خُذوا ميزانيات وتشرذموا لسان إسرائيل للمواطنين العرب!

بقلم: سهيل كيوان

كانت القائمة المشتركة مركّبة من أربعة تيارات حزبية، لكل منها خصوصيته في بعض القضايا الثانوية، ولكن ما كان يجمعها كلها أقوى مما يفرقها، وهذا ما ردَّت عليه الجماهير بالالتفاف الكبير من حولها.

لكل مُركَّب من مركبات المشتركة جمهوره، قد يكون انتماءً أيديولوجيًا لدى البعض، وقد يكون مبنيًا على علاقة شخصية مع هذا المرشح أو ذاك، وقد يكون لمجرد انتماء المرشّح إلى نفس البلدة أو الحمولة، كذلك لدى البعض سببه الطائفي، والحقيقة أنها مثَّلت أوسع أطياف شعبنا.

رأت الجماهير بفطرتها أن التركيز على الأساسي هو الأهم، وكان في حينه، عرقلة قدرة نتنياهو على تشكيل حكومة، وخصوصًا أنه حرّض على المواطنين العرب بصورة غير مسبوقة، وبادر إلى سنّ قانون القومية العنصري، إضافة إلى موقفه المبادر والدّاعم للتوسُّع الاستيطاني، الرافض لأي مبادرة سلمية أو تعايش على قدم المساواة مع أبناء شعبنا الفلسطيني، ويصرُّ على علاقة سادة يهود بعبيد من العرب.

لم يتغيّر شيء جوهري خلال عام، بين الانتخابات الماضية وهذه الانتخابات، وكان ممكنًا للقوائم الأربع أن تستمر في القائمة المشتركة، مع الحفاظ على خصوصية ورؤية كل واحدة منها، في بعض قضايا تعتبر ثانوية.

القضية الأساسية والصراع الأساسي هو بيننا وبين حكومات ترفض الاعتراف بنا كأقلية عربية فلسطينية لها حقوقها القومية، وفي الوقت ذاته تطلب الحصول على حقوق المواطنة بالتساوي مع المواطنين اليهود.

هذا الموقف السلطوي الرافض، ينعكس على كل نواحي الحياة الأساسية، وهو مشترك بين جميع الأحزاب الصهيونية بيسارها ومركزها ووسطها، مع تفاوت واضح في قضايا الحقوق المدنية، فمثلا لا يمكن وضع حزب "ميرتس" لحقوق المواطن، في خانة واحدة مع حزب الليكود و"يمينا" و"يسرائيل بيتينو" أو "يش عتيد" وغيرهم.

إذا كانت القضية قضية ميزانيات فقط، فهذا يمكن تحقيقه أيضًا عن طريق أحزاب أخرى غير المشتركة، وقد يكون من خلال "ميرتس" أو حزب العمل أو "يش عتيد"، وحتى من خلال الليكود نفسه، إلا أنّ تقديم الميزانيات للعرب مهما زادت مع كل أهميتها، لن توقف السِّياسة المنهجية تجاه البلدات العربية، لأن عرقلة توسعها هو قضية قومية.

بعبارة أخرى: خذوا ميزانيات، ولكن لن نعترف بعشرات القرى البدوية، ولن نسمح بتمدد عربي ديموغرافي طبيعي.

خذوا وظائف أخرى، ولكن لغتكم العربية ممنوعة في المستشفيات، وفي الأمكنة العامة والحافلات وفي المراسلات في داخل سلطاتكم المحلية وغيرها. نُعيِّن وزيرًا لـ"تطوير الوسط العربي"، وسوف نعرضه أمام العالم على أنه نموذج للمساواة في الفُرص.

خذوا ميزانيات وليس من شأنكم الهدم والتهجير والتهويد الذي يجري في القدس الشرقية.

خذوا ميزانيات ولكن لن تستطيعوا شراء شقق سكنية في المدن والبلدات الخاصة باليهود، حفاظًا على الطابع الديموغرافي.

خذوا ميزانيات، ولكن لن يقام مستشفى في أي بلد أو مدينة عربية، ولا جامعة عربية، ولا تحلموا بأن تُخصّص الدولة أرضًا لبناء مدينة أو قرية عربية جديدة.

خذوا ميزانيات وطوّروا مداخل قراكم، املؤوها زهورا وتمثايل ونوافير، وابنوا طوابق جديدة لمدارسكم، وارفعوا رواتب موظفي السلطات المحلية، ولكن لا تفتحوا أفواهكم عن العنصرية في المحافل الدولية، بالعكس، فواجبكم الإشادة بالديمقراطية التي تتمتعون بها، مقارنة مع إخوانكم في الدول المحيطة بنا.

خذوا ميزانيات، واصمتوا عن جرائم الاحتلال في الضفة الغربية وعن حصار قطاع غزة، وصدِّقوا وردِّدوا روايات الشرطة والجيش وحرس الحدود في كل حادثة قتل أو جرح أو انتهاك لحرمات البيوت.

خذوا ميزانيات واصمتوا عن عشرات جثث الفلسطينيين المُحتجزة، والتي لم تسلّم لذويها لدفنها، فهذا ليس شأنكم.

خذوا ميزانيات ولا تفتحوا أفواهكم عن تعامل الشرطة المزدوج بين العرب واليهود.

خذوا ميزانيات ولا تنطقوا بسيرة آلاف السُّجناء الأمنيين، فهذا ليس شأنكم، وتقبّلوا بصمت تحالف نتنياهو مع الفاشي بن غبير الذي يدعو لطردكم من وطنكم.

تشرذموا كي نرضى عنكم، لأن وحدتكم مزعجة، وتعني سوء النيّة تجاه دولة اليهود.

تشرذموا لنشعر بضعفكم، ولنطمئن بأنكم لن تتفقوا، فهذا محبط لجمهوركم ويشجّع على اللامبالاة، واللامبالاة سلاحٌ ممتاز، إنها منوِّم للجماهير.

كمنت أهمية القائمة المشتركة في الأجواء الوحدوية التي بثّتها بين الجمهور العربي من مختلف تياراته ورؤاه السياسية أو الفكرية، فوفّرت على الجميع المناكفات الحزبية الضيِّقة، وأشعرت الجميع بوحدة الهدف والمصير.

كذلك فقد حركت مياهًا راكدة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، ونبَّهت إلى أن القضية ليست تقصيرًا وتمييزًا في توزيع الميزانيات فقط، بل توجد قضية قومية يجري تجاهلَها، أو تأجيل البتِّ فيها.

المشتركة لفتت انتباهًا دوليًا لمن يهتمون في قضية الصراع الصهيوني-الفلسطيني.

انشقاق المشتركة فتح الطريق لكل الأحزاب، إلى تكثيف دعاياتها الموجَّهة إلى العرب، فالجميع شعر بأن الجماهير العربية باتت فريسةً تستجيبُ للإغواء، مثل الوعد بمحاربة العنف، وبحقوق للمواطنين "غير اليهود"، أما الأمرُ الأساسي والسياسي فالجميع متفق عليه أو يتجاهله أو يتلعثم ويتهرَّب منه.

لقد حصل ما حصل، فلا تزيدوا الصَّدع، أوقفوا المناكفات المتبادلة بين المشتركة والموحّدة، ولتكن الدعاية الانتخابية طرحًا سياسيًا ورؤية حقيقية، ومن دون تشهير وتحريض شخصي أو فئوي، ومن دون تضخيم للخلافات الثانوية، يعني لا حاجة لأن نتشاطر على بعضنا، وتمركزوا بالفعل حول الهموم الحقيقية للناس، وإلى ما يقلقهم حقيقة وليس أوهامًا.العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص

عن "عرب ٤٨"