02-04-2008
حوار خاص – بـ “القدس الثقافي”-الشاعر الدكتور المتوكل طه، تجربة إبداعية لها حضورها الواضح والمؤثر في الساحة الثقافية والأدبية ال
- مشاهدات 237
حوار خاص – بـ “القدس الثقافي”-الشاعر الدكتور المتوكل طه، تجربة إبداعية لها حضورها الواضح والمؤثر في الساحة الثقافية والأدبية الفلسطينية والعربية. ويتصف بغزارة الإنتاج سواء الشعري أو البحثي، وهو مازال يتناول بل يتبنى قضايا وطنية أحجم الكثيرون عن طرقها، فهو ما زال ملتصقاً بالأسرى حاملاً لواء قضيتهم كما حملوا هم لواء القضية الكبرى، في وقت تناسى فيه من تناسى هؤلاء القابضين على الجمر وفي وقت نادى فيه هؤلاء المتناسين بانتهاء “أدب المعتقلات”.
“ے الثقافي” التقت الشاعر المتوكل طه في حوار مطول ننشره على حلقتين، بدأ فيه الشاعر فاتحاً النار على المؤسسة الثقافية الرسمية، متحدثاً بحرقة المكلوم على ما آل إليه وضعنا الثقافي من حال لا تسر. إلا أن طه يؤمن بقوله تعالى “ {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْض} صدق الله العظيم.
نص الجزء الأول من الحوار:
* بداية لحوارنا هذا، دعنا من خلالك نطل على المشهد الثقافي والأدبي كيف تراه؟
- الوضع الثقافي الفلسطيني يشبه الحالة الفلسطينية العامة إلى حد التطابق، واعتقد أن إعلامنا يشبهنا كما أن وضعنا الثقافي يشبهنا كما أن وضعنا السياسي والاجتماعي يشبهنا، ذلك لأن الثقافة وجه بين وظاهر من وجوه هذا الجسد الفلسطيني، غير أن الثقافة تعبر عن جذر غير مرئي بالضرورة وتعبر عن لهفة للحراك نحو تحقيق اختراق معين للمستقبل أو نحو تجاوز القائم باتجاه فضاءات أكثر حرية وأكثر معقولية وإنسانية وأكثر قبولا للإنسان. الثقافة الفلسطينية تعتبر اللاعب الأكبر في العقود الماضية التي عملت على تأصيل الهوية الوطنية والشخصية الفلسطينية وعلى جذر الثقافة نهضت كل الثورات وكل الانتفاضات العبقرية غير أن الثقافة تتعرض مؤخرا كما يتعرض الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية إلى عدد من الغوائل تسعى إلى رد الثقافة على أعقابها. وثمة مجالدة بين هذه الغوائل وبين الثقافة. الجارح في الأمر هو أن المؤسسة الثقافية الرسمية لم تنتصر للثقافة في مواجهة الغوائل لكنها تركتها وحيدة تجابه أكثر من خصم على غير صعيد، ما يستوجب أن يستنفر المثقفون وتستنفر المربعات الأولى دفاعا عن هذه الأرض الراسخة التي نقف عيها والتي أسميها الثقافة.
* ما دمت تحدثت عن هذه الغوائل التي تستهدف الثقافة، سؤالي هنا باتجاه الانقسام الداخلي، هل اثر هذا الانقسام على النتاج الأدبي والثقافي وعلى طبيعة هذا النتاج، بمعنى أن قصيدة الشاعر الكبير محمود درويش “أنت الآن غيرك”، اعتبرها البعض انحرافة في شعر درويش وأن الشاعر الكبير ما كان له أن يخوض هذا المعترك الوعر؟
- أولا، ثمة إشارتان، الأولى أن “أنت الآن” التي كتبها محمود درويش هي ليست قصيدة بل هي أقرب إلى الشذرات الفكرية أو المقولات المتأملة والنصوص المكثفة وهي ليست قصائد. الإشارة الثانية، أن ما حدث من انقسام داخلي أشار إلى: أن ثقافتنا الوطنية لم تعد بذلك التماسك والقوة ولم يعد لها ذلك الحضور والنفاذ والتأثير لتحول دون هذه الفاجعة بمعنى أن وقوع الانقسام يعني هشاشة الثقافة. الأمر الثاني ما حدث من انقسام يشير إلى أن المجتمع الفلسطيني لا توجد فيه نخب ثقافية أو اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو فكرية لتشكل كوابح أمام هذا الانهيار الذي وقع، الأمر الثالث أن الانقسام الداخلي أشار بشكل حاسم إلى أن ثمة هزيمة يعيشها الشعب الفلسطيني وهي هزيمة خارج روحه وبعيدا عن وجدانه ولكنها هزيمة لأن الفلسطينيين تجاوزوا في هذه المعضلة أو الكارثة كل الخطوط الحمراء ولم يعد هناك ما هو مقدس في الحياة الفلسطينية، فلا الدم مقدس ولا الأخوة مقدسة ولا الوحدة وبالتالي إذن هناك هزيمة. وللهزيمة تجلياتها وإحدى هذه التجليات، تكمن في أن المجتمع يرتد إلى ذاته يمزقها، أيضا أن المجتمع أو بعضه يذهب إلى رموزه فيحطمها، كذلك من تجليات الهزيمة ولادة لغة نهائية، كافر أو مؤمن خائن أو منقلب مقاوم أو مفاوض، هذه لغة الهزيمة لغة الزجاج المشروخ الذي لا يحتمل إلا حداً واحداً ومعنى واحداً. ذلك كله يشير إلى أن الانقسام حالة يجب أن يتوقف المثقف أمامها. الشعر هنا ينبغي أن ينتصر إلى الفكرة والى القيمة والى المعنى وعليه أن لا يسقط بشكل ساذج أو مشبوه في الدفاع عن أحد الأطراف بل عليه أن ينحاز إلى الفكرة وهي الوحدة وقداسة الدم وتحريم الاقتتال هذا ما ينبغي أن ينحاز إليه الشعر دون تردد وبشكل حاسم ونهائي إذ لا يجوز للشعر أن يشتم إلا الفعلة النكراء ولا يحق له أن يصطف إلا لجانب المعنى الذي يوحد الناس ويعيد المهابة والهالة للدم وللحرمات وللقيم الكبرى. أما أن القصيدة تحولت فلا اعتقد أن ذلك الذي صدر أو اصطف هنا أو هنا هو شعر هناك فارق في المنتج عندما نريد أن نصنفه نقول هل هو إعلام أم دعاية، الإعلام يقوم على الحقيقة وعلى القيمة وعلى الملموس.أما الدعاية فتقوم على الوهم وعلى الافتراء وعلى الكذب وعلى الخرافة، والشعر ينبغي أن يكون إعلاما جامعا وليس دعاية سخيفة.
* أنا مستغرب مسألة أنك تعطي كل هذه القوة للمثقفين، لمنع حدوث الانقسام الداخلي؟
- أنا أعطي القوة للثقافة وليس للمثقفين. المثقف هو الذي ينفعل بالثقافة ويشتغل بها، فيكون متلقيا أو منتجا أو وسيطا، أنا أعول على الثقافة التي عندما تكون ناصعة البياض وعميقة وجديرة بالاحترام تنتج مثقفين يشبهونها وتكون قد أنتجت من قبل مثقفين يشبهونها، أما عندما تكون الثقافة ثقافة الشتيمة وثقافة الثرثرة على السطح وثقافة النميمة والشللية الساذجة وثقافة الأولاد الذين لا يميزون الفعل من الفاعل ويصبحون كتاباً حينها تكون انتجتهم ثقافة تشبههم وينتجون هم ثقافة تشبههم، بالتالي أنا أعول على الثقافة الحقيقية التي أنتجت الثورات والانتفاضات الفلسطينية التي حافظت على الذات الفلسطينية وعلى الملامح تلك الثقافة التي يريدونها وحدها دون نصير كالسبع في غابة محروقة يسهل صيده.
* هل ترى أن هذه الثقافة التي أسميتها بالمسخ قد رسخت أقدامها في ساحتنا الثقافية، أقصد ثقافة النفاق والمجاملات والتلميع؟
- ثمة دائماً هوامش سوداء وأرصفة غير وظيفية لدرب الثقافة الواسع، هناك زبد يطفو على سطح النهر الجاري المندفع الحلو العذب الصاخب، ولكن عندما يتحول الدرب إلى رصيف هنا تقع الكارثة ويتقدم إلينا السؤال الكبير. وعندما يتحول ماء النهر إلى زبد عليك الوقوف وإعادة النظر والتمعن أعمق فيما يجري. ألان ازدادت نسبة الزبد في الماء واحتل الزبد طبقات عليا، ولكن ثمة ماء صاف نقي غير مرئي يغطيه الزبد ولكنه موجود. في آبارنا الجوفية ما زال الكثير من الماء الصافي لكن الذي يجري في أنهارنا ألان أن أكواباً من الزبد ترتفع.
* هل ما زلنا منتجين للأدب والأدباء والمثقفين أم أننا أصبحنا شعباً عاقرا؟
- لا يوجد شعب في الأرض عاقر حتى لدى البرابرة.
* ولو نسبيا؟
- طبعاً كل شئ نسبي، وهنا تنتهي النسبية، لا أعتقد أن الشعب الفلسطيني عاقر ولكن مثله مثل أي شعب آخر يمر بمراحل يكون فيها فتيا مقتحما عفيا مندفعا متماسكا وهذا بسبب غير عامل محلي وإقليمي ودولي، وأحيانا يصاب بغير علة يستلزم الشفاء منها أدوية وعلاجات ومنشطات. نعم نحن ألان نمر في مرحلة مرض لكن الروح معافى والوجدان ما زال معافاه ولم يتلوث ولكن الجسد مصاب بأنفلونزا شديدة وربما إغماءة ولكنه لم يفقد روحه وقلبه لم يتوقف.
* هناك جدلية قائمة وربما هي أزلية، وأعني هنا جدلية المثقف والسلطة، المتوكل شاعر ويشغل موقع رسمي حكومي رفيع، ألا يؤثر ذلك على توجهات الشاعر المثقف وعلى آرائه إزاء مختلف القضايا؟ وأيضا يقودني هذا إلى مسألة اعتماد المؤسسات الثقافية في التمويل على السلطة وأقصد هنا أية سلطة، وتأثير ذلك على توجهات المؤسسة؟
- أطمئنك وأطمئن القراء بأن السلطة لا تدفع قرشاً واحداً لأية مؤسسة ثقافية وأنا مسؤول عما أقول. لقد تسلمت رئاسة اتحاد الكتاب لثلاث سنوات واراهن إذا كانت السلطة دفعت أية مبالغ للاتحاد. بالتالي جدلية الاستلاب والشروط من قبل الممول انتفت، وإذا دفعت الحكومة للكتاب والمثقفين فهذا حق لهم وليس منة منها لأن هذا حق للمثقف من الموازنة الوطنية القومية. الأمر الآخر أنا لست موظفاً لدى السلطة بل شريك، عندما تعينت كوكيل وزارة قبل أربعة عشر عاماً تعينت باعتباري كشريك لإقامة سلطة وطنية بصرف النظر أين وصلت هذه السلطة وبصرف النظر عن الاشتراطات المذهلة والثقيلة التي تمارس على هذه السلطة .
* أنت مؤسس لبيت الشعر، ألا يحصل بيت الشعر على تمويل من السلطة، وبيت الشعر هنا يرد على سبيل المثال لا الحصر؟
- ظل بيت الشعر يحصل على موازنة من السلطة الوطنية من المرحوم الرئيس ياسر عرفات حتى استشهد وبعد ذلك قطعت الموازنة عن بيت الشعر وعدت أنا لوزارة الإعلام، وتوقفت مجلة الشعراء وتوقفت مجلة الكرمل التي كان يصدرها شاعرنا العظيم محمود درويش ولم يعد في فلسطين مجلات ثقافية ولم يعد هناك حراك ثقافي.






