أسواق الخليل القديمة رحلة حنين إلى الأيام الخوالي
- مشاهدات 187
الخليل -
من جهاد القواسمي - رغم ما أصابها من بؤس بسبب ممارسات الاحتلال ومستوطنيه المصرون على تفريغها من سكانها الأصليين وتهويدها، إلا أن بلدة الخليل القديمة وأسواقها وأزقتها تجيد مغازلة زوارها، وتجعلهم يعودون إليها حاملين الذكريات والحنين إلى أيامها الخوالي .
قدره على الجذب
فأحياؤها العتيقة وأسواقها القديمة المبنية على طريقة العقد وكذلك شوارعها الضيقة الذي يتسلل النور عبر فتحات تتخللها، و التي اكتست بعضها بحلة جديدة بعد مشاريع الترميم والتأهيل التي قامت بها لجنة اعمار الخليل، كأن يد فنان كشط عنها قشرة الإهمال لتستعيد بهاءها وقدرتها على جذب المواطنين والأجانب وتظهر مدى عراقتها وأصالتها.
فالقادم للبلدة القديمة من جهة الغرب إلى الشرق يبدأ في سوق القصبة والذي يمثل السوق الرئيسي في البلدة القديمة وعصبها ، ويبدأ عند ساحة عين العسكر- أو ساحة باب البلدية القديمة، حيث كانت تقوم هناك بلدية الخليل في الخمسينات والستينات وبداية شارع الشلالة القديم والجديد وشارع الزاهد وشارع طلعة الكراج، وينتهي السوق بقنطرة "خزق الفار" التي تؤدي إلى سوق الجملة المركزي ، ويتفرع عنه أسواق وأزقة عديدة ثم سوق اللحامين وسوق الحصرية الذي يليه إلى الشرق منه، ويعتبران امتدادا لسوق القصبة باتجاه الحرم الإبراهيمي الشريف، ويبدأ سوق اللحامين من قنطرة "خزق الفار" ، أما سوق الحصرية فقد اشتهر بالحوانيت التي كانت تبيع الحصر، المصنوعة من القش أو النخيل أو غيرهما، والبسط والمزاود وكلاهما كان يصنع في بيوت القرى المختلفة من شعر الحيوانات ليفرش على الأرضيات فوق الحصر شتاء،ويلي سوق الحصرية سوق الزياتين باتجاه الحرم الإبراهيمي الشريف مارا بمدخل قنطرة حمام الخليل حتى نهاية مبنى مسجد ابن عثمان، وكانت تباع فيه أنواع الزيوت المستخرجة من الزيتون (حيث كان الصابون يصنع منه ومن القلي الذي يأتي البدو به) ومن السمسم (السيرج) وغيرهما. وكان يوجد في المنطقة العديد من المعاصر لاستخراج زيت السيرج من السمسم، ثم سوق الغزل المقابل لباب مسجد ابن عثمان ويشكل بداية المدخل من السوق الرئيسي إلى حارة العقابة، وكان يتم فيه غزل عدول الشعر وبيوت الشعر والأخرجه حيث تصنع من شعر الماعز ، وكذلك غزل البسط والمزاود، ويليه سوق الخواجات الذي يمتد في المسافة القصيرة الواقعة ما بين مفترق المدخل إلى جامع ابن عثمان وسوق الغزل وحارة العقابة وبين مفترق "مربعة السوق"، والكلمة "خواجة" تطلق على التاجر، حيث كان التجار يشغلون الحوانيت على جانبي ذلك السوق، ثم سوق اللبن ويطلق على الشارع المستقيم الذي يبدأ من مفترق "مربعة السوق" ويتجه جنوبا حتى أول منحنى في الشارع. وكان اللبن وكافة منتجاته (الحليب، الكشك أو اللبن الجميد، الأجبان، الزبدة، اللبنة، واللبن الرائب) تباع في حوانيت هذا السوق المتخصص بذلك دون غيره ، ويطلق اسم "حارة الحوشية" على المنطقة المحيطة بهذا السوق، ثم سوق الإسكافية ويلفظ سوق اسكافية، على سوقان هما قديم (غربي) وجديد نسبيا في بنائه (شرقي)، وكانت تصنع في كليهما وتباع كافة المنتجات المصنوعة من إطارات السيارات (الكاوتشوك) مثل: الأحذية، دلاء المياه لإخراجها من الآبار ، أو نقلها على الدواب لبيعها ، المقاطف ( القفه) ، الأحزمة وغير ذلك ، وكذلك تصليح الأحذية، ثم سوق العطارين ويمتد من مفترق "مربعة السوق" وحتى زاوية الأشراف ويدعى شارع جمال الدين الأفغاني، وكانت الحوانيت على جانبيه تبيع كافة المواد المسماة بالعطارة وتضم التوابل بأنواعها والبذور والأعشاب والأصباغ والأدوية وكافة ما يمكن أن يستعمل في علاجات الأمراض والأورام المختلفة، وكذلك زيوت النباتات والأعشاب وغير ذلك. وكان (العطار) بمثابة الصيدلي حاليا من حيث وصف وتركيب الأدوية وبيعها للعلاج، ثم سوق البازار (البيزار) وقد هدم أثناء عملية هدم المباني القديمة وتوسيع الساحات حول الحرم الإبراهيمي في العهد الأردني، وكان يمتد من زاوية الأشراف وحتى نهاية الواجهة الغربية الجنوبية من الحرم، وكانت ترد إليه الحبوب (القمح، الشعير، الذرة، وغيرها) بكميات كبيرة حيث تنقل على الجمال من مناطق الريف والبادية في جنوب فلسطين، ثم تباع إلى المواطنين، وكانت وحدات الكيل بأوعية من الخشب ثم الحديد، هذه الاسواق التاريخية القديمة ترتبط عمرها بعمر المدينة، حيث كانت هذا الاسواق ملتقى تجار وسكان المحافظة ، فكان يلتقي سكان القرى المجاورة والأعراب من البدو بالإضافة إلى السكان المقيمين الذين يحضرون إلى هذه الأسواق، فيشترون ويبيعون ، و كانت الحياة تبدأ من بين تلك الأزقة في البلدة القديمة ، حيث الحوانيت المتراصة بعضها بجوار بعض ، تبيع كل شيء ، فالدكان الواحد يبيع بقوليات وملابس وأحذية وتوابل وحلويات.
حياة قتلها الاحتلال
و قبل احتلال المدينة من قبل الإسرائيليين كانت هذه الأسواق تعج بالتجار والبائعين والمشترين ، ولا يوجد في شوارعها الضيقة وأزقتها موطئ قدم من كثرة الذي عمروا هذه الأسواق ، فكانت حياة المحافظة تبدأ من قلب البلدة القديمة وأسواقها ، تبدأ من مطلع الشمس وتنتهي بغروبها ، إنها حياة قتلها الاحتلال وجعل المستوطنين منها نسيا منسي .
و تمر الآن في هذه الأسواق فتبكي على الإطلال ، بيوت وحوانيت مغلقة مدمرة ، أزقة وشوارع خاوية لا تسمع فيها إلا عواء الكلاب وصراخ المستوطنين وجنود الاحتلال الذين يجوبون هذه الشوارع والأزقة مدججين بالسلاح والبنادق ، يعتدون على المارة ، ويحاولون بكل الطرق والوسائل ملاحقة التجار والسكان والتضييق عليهم لهجرها والرحيل عنها .
وفي نهاية شارع الشهداء وبالقرب من مسجد القزازين ينتهي بك المطاف إلى سوق " القفاصين " أي سوق الدجاج والحمام والإوز وكل الطيور ، والذي كان يطلق عليه زقاق " أبو ددح " كان هذا السوق وخاصة يوم الجمعة ملتقى لكل تجار الطيور وخاصة من القرى ، هؤلاء الذين كانوا يحملون أقفاصا كبيرة وصغيرة بداخلها طيور ودجاج وأرانب وبط وغير ذلك من أنواع الطيور ، يبيعونها ويشترون بأثمانها خضارا وفواكه ومواد غذائية أخرى ، حيث ينزل المواطنين من باصات القرى التي كان ينتهي بها المطاف إلى المحطة المركزية فيما كان يسمى ( بالكراج ) حيث يبعد أمتار عن سوق القفاصين .
ولكن اليوم أصبح مكان هذا السوق حركة دائمة للمستوطنين ، فقد سيطر الاحتلال على ( محطة الباصات ) وسيطر المستوطنون على مدرسة الدبويا ومدرسة أسامة وحي تل الرميدة وأصبحت المنطقة تشكل تجمعا للمستوطنين ، ولا يستطيع المواطنين العرب الدخول إلى شارع الشهداء الذي يربط شمال المدينة بجنوبها ، هذا الشارع الذي يخترق هذه الأسواق ، كما تم السيطرة على سوق الخضار المركزي وتم طرد كافة التجار منه ، وباتت الحياة في البلدة القديمة جحيما لا يطاق .
إصرار وتحدي
ويقول الحاج محمد النتشه الذي كان يجلس على كرسي صغير في سوق القزازين في قلب المدينة، أمام محله التجاري الخاوي من البضائع ويحمل على كتفه عباءة عنوانا للرجولة والوقار وعلى رأسه كوفية فلسطينية تعبر عن الانتماء والهوية ، الله يرحم أيام زمان ، هذا السوق مجمع لكل الخلان من كل البلاد ، نبيع ونشتري ونهرج ونتحدث عن الحصاد والمزروعات ، نشارك هموم بعضنا البعض ، و الآن ، لا في رايح ولا جاي ، بهذه الكلمات البسيطة وصف الحاج محمد حياة سكان البلدة القديمة سابقا وحاليا.
وفي حارة السواكنه وفي إحدى بيوتها التي تم إعادة ترميمها ، كانت عجوز في السبعين تحمل بعض أكياس الخضار في يدها وهي متعبة ، إنها أم داود التي ترفض مغادرة البلدة القديمة وتصر على البقاء في منزلها رغم إنها تستطيع السكان في مكان أكثر نقاهة وجمالا خارج البلدة القديمة ، فتعيش مرتاحة وتقضي ما تبقى لها من أيام .
فقالت لا ، لن أخرج من الحارة ، ولدت جميع أولادي فيها وربيتهم " زلام " وأنا مرتاحة في هذا البيت ، وأتمنى أن أموت فيه ، هكذا الإصرار والتحدي والصبر والصمود .
وأوضحت أم داود أن عنف المستوطنين وإجراءات الاحتلال التي تهدف ترحيلهم عن البلدة ان عمرهم ما يحلموا أنني اخرج من الحارة وأتركها لهم يسرحوا ويمرحوا ، فشروا .
إنها إرادة مبنية تنطلق من خلال عزيمة وإيمان بضرورة الحفاظ على الحق، هذا الحق الذي يحاول أن ينتزعك إياه آخرين، غرباء.
أعادت للبلدة بهاؤها
وأوضح عماد حمدان، مدير عام لجنة اعمار الخليل، أن عندما تأسست لجنة الاعمار عام 1996م، كان عدد سكان البلدة القديمة 400 مواطن من أصل عشرة آلاف مواطن في منطقة محددة تمتد ما بين باب البلدية القديمة وحتى الحرم الإبراهيمي الشريف، مشيرا انه يقطنها لان بفضل عمليات الترميم والاعمار التي قامت بها اللجنة ستة آلاف مواطن بالإضافة إلى جلب الوافدين والمصلين للحرم الإبراهيمي
وأشار كما أنها وفرت خمسمائة فرصة عمل موجودة باستمرار وعلى مدار الأيام والشهور بشكل مباشر وغير مباشر، منوها ان60% من تكاليف الترميم تذهب للمواد و 60% من هذا المواد محلية الصنع جميعها من موردين محليين.
وأكد حمدان أن عمليات الترميم والاعمار لم تضف وإنما حافظت على جمالية البلدة القديمة وأعادتها إلى ما كانت عليه، بحيث انه تم إزالة كافة الشوائب التي أثرت على النمط المعماري والنسيج الحضاري للبلدة، كما تم إزالة الإضافات التي لا تناسب المعماري الحجري في بعض أحياؤها وفي الحرم الإبراهيمي، حيث كان هناك واجهات حجرية غطت بالاسمنت علمنا إزالتها وكافة المواد التي تغطي جماليات البلدة القديمة.
وأضاف إن لجنة اعمار الخليل عززت و فوت الفرصة على الاحتلال ومستوطنيه في تحقيق هدفهم الرامي إلى تفريغ المدينة من أهلها والتشبيك بين بؤرهم الاستيطانية، من خلال ترميمها وإعادة إسكانها و توفير الخدمات المرافقة لهؤلاء السكان من مرافق عام تساعد في تثبيتهم و تساعد في محاصرة البؤرة الاستيطانية وقطع التواصل في كثير من المناطق ما بين هذه البؤر .






