إلغاء إقامتي في القدس الشرقية يعد جريمة حرب وأريد العدالة

بقلم: البروفيسور بشارة بحبح*

صدمني مؤخرًا عنوان في إحدى الصحف الإسرائيلية، جاء فيه: "يبقى المطار مغلقًا مع السماح لـ 900 مهاجر جديد بالسفر إلى إسرائيل".

أولاً، على عكس هؤلاء المهاجرين اليهود، الذين ربما لم تطأ أقدامهم إسرائيل/فلسطين أبدا، لا يُسمح لي بالذهاب إلى القدس - حيث ولدت وترعرعت - ناهيك عن منحهم الجنسية عند وصولهم.

ثانيًا، نظرًا لكوني فلسطينيا، ولست يهوديًا، فقد ألغت إسرائيل وضع إقامتي "الدائم" الذي أصدرته في القدس نتيجة بعض الأنظمة الملفقة التي وضعتها إسرائيل وتهدف من خالها لإخلاء القدس من سكانها الفلسطينيين.

غادرت القدس الشرقية لمتابعة دراستي الجامعية في الولايات المتحدة. ونظرًا لطبيعة عملي وخبرتي، كان عليّ العمل في مدن ودول مختلفة حول العالم. من بين مناصب مختلفة على مر السنين، قمت بالتدريس في جامعة هارفارد في ماساتشوستس وأصبحت الرئيس والمدير التنفيذي لإحدى شركات رونالد لودر. نقلتني وظائفي إلى جميع أنحاء الولايات المتحدة، وإلى بلدان مختلفة في أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أنا لست "ميكانيكي سيارات أو بقّالاً"، مع الاحترام الواجب لجميع المهن، يفتح متجراً ويستقر في حي واحد طوال حياتي. هذا هو بالضبط ما تتوقعه إسرائيل من الفلسطينيين في القدس الشرقية الذين يرغبون في الاحتفاظ بوضع إقامتهم "الدائمة"، مستخدمة العديد من الأعذار القانونية والقديمة، مثل أن القدس ليست "مركز حياتي"، أو أنني قضيت أكثر من 7 سنوات خارجها، أو حصولي على الإقامة في بلد آخر، أبلغتني وزارة الداخلية الإسرائيلية "شفهيًا" عام 2009 أن وضع "إقامتي الدائمة" في القدس الشرقية "انتهى". وكذلك الحال لغيري من المقدسيين المقيمين في القدس الشرقية الذين جردوا من وضع الإقامة "الدائمة"، بناءً على مفهوم غريب جديد هو "خرق الولاء". فهل تتوقع إسرائيل حقًا أن يكون الشعب الذي تحتله مخلصًا لها؟

أولا، لم اختر أن أكون "مقيما مؤقتا" في إسرائيل، بل هو وضع فرض عليّ كمقدسي عندما احتلت إسرائيل القدس الشرقية والضفة وغزة بعد حرب عام 1967.

ثانيا، كيف لشيء "دائم" أن يلغى؟ أعلم أن "دائم" لا تعني "مؤقت"، ولا تعني أنه "قابل للنقض أو الإلغاء". لكن يبدو أن هذا هو الحال عندما يكون الأمر مناسبا لإسرائيل لتقوم بتغيير تعريف الديمومة لمواصلة هدفها المتمثل في إخلاء القدس الشرقية من سكانها الفلسطينيين؟

بعد احتلال إسرائيل للقدس الشرقية أعقاب حرب 1967، انتقلت دولة الاحتلال للاستيلاء على الجزء الشرقي من المدينة. وبعد الاستيلاء والضم، أجرت إسرائيل إحصاء سكانيًا قامت بعده طواعية بمنح الإقامة "الدائمة" للفلسطينيين الذين يعيشون في القدس الشرقية ولكن فقط إذا كانوا موجودين وقت إجراء التعداد. أولئك الذين كانوا يسافرون أو يدرسون في الخارج في ذلك الوقت، فاتهم الأمر. وقد مُنحوا خيار التقدم للحصول على الإقامة بموجب بند "لم شمل الأسرة"، وهي عملية قديمة منحت الموافقة في حالات نادرة جدا.

وفقًا لوزارة الداخلية الإسرائيلية، نقلاً عن تقرير نشرته منظمة العفو الدولية في نيسان 2018، بين عامي 1967 و2016، ألغت إسرائيل وضع الإقامة لما لا يقل عن 14495 فلسطينيًا من القدس الشرقية.

القانون الدولي يحرم إسرائيل من إلغاء وضع الإقامة للفلسطينيين في القدس

• بموجب القانون الدولي، تعتبر القدس الشرقية أراضا محتلة وبالتالي فإن سكانها محميون بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب. بعبارة أخرى، لا يُسمح لسلطات الاحتلال بنقل سكان القدس الشرقية قسريًا لأنهم يعتبرون "أشخاصًا محميين" لا يمكن طردهم.

• إضافة إلى ذلك، يعتبر الاستيلاء على وضم القدس الشرقية غير قانوني بموجب القانون الدولي في ضوء عدم جواز الاستيلاء على الأراضي من خلال استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، كما هو مقنن في المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة. وبناءً على ذلك، لم يعترف المجتمع الدولي أبدًا بضم القدس الشرقية والأراضي الأخرى التي احتُلت عام 1967 وأعلن أنها "لاغية وباطلة" وفقًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2253 وقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242.

بعد إصدارت الكنيسيت الإسرائيلية القانون الأساسي لعام 1980 الذي نص على أن "القدس، كاملة وموحدة، هي عاصمة إسرائيل"، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 478 الذي أكد أن تصرفات إسرائيل تشكل انتهاكًا للقانون الدولي وأعلن أن سن القانون الإسرائيلي "لاغ وباطل".

• ثالثا، ينص نظام روما الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية - إسرائيل ليست عضوا فيه – على أن "الترحيل أو النقل ]من قبل الجهة المحتلة[ لكل أو لأجزاء من سكان المنطقة المحتلة داخل أو خارج المنطقة أو الإقليم يعد "جريمة حرب".

لست مختصا قانونيا أو محاميا، ولكن بموجب اتفاقية جنيف الرابعة وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، تعرضت أنا وعشرات الآلاف الفلسطينيين من سكان القدس الشرقية للظلم.

ووفقًا لمحكمة الجنايات الدولية، فإن تصرفات إسرائيل ضدي وضد سكان القدس الشرقية الآخرين الذين ألغيت إقاماتهم "الدائمة"، تشكل "جريمة حرب".

عام 2017، قضت المحكمة العليا الإسرائيلية بأن الفلسطينيين "سكان أصليون" وليسوا "مهاجرين".

حكمت المحكمة العليا الإسرائيلية بالإجماع في 14 آذار 2017، بأن وضع سكان القدس الشرقية فريد من نوعه بحكم كونهم "سكانا أصليين" (على حد تعبير القاضي مازوز)، على عكس المهاجرين. إضافة لذلك، فحتى لو انتهت فترة إقامتهم بعد إقامة طويلة في الخارج، فإن لهم الحق الأساسي في استعادتها.

ورأى القاضي فوغلمان أن تقارب سكان القدس الشرقية مع إسرائيل، كسكان أصليين وعلى عكس المهاجرين، عميق جدًا لدرجة أنه حتى إذا "انتهى" وضعهم الإسرائيلي بعد نقل "مركز الحياة" إلى الخارج، يجب على وزير الداخلية أن يعطي أهمية كبيرة "للمكانة الفريدة لهؤلاء السكان.. كأشخاص ولدوا في هذه المنطقة."

وبقدر ما كان قرار المحكمة العليا الإسرائيلية مشجعًا، فقد افتقر إلى قوة أمر مباشر لا لبس فيه لوزير الداخلية الإسرائيلي بإعادة تلك الإقامات "الدائمة" التي تم إلغاؤها. ونتيجة ذلك، وضعت وزارة الداخلية قائمة طويلة من المتطلبات التي يجب الوفاء بها قبل قرار وزير الداخلية ما إذا كان سيتم قبول إعادة وضع الإقامة الدائمة أم لا. وإذا تعامل أي شخص مع البيروقراطية الإسرائيلية [باستثناء أجهزتها الأمنية]، فسيعرف أنها شاقة، وكسولة، وغير متسقة، وغير كفؤة تمامًا.

إعادة الفلسطينيين الذين ألغيت إقاماتهم الدائمة يجب أن تكون سهلة مثل سحبها. نعلم جميعًا أن الأمر يتطلب مجرد ضغطة زر على جهاز الكمبيوتر. في المحصلة، فقد تصرفت إسرائيل بشكل غير قانوني منذ عام 1967 حتى قرار المحكمة العليا الإسرائيلية في آذار 2017.

الكنيست الإسرائيلية

وقانون "الولاء"

في أذار 2018، أقرت الكنيست الإسرائيلية قانونًا جديدًا أطلق عليه اسم "قانون الولاء"، يمكن الحكومة الإسرائيلية من إلغاء وضع الإقامة "الدائمة" للفلسطينيين الذين يعيشون في القدس الشرقية. "يتطلب هذا القانون من غير مواطني دولة إسرائيل أن يكونوا مخلصين لدولة ليسوا من مواطنيها"، وفقًا لجمعية سانت إيف، وهي منظمة غير ربحية مقرها القدس، توفر مساعدة قانونية مجانية لمن يحتاجها.

ينص القانون الجديد على ثلاث حالات يمكن فيها إلغاء وضع الإقامة "الدائمة" لفلسطينيي القدس الشرقية: "إذا مُنح الوضع الأصلي بحجج كاذبة، أو إذا كان المقيم يهدد الأمن العام، أو إذا خان دولة إسرائيل".

لحسن الحظ، لا تنطبق عليَّ أي من هذه الشروط ما لم تكن كتابة المقالات، مثل هذه، تشكل خطرًا على الأمن العام أو أمن إسرائيل.

بالنظر إلى أن إسرائيل ارتكبت "جريمة حرب" ضدي وضد فلسطينيين آخرين في القدس الشرقية واستناداً إلى تعريف المحكمة الجنائية الدولية، أريد من إسرائيل تصحيح أفعالها غير المشروعة وغير القانونية واستعادة وضعي في "الإقامة الدائمة" في القدس أيضًا، وأطالب بذلك للفلسطينيين في القدس الشرقية الذين فقدوا مكانة إقامتهم منذ عام 1967.

ما أريده هو العدالة.

أريد أن أكون قادرًا أن أعيش وأدفن في القدس، فحبي للقدس لا يقاس. وسأقاتل بكل قوتي - قانونيًا وبقوة قلمي - لاستعادة حقي غير القابل للتصرف في العيش في مدينة مسقط رأسي، حبيبتي القدس.

* عمل البروفسور بشارة بحبح كمحاضر في جامعة هارفرد حيث كان المدير المساعد لمؤسسة الشرق الأوسط فيها. وعمل سابقا كرئيس تحرير الصحيفة المقدسية "الفجر"، وكان من ضمن الوفد الفلسطيني المتخصص بقضايا كبح السلاح والأمن الإقليمي.