العبث بالمنظومة القانونية يلقي الظلال على جدية العملية الانتخابية

الأحد... وكل يوم أحد

العبث بالمنظومة القانونية يلقي الظلال على جدية العملية الانتخابية

بقلم: المحامي زياد أبو زياد

أثار القرار بقانون رقم (7) لسنة 2021 الذي أصدره الرئيس محمود عباس بتعديل القانون رقم (1) لسنة 2000 بشأن الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية وتعديلاته ، جدلا ً واسعا في أوساط نشطاء منظمات المجتمع المدني وخاصة تلك التي ترفع لواء الديمقراطية والحكم الرشيد باعتبار أن هذا التعديل يحد من حرية عمل منظمات المجتمع المدني ويعزز الرقابة والقبضة الحكومية على رقابها رغم أن الرئيس أصدر قبل ذلك بوقت قصير مراسيم تدعو لصون وتأكيد الحريات العامة لخلق أجواء صحية للعملية الانتخابية التي يترقبها الناس بحذر ومخاوف من أنها قد تجري وسط أجواء مشحونة بالتوتر ، أو قد لا تجري بالمرة نتيجة لارتفاع منسوب التوتر الذي تبدو ملامحه في الأفق الانتخابي سواء على الصعيد الفتحاوي أو صعيد العلاقة بين فتح وحماس في ازدياد مضطرد ، الأمر الذي جعل البعض يتساءل عن سبب التسرع والاستعجال في إصدار هذا التعديل الذي كان من الممكن جدا أن لا يتم وأن يُترك للمجلس التشريعي القادم بعد شهور قليلة إن كانت هناك فعلا ً نية لإجراء انتخابات ، ورأوا في إصدار القرار المذكور مؤشرا ً الى أنه ليست هناك نية جدية لإجراء الانتخابات وأن إجرائها ليس في حكم المؤكد.

ومع أن الضجة والانتقادات التي أثيرت حول القرار بقانون المذكور كانت تتعلق بمضمونه ، إلا أنني ومن منطلق احترامي لسيادة القانون أنتقد وأعترض أولا ً على المبدأ وهو الإسراف في استخدام المادة (43) من القانون الأساس المعدل لسنة 2003 التي أعطت الرئيس في حال تعذر انعقاد المجلس التشريعي صلاحية إصدار قرارات لها صفة القانون في حالات الضرورة القصوى التي لا تحتمل التأجيل على أن تُعرض هذه القرارات على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدورها لإقرارها أو إلغائها.

ومن الواضح من منطوق المادة (43) أنها تفترض وجود مجلس تشريعي وأنه تعذر انعقاده لأسباب طارئة قاهرة وأن الرئيس قد يضطر للتعامل مع بعض الأمور المستجدة الطارئة التي لا تحتمل التأجيل فأعطته هذه الصلاحية المؤقتة الطارئة. وقد كان هذا هو قصد المشرع حين تمت صياغة هذه المادة والتي شاركت في النقاش والجدل بشأنها حين تمت مناقشة وإقرار القانون الأساس في المجلس التشريعي إذ كنت عضوا في المجلس التشريعي وفي اللجنة القانونية التي تقدمت للمجلس بمشروع القانون آنذاك.

صحيح أنه مضى على الإنقسام أكثر من أربعة عشر عاما ً وأن أشياء كثيرة تغيرت أو استجدت وأنه لايمكن تحنيط الوضع القانوني مئة بالمئة ولكن إن أريد استخدام المادة (43) لمواجهة المستجدات الضرورية الملحة فإنه يجب أن يتم ذلك في سياق احترام إرادة المشرع والمقتضى القانوني الذي أريد من تلك المادة وعدم إطلاق العنان للأمور دون تبصر أو تدبر ودون تمييز بين الضرورة القصوى والأمور الروتينية العادية. ولكن ما شهدناه منذ الإنقسام عام 2007 حتى اليوم هو تغول السلطة التنفيذية تدريجيا ً على صلاحيات المجلس التشريعي وانفتاح شهية الوزراء ومن في حكمهم على العبث بالقوانين وإدخال التغييرات عليها دون أن تكون هناك حاجة ضرورية لذلك. وقد أدى هذا التغول والعبث بالمنظومة القانونية الى الإساءة لصورة السلطة وحركة فتح باعتبارها هي المهيمن على السلطة ولصلاحيات الرئيس أمام الشعب وأمام العالم الذي يراقب أداء السلطة وبدأ يشعر بالقلق من إمكانية انتفاء سلطة حكم القانون والسير في المقابل على طريق الدكتاتورية الفردية ، وهذا ما يجعل العالم يقف اليوم مستنفرا ً لمتابعة العملية الانتخابية في فلسطين للتأكد بأنه ستكون هناك عملية ديمقراطية وعودة للشرعية الانتخابية. ويؤسفني القول بأن هناك بعض المستشارين والوزراء القريبين من الرئيس لا يقيمون وزنا ً لمبدأ " المستشار مؤتمن " ولا يعنيهم رد فعل الشارع ولا تعنيهم الإساءة للسلطة وصورتها وسمعتها بقدر ما يعنيهم نفوذهم ومصالحهم الشخصية وهؤلاء هم المسؤولون عن الكثير من العبث القانوني سواء ما تم التراجع عنه أمام الضغوط والاحتجاجات الشعبية أو ما تم تمريره وتطبيقه بما في ذلك العبث الأخير بقانون السلطة القضائية والقوانين الأخرى ذات الصلة بالشأن القضائي.

تعديل قانون الجمعيات الخيرية هو نموذج لتلك التعديلات والعبث بالمنظومة القانونية دون حاجة أو ضرورة لذلك. فالقانون لا يعدو كونه محاولة للتدخل في عمل الجمعيات والاطلاع على برامجها وخطط عملها المستقبلية لإخضاعها مسبقا ً للرقابة الحكومية من خلال وزير معين وربما ايضا ً للرقابة الأمنية ، وتقييد مصادر دخل هذه المنظمات ووضعها تحت الرقابة لما يعنيه خلق الذريعة للحد من أية أنشطة من قبل منظمات المجتمع المدني تستهدف مراقبة الأنشطة الحكومية والتأكد من السلامة القانونية للممارسات الحكومية لا سيما وأننا نعيش اليوم في عصر أصبحت فيه منظمات المجتمع المدني جنبا ً الى جنب مع الصحافة الحرة تقوم بدور السلطة الرابعة لضمان سيادة حكم القانون واستتباب الحكم الرشيد.

وإذ أقول هذا عن منظمات المجتمع المدني فإنني أدعو الى الشفافية المالية والإدارية في هذه المنظمات التي تدور شبهات حول وجود الفساد والفوضى المالية لدى البعض منها. فالفساد ليس صفة تقتصر على جهات حكومية معينة بل إن هناك شبهة فساد دامغة في بعض مؤسسات المجتمع المدني التي يجب أن تقوم بتصويب أوضاعها وضمان أن تكون بعيدة كل البعد عن أي شبهة فالذي بيته من زجاج لا يلعب بالحجارة.

إن أكثر شيء يدعو للقلق هو أن يكون التعديل الأخير لقانون الجمعيات الخيرية مؤشرا ً على احتمال عدم إجراء انتخابات في أيار القادم وأن الذين يواصلون عملية العبث التشريعي واثقين من أنه لن يكون هناك برلمان بعد أقل من ثلاثة أشهر ، أو أنهم يعرفون بأنه ستكون هناك انتخابات ولكن انتخابات صورية شكلية تُبقي القديم على قدمه.

وأسال الله أن أكون مخطئا ً في هذه النظرة التشاؤمية ، وإن غدا ً لناظره قريب.

abuzayyadz@gmail.com