات الواردة أعلاه مصطلحات قانونية وليست سياسية أو لأغراض الدعاية والإعلام. فحقوق أسير الحرب تختلف في عدة أمور عن حقوق المعتقل في السجون الإسرائيلية. ومن أهم تلك الإختلافات، والتي تهمنا في الوضع الفلسطيني، أن أسير الحرب لا يخضع للمحاكمة لإشتراكه في العمليات العسكرية المباشرة أو غير المباشرة ضد الخصم، وطالما لم يثبت عليه إرتكابه لجريمة حرب، وإذا ثبت ذلك يتم تجريده من الحماية المقررة لأسير الحرب وتتم محاكمته حسب شروط ومعايير المحاكمة العادلة. بالإضافة إلى ذلك على أطراف النزاع حماية حياة أسير الحرب، وكرامته الإنسانية، طالما بقي في عهدتها، وعليها أن تطلق سراحه فور انتهاء العمليات الحربية، وإذا رفض أحد الأطراف بعد انتهاء العمليات العسكرية تسليم أسرى الحرب للطرف الأخر فإنه يرتكب جريمة حرب حسبما أقر البروتوكول الإضافي الأول لإتفاقيات جنيف لعام 1977، و ميثاق المحكمة الجنائية الدولية.

وأقرت المادة الرابعة من إتفاقية جنيف الثالثة الفئات المشمولة بالحماية المقررة لأسرى الحرب، وهي افراد القوات المسلحة التابعين لأحد اطراف النزاع، وافراد المليشيات والوحدات المتطوعة بما فيهم افراد حركات المقاومة المنظمة التابعة لأحد أطراف النزاع، شريطة أن: يقودها شخص مسؤول عن مرؤوسيه، ويحمل السلاح بشكل ظاهر، وأن يحترم قوانين الحرب، وأن يضع علامة مميزة تعرف عن بعد. وعليه لا يعتبر أي شخص غير مدرج في قائمة المادة الرابعة أسير حرب.

أما المعتقل فهو حسب إتفاقية جنيف الرابعة لعام1949، مدني يشارك بشكل مباشر، أو غير مباشر، في العمليات العسكرية ضد دولة الإحتلال، أو يهدد أمنها وأمن جنودها ومنشآتها، وحسب الإتفاقية يجوز لدولة الإحتلال محاكمته، لكن عليها أن توفر له الحماية والضمانات التي أقرت بها الإتفاقية نفسها.

إن الاحتلال الحربي هو إستمرار لحالة العدوان، وبالتالي من حق الشعب الخاضع للإحتلال مقاومة المحتل، وهذا ما اكدت عليه الشرائع الدولية. لكن الأسئلة التي تطرح نفسها هنا، كيف يكون لنا الحق في مقاومة الإحتلال وفي نفس الوقت يجوز لدولة الإحتلال إعتقال أي شخص يهدد أمنها، وأمن جنودها؟ إذا كان الحق في المقاومة مشروعا في القانون الدولي، فكيف ولماذا أجازت إتفاقية جنيف الرابعة لدولة الإحتلال إعتقال من يشكل خطراً على أمنها؟

ألا يعد هذا تناقضا في القانون الدولي؟ هل من الممكن أن يكون القانون الدولي أداة حقيقية في رفع المعاناة عن الفلسطينيين المحرومين من حريتهم في السجون الإسرائيلية، وإطلاق سراحهم ؟ أليس مفتاح السجن بيد السجان الإسرائيلي وليس بيد القانون الدولي، وأن رفع المعاناة وتحرير الأسرى كان دائما يتحقق بالجهد العسكري ومبادلة الأسرى الفلسطينيين بالاسرىالإسرائيليين، لا بالطرق القانونية والدبلوماسية؟ ألا تثبت عمليات تبادل الأسرى هذا الإفتراض؟

في إعتقادي أن القانون الدولي يمكن أن يكون أداة جيده لرفع المعاناة عن الفلسطينيين المحرومين من حريتهم في السجون الإسرائيلية، شريطة أن يتم تطوير هذا القانون بما يتناسب والإحتياجات الحالية. كما أعتقد أن المشكلة تكمن في قدم بعض الإتفاقيات الدولية التي مرّ عليها عدة عقود، ولم يتم تحديثها، أو تطويرها، للإستجابه للظروف الحديثة، أو لظرف معين، كذلك في الإلتزام بتطبيق وتنفيذ أحكام القانون الدولي.

فعندما وضعت إتفاقيات جنيف في العام 1949، لإستخلاص العبر من المعاناة التي سببتها الحرب العالمية الثانية ، أخذت بعين الإعتبار الظروف التي مر بها العالم في تلك الفترة. فمثلاً وضعت إتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 للتعامل مع إحتلال قصير الأمد، كالاحتلال الألماني لفرنسا، ولم توضع للتعامل مع إحتلال طويل الأمد، كالإحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية المحتلة، المستمر منذ العام 1967، والذي تجاوز مرحلة الاحتلال إلى الاستعمار.

إن التوجه الفلسطيني اليوم هو إعتبار الفلسطينيين المحرومين من حريتهم في السجون الإسرائيلية أسرى حرب وليسوا معتقلين جنائيين كما تصفهم إسرائيل، وأن على السلطات الإسرائيلية إطلاق سراحهم لسبب بسيط وهو أن مقاومة الإحتلال ليست جريمة. لكن في المقابل هناك الكثير من التحديات التي تواجه هذا الموقف الفلسطيني ومن أبرزها كما ذكرت سابقا التناقض في القانون الدولي وقدم بعض أحكامه، وموقف الدول والمنظمات الدولية منه، ومنها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن الفلسطينيين المحرومين من حريتهم في السجون الإسرائيلية هم معتقلون وليسوا أسرى حرب. فكيف لنا أن نستخدم القوانين الدولية لتحقيق التوجه الفلسطيني؟

أعتقد أن هذا الموضوع بحاجة إلى جهد قانوني ودبلوماسي من الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية والعربية والدولية، ومن كافة المناصرين لقضايا التحرر الوطني، للعمل بجد، على تطوير المادة الرابعة من إتفاقية جنيف الثالثة لتشمل فئة المدنيين المقاومين للإحتلال كأسرى حرب.

كما ويجب العمل بجد وبمهنية، والتفكير جيداً في إمكانية إستصدار قرار من محكمة العدل الدولية لنصرة قضية الأسرى الفلسطينيين والعمل على وقف معاناتهم وإطلاق سراحهم. لكن هذا الهدف يبقى حلماً ما لم يتم العمل على تطوير القانون الدولي الإنساني لملاءمة القضايا الحديثة ومنها الإحتلال طويل الأمد،

وهنا أدعو اللجنة الدولية للصليب الأحمر للعمل على هذا الموضوع كونها إحدى الجهات الدولية المهمة التي تعمل على تطوير القانون الدولي الإنساني ونشره، كما أدعو المؤتمر الخاص بالأسرى المنعقد اليوم لتبني هذا الإقتراح والعمل مع الجهات الدولية لتنفيذه.

212
0

التعليقات على: الأسرى الفلسطينيون..نحو تحديث بنود القانون الدولي الإنساني