أميركا المنقسمة ورسالة «الديمقراطيين»

بقلم:جيمس زغبي

في عام 1967 خلصت «لجنة كرنر»، التي شكّلها الرئيس ليندون جونسون للتحقيق في أعمال الشغب التي عصفت بعدد من مدن أميركا، إلى أن «أمتنا تسير نحو مجتمعين؛ مجتمع أسود ومجتمع أبيض، منفصلين وغير متساويين». ومثلما تُظهر مظاهرات العام الماضي الحاشدة ضد عنف الشرطة وعدم المساواة العرقية، إضافة إلى تعبئة حركة التظلم البيضاء التي يتزعمها ترامب، فإننا قد نكون أسو حالاً اليوم. فهناك مؤشرات على أن نظام الحكم الأميركي أصبح أشبه بقبيلتين متصارعتين تتحدثان لغتين مختلفتين، وتنظران إلى الواقع عبر أعين مختلفة. وبالتالي، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: «كيف وصلنا إلى هذه الحال؟».

لقد سبق لي أن كتبتُ عن آفة العنصرية المتغلغلة في النظام والضرر الذي ما زالت تلحقه بحيوات السود في أميركا، لكن الجانب الآخر من الانقسام الذي يعتري بلدنا حظي بقدر أقل من البحث. وبالطبع لا شيء من هذا يشكّل عذراً للعناصر المسلحة القومية البيضاء التي قادت التمرد العنيف، لكن القصد هو فهم قاعدة الاستياء الكبيرة التي تستمد منها دعمها.

بينما كنت أتابع صعود حركة الشاي في عام 2009، وتجمعات ترامب اعتباراً من عام 2015، وأعمال التمرد بمبنى الكونجرس في 2021، كان واضحاً أن الكثير ممن شاركوا فيها كانوا أميركيين بيضاً من الطبقة العاملة المتوسطة، وهم يشعرون بالغضب لأنهم هُمشوا، ويحسّون بالخيانة والخذلان إزاء الحكومة. وقد أصبحوا يعتقدون أن ترامب فهم تظلماتهم وسيدافع عنهم. صحيح أن ترامب استخد العنصرية والخوف من المهاجرين طُعماً لاستمالتهم، لكن الرسالة التي كان لها صدى بينهم هي وعده بجلب الوظائف والأمل. لكن كيف استطاع نجم تلفزيون الواقع الثري أن يظهر لهم بمظهر المنقذ؟

هناك عاملان أعتقد أنهما يفسران هذا الأمر: تراجع الإيمان بالحلم الأميركي، وفقدان الثقة في المؤسسات الحكومية والزعماء السياسيين.

خلال الانهيار الاقتصادي عام 2008 -2009، وفي غضون بضعة أشهر فقط، تضاعفت البطالة، وفقدت معاشا المتقاعدين 30 إلى 40% من قيمتها، وكان واحد من كل خمسة من مُلّاك المنازل يواجه خطر فقدان منزله. فردّ البيت الأبيض والكونجرس على هذه الأزمة بأن هبّ لإنقاذ البنوك و«وول ستريت»، في حين قيل للأميركيين العاديين أن يصبروا وينتظروا وصول التأثير غير المباشر لهذه الأموا إليهم عبر حركة الاقتصاد. والواقع أن بعضهم رأى مزايا بالفعل، لكن ليس بما يكفي لاستعادة ثقة معظم الأميركيين بأن الحكومة تكترث لهم. وفي غضون ستة أشهر فقط، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً دراماتيكياً في الإيمان بالحلم الأميركي.

وإضافة إلى هذا الشعور بالاضطراب الاقتصادي والتهميش، كان هناك فقدان للثقة في المؤسسات الحكومية. فخلال رئاسة بوش الابن، أصبح الأميركيون يشعرون بأن الحكومة لا تستطيع توفير الأمان لهم (11 سبتمبر)، أو لا يمكن الاعتماد عليها لتقول لهم الحقيقة (حرب العراق)، أو حتى الرد على حالات الطوارئ الوطنية (الرد الكارثي على إعصار كاترينا).

ثم هناك اختلالات الحكم التي خلقتها حالة الاستقطاب المتزايد لحياتنا السياسية. فقد استمال كل من «الديمقراطيين» و«الجمهوريين» أنصارهم، وأصبح يُنظر إلى كل موضوع من المواضيع من خلال عدسات هذا الصراع الحزبي الذي يتسم بالتعصب المفرط. وأصبحت الطبقة العاملة البيضاء تنظر إلى الديمقراطيين على أنه لا تهمّهم سوى «الأقليات» وقضايا النساء، مما ترك المجال مفتوحاً أمام الجمهوريين لاستغلال شعور الناخبين البيض بالتهميش والخذلان. ورغم ميل الأجندة الجمهورية دائماً إلى تقديم مصالح الأغنياء (من خلال خفض الضرائب) والشركات (من خلال التحرير وتقليص التقنين) والمحافظين الدينيين (من خلال التشريعات المعارضة للإجهاض وحقوق المثليين).. إلا أنهم تمكنوا مع ذلك من تحقيق اختراق مهم داخل ناخبي الطبقة العاملة.

ثم جاء ترامب الذي، وإن لم يحد عن هذه الأجندة الجمهورية، وقدّم نفسه باعتباره المدافع عن الطبقة العاملة البيضاء. ومع أن كل شيء بشأن تاريخه يتناقض مع احتياجاتهم، فإنه تحدّث عن تظلماتهم ووعد بأن يعيد إليهم وظائفهم، ويدافع عنهم أمام النخب التي أدارت ظهرها لهم، وأن يجعلهم عظماء من جديد. ومع أنه لم يحقق أياً من ذلك، فإنهم يخشون الاعتراف بأنهم كانوا مخطئين، لأنهم كانوا قد انضموا إليه وأصبحوا مرتبطين به. وهكذا، أصبح أعداؤه أعداءهم. وأولئك الذين كانوا «يسرقون الانتخابات» كانوا يسرقون فرصتهم في النجاح. أو هكذا اعتقدوا. ولهذا، صوّت 75 مليون شخص له. ولهذا أيضاً، كانوا معنيين بخسارته.

وبعد أن شاهدتُ سلوك الجمهوريين في أعقاب التمرد، ليس لدي أي أمل في إمكانية أن يغيّروا الاتجاه. فبعض زعماء الحزب الجمهوري ما زالوا يحمّلون «اليساريين» مسؤولية التسبب في العنف. وأحد سيناتوراتهم، وكان قد ندّد بترامب في البداية، زار فلوريدا (حيث يقيم ترامب) ثم عاد وهو يردد: «إننا حزب الطبقة العاملة، حزب ترامب»، محذراً من أن الجمهوريين لا يستطيعون الفوز بدونه.

لذلك يجدر بالديمقراطيين أن يوسّعوا جهودهم للتواصل مع كل الطبقات الاجتماعية، وأن يصوغوا رسالة وسياسات تخاطب كل الناخبين، سوداً وسُمراً وبيضاً، وتهتم ببواعث قلقهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهذا شيء أستطيع أن أقول إن جو بايدن مؤهل للقيام به. صحيح أن هذا لن يكون سهلاً، غير أنه من الضروري أن نعالج كلاً من واقع عدم المساواة العرقية وفقدان الأمل لدى ناخبي الطبقة العاملة البيضاء. فما لم نقم بالاثنين ونعالج الاستقطاب العميق الذي يعتري المجتمع الأميركي، فإن انقساماتنا ستتواصل ومعها سنواصل حصد العلقم.