زوجة الأسير صابر أبو سريس بعد 19 عاماً من اعتقاله: نأمل تحرّره وانتهاء ألم القيد والظلم

جنين– "القدس" دوت كوم- علي سمودي– تواصل المواطنة معزوزة أبو سريس مشوارها على أمل حرية رفيق دربها الأسير صابر عمر حسن أبو سريس، واجتماع الشمل ليعوضها وأبناءه الذين كبروا بغيابه عن رحلة العذاب الطويلة، وتقول "كل لحظة مرت خلال سنوات اعتقاله تساوي قرناً من الألم والوجع، لكنني تسلحت بالقوة بفضل رب العالمين، فوقفت إلى جانب زوجي، واحتضنت أطفالي، ولم أُشعرهم أنّ أباهم غائب عنهم، كتمتُ أحزاني وأوجاعي على غيابه، وزهرة شبابه تضيع خلف القضبان، لكنني فخورة بصمود وثبات ومعنويات زوجي وقدرتي على الوصول بأبنائي إلى تحقيق أُمنياته بمواصلة تعليمهم وتخرجهم من الجامعات".

ولد الأسير صابر في مخيم العين بمحافظة نابلس، وقبل اعتقاله تزوج ورزق بـ7 أبناء، أكبرهم اليوم عمر (29 عاماً) وأصغرهم محمد (19 عاماً)، اختلفت حياتهم وطفولتهم عن باقي الناس، فقد قضوا سنوات عمرهم على بوابات السجون، التي قهرها والدهم بصموده وتضحياته، وانتصرت عليها والدتهم بإكمال المشوار وتربيتهم وتعليمهم ليفخر بهم والدهم دوما كما تعبر.

عن حياة زوجها تقول أم عمر: "نشأ وتربى وسط عائلة لاجئة محافظة وملتزمة ربته على الدين والصلاح والقيم والاخلاق، كان باراً وحنوناً ومعطاء منذ صغره. تعلم في مدارس وكالة الغوث بالمخيم حتى أنهى الصف الثاني الاعدادي، ثم قرر التضحية ليساهم في تحسين ظروف أُسرته نحو الأفضل، انضم إلى والده وعمل في أحد المطاعم، وكان حريصاً على أُسرته التي أحبَّها كثيراً. تمتع بروح نضالية ووطنية عالية، رغم مسؤولياته حتى بعدما تزوجنا ورزقنا بالأبناء، لم يتأخر عن تأدية واجباته من أجل شعبه ووطنه، انتمى إلى حركة فتح، وكان له نشاط فاعل ودور كبير في الفعاليات الوطنية".

الاعتقال والتحقيق ..

تصف أم عمر حياتها مع زوجها بأنها كانت سعيدة وجميلة، فقد كان "حنوناً وطيباً ومحباً لاطفاله.. يداعبهم ويهتم بهم معي، ودوماً يخطط لمستقبلهم وحياتهم. تحولت أفراحنا وسعادتنا إلى ألم ووجع منذ تاريخ 7/ 12/ 2002، ففي ذلك اليوم، وردنا خبر اعتقاله من كفر قاسم بتهمة محاولة تنفيذ عملية. لم أصدق، وعشنا صدمة كبيرة في أصعب اللحظات التي عشتها في حياتي، فلم أتوقع اعتقاله، ومما زاد ألمنا وقلقنا، أن وسائل الإعلام نشرت أنه تعرض للضرب والتنكيل خلال اعتقاله على يد جنود الاحتلال الذي نقلوه لجهة مجهولة. عندما اعتقل كان أصغر الأطفال بعمر عام، وأصبحت حزينة وقلقه على مستقبل اطفالي بعدما علمت أنهم نقلوه إلى أقبية التحقيق في سجن بيتح تكفا الذي يعتبر من أصعب مراكز التعذيب. على مدار ثلاثة أشهر، لم يُسمح للمحامين بزيارة صابر، واستمروا في ممارسة كل صنوف التعذيب والحرمان والعزل".

وتقول الزوجة الخمسينية "أم عمر": "أكرمني رب العالمين بالصبر، ووقفت إلى جانب زوجي في كل لحظة ومحطة خلال فترة محاكمته، وبعد عدة جلسات حوكم بالسجن الفعلي 25 عاماً. شعرت بصدمة وانهيار فور سماعي للقرارفي قاعة المحكمة، لم أتمالك أعصابي، ولغاية اليوم لم أعرف طعماً للنوم، وأنتظر وأدعو الله دائماً بالفرج القريب له ولكافة الأسرى".

تجسد الزوجة أم عمر نموذجاً لإرادة المرأة الفلسطينية وبطولتها وتحديها، فمنذ اللحظة الأُولى لاعتقال زوجها عاهدته على الصبر والوفاء وإكمال المشوار، تحدت كل أعاصير الحياة، واحتضنت أطفالها وأكملت المشوار، وتقول: "حزنت وبكيت، لكني رفضت الاستسلام، تحملت كامل المسؤولية وأصبحت الأب والأم لأطفالي، واجهت وتحديت كل الظروف للتخفيف من معاناتهم وآثار غياب والدهم، وربيتهم على محبته وأخلاقه ليبقى فخوراً بهم. محمد، الذي لم يفرح والده برؤيته ينمو ويكبر كباقي إخوته، والذي عرف والده كأسير وخلف القضبان، ورغم حزنه وتأثره، درس ونجح في الثانوية العامة، وحالياً يدرس بجامعة النجاح تخصص تمويل، وأُمنيته أن يكون والده إلى جانبه عندما يتخرج. ابنتي آية 26 عاماً، شاركتني كل لحظات ومشوار الألم ، لكنها اجتهدت لتُفرح والدها، فأهدته نجاحها في الثانوية العامة وتخرجها بشهادة البكالوريوس تخصص محاسبة من جامعة النجاح، لكنها بكت كثيراً ولم تشعر بطعم فرحة التخرج لعدم حضور والدها. تكرر الموقف يوم زفافها الذي تحول إلى حزن ودموع، فرحتنا كانت منقوصة، لأن والدها لم يخرجها لمنزل الزوجية كباقي العرائس، وقد رزقت بولدين ولا يزال جدهما خلف القضبان لم يعرفهما حتى اليوم إلا من الصور".

الألم يصنع النجاح ..

تقول الزوجة أم عمر: "قسمت حياتي بين زوجي وأبنائي، التزمت بتعليماته ونصائحه في تربية الأبناء والبنات، لم نستسلم لحظة، وتمردنا على الألم لنصنع من الأوجاع نجاحاً مستمراً يشكل انتصاراً على السجن والسجان، فزوجي كان معي في كل لحظة بروحه يحفزني على التقدم وتحقيق أُمنياتنا. تعليم الأبناء في غياب والدهم لم يكن سهلاً، ففي كل محطة يفتقدون ويذكرون ويحتاجون والدهم، لكنهم قرروا أن يُفرحوه دوما بنجاحهم، رغم أن الفرحة الحقيقية لا تكتمل إلا بوجوده، فابني عامر (27 عاماً) التحق بالجامعة، وتخرج بشهادة البكالوريوس في تخصص إدارة واقتصاد، ليمنح والده أملاً جديداً بالحياة. ابني عمار (25 عاماً) كان دوماً يسأل عن والده ويتألم لغيابه وعدم مشاركته كافة المناسبات، لكن خلال زيارته تعلم منه الكثير وقرر النجاح، فتخرج بشهادة الدبلوم في تخصص تبريد وتكييف، وبدأ حياته العملية، لكن فرحته أيضاً منقوصة في ظل غياب والده عنا".

ويقول عمار: "لا توجد كلمات تصف معاناتنا عندما كنا نحتاج وجود والدنا معنا، فكافة المراحل المدرسية والجامعية التي لم يعشها والدي معنا كانت حزينة، لكننا نفخر بجهودنا وتعبنا لنرفع رأس والدنا الذي بصموده ونجاحنا يقهر تلك القضبان".

بعد 19 عاماً، من الصمود والتحدي والغياب، تقول الزوجة أم عمر: "الحياة صعبة عندما يغيب الأب عن الأبناء والعائلة، فكلنا نشعر بألم القيد وظلمه، لكن كل يوم ننتظر ونتمنى ان يتحرر، وتنتهي المعاناة التي تزايدت منذ انتشار فيروس كورونا لقلقنا المستمر على حياتهم. أملنا برب العالمين أن يشرق فجر العيد بحياتنا قريباً لنكمل مسيرتنا معاً، وأن تكون أيامنا المقبلة مع زوجي الحر.. مليئة بالسعادة والمحبة والأُلفة حتى ننسى السجن وظلم السجان".