هل ستعالج الانتخابات المقبلة ما أصاب الجسد الفلسطيني من عفن؟

بقلم: العميد أحمد عيسى*

نعم، لا مبالغة بالقول إن كثيراً من العفن قد أصاب الجسد الفلسطيني خلال العقود الماضية، وقد بدأت ملامحه منذ وقتٍ ليس قصيراً تطفو على السطح تقريباً في كل نواحي حياة الفلسطينيين وجوانبها، الأمر الذي يضع من يُنكرون ويخفون هذه الحقيقة أمام احتمالاتٍ ثلاثة، فهم إما يتعمدون الإنكار لإبقاء الوضع القائم على حاله دون تغيير، أو أنهم يجهلون الحقيقة، أو يخطئون قراءة الواقع ولا يمكنهم بالتالي تطوير التدخلات الأنجع لإحداث التغيير، وسواء أكان إنكارهم هذا عمداً أم جهلاً أم خطأ، فالنتيجة أيها السادة واحدة، وهي مزيد من المرض والعفن في الجسد الفلسطيني، والمختلف فقط هو طريقة علاج ما فسد.

وهنا لا بد لنا من استحضار الاستراتيجي الفرنسي المعروف أندريه بوفر الذي شرح في كتابه الشهير "مدخل إلى الاستراتيجية" مناورة أو استراتيجية الإعياء، أي إجهاد الطرف الآخر وإيصاله إلى درجة الإعياء التي يفقد فيها الأمل بمعالجة جراحه فيتركها تتعفن، فيُستنزف ويستسلم للأمر الواقع.

وحتى تعالج الجولة المقبلة من الانتخابات الفلسطينية، إذا جرت حقاً في كل مناطق السلطة الفلسطينية، ما أصاب الجسد الفلسطيني من عفن، هناك حاجة لفحص ما إذا كان الجسد الفلسطيني فعلاً قد أصابه عفن أو بعض منه، ولم يعد على ضوء ذلك قادراً على الانبعاث والانطلاق من جديد نحو المستقبل الذي يريد ويستحق.

وفي هذا الشأن، تتجلى أُولى القرائن الدالة على هذا العفن في دعاء الشعب الفلسطيني صبح مساء كغيره من شعوب الأرض، التي اختارت أن تحيا وتعيش في نظام ديمقراطي يتم فيه تداول السلطة بطرق ديمقراطية يختار فيها الشعب القيادة الأقدر على تلبية احتياجاته وتحقيق آماله وتطلعاته، أن تسفر نتائج الانتخابات عن قيادةٍ تقدم أولوية تلبية احتياجات الشعب الأساسية من ماء ودواء وغذاء وحياة كريمة، والعمل في الوقت نفسه على تحقيق تطلعاته وآماله بالحرية والاستقلال والدولة المستقلة، على أولوياتها الشخصية وأولويات عائلاتها ومن حولها من خاصتها، الأمر الذي دفع حركة فتح كبرى المكونات السياسية الفلسطينية إلى مطالبة أعضائها الذين يشغلون مناصب عليا في الحركة والسلطة بعدم ترشيح أنفسهم للانتخابات لفتح المجال أمام قيادات جديدة غير مبتلاة بمرض الادعاء، ولا تحوم حولها شبهة الفساد المالي والإداري، وستسخر جُل وقتها وجهدها للعمل على تلبية احتياجات الشعب.

أما ثانية القرائن الدالة على ما أصاب الجسد الفلسطيني من عفن، فتكمن في حقيقة أن الشعب ببساطة لم يعد ينظر لنفسه كشعب واحد حتى داخل التنظيم الفلسطيني الواحد، لقد أصبحنا أكثر من شعب وأكثر من مجتمع، كلٌّ له احتياجاته ومطالبه وتطلعاته المختلفة عن الآخر، ولا أقصد هنا المجتمع أو المجتمعات الفلسطينية في مناطق العام 1948، أو في مناطق العام 1967، أو حتى المجتمعات الفلسطينية في الخارج وتلك المقابلة لها في الداخل، بما في ذلك في القدس الشرقية، حيث وصل الاختلاف بين هذه المجتمعات في الداخل الفلسطيني التي قدر لها في هذه اللحظة من الزمن أن تتحمل مسؤولية قيادة الشعب الفلسطيني وتحقيق آماله وتطلعاته بعد أن انتقل ثقل القرار السياسي الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، إلى الحد الذي أصبحت فيه الخليل تناضل ليكون صوت أهلها مسموعاً في رام الله، وكذلك حال جنين وطولكرم وقلقيلية وبيت لحم وباقي محافظات الضفة الغربية، أما غزة صانعة وخزان الوطنية الفلسطينية، التي انطلقت من أزقتها فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فيصعب على أهلها نسيان ما حدث وأُحدث بهم خلال السنوات الخمس عشرة الماضية ليس من قبل الاحتلال وحسب، بل من قبل مَن هم من بني جلدتنا ويتحدثون لغتنا ويعيشون بين ظهرانينا.

حقاً أيها السادة إن مأساتنا واحدة، ولكن شتان بين من ينظر إليها من الحي الدبلوماسي الفاخر في غرب رام الله أو من يطالعها من قصور أبو ظبي والدوحة وشقق وفلل إسطنبول الفاخرة، وبين من يعيش ويحيا تفاصيلها يومياً في أزقة مخيمات الجلزون وبلاطة وجنين والشاطئ وجباليا وخانيونس والوحدات وصبرا وشاتيلا واليرموك.

المفارقة هنا أنه على الرغم من كل ما أصاب المجتمع الفلسطيني من عفنٍ تناولت هذه المقالة القليل من القرائن الدالة عليه، إلا أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء، ولا يزال من الناحية الديموغرافية يتفوق على المستعمر والمحتل الطارئ في الأرض الممتدة من النهر إلى البحر، الأمر الذي يُبقي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على حاله، حتى وإن بدا أنه انتهى رسمياً بعد تطبيع كثير من الدول العربية علاقاتها مع إسرائيل.

وتأسيساً على ما تقدم، يجب أن تؤسس الانتخابات المقبلة لبداية معالجة جدية لكل ما أصاب الجسد الفلسطيني من عفن حتى لو اضطُررنا للبتر والاستئصال، إذ إن مصلحة الشعب تتقدم على مصلحة التنظيمات، ومصلحة التنظيم تتقدم على مصلحة أفراده وعناصره، الأمر الذي يتطلب من الجميع ترشيح وانتخاب من تتوفر فيه الأحقية والأهلية للإقرار بوجود هذا العفن والقدرة على معالجته.

* المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي