انتهى زمن ترامب.. أم فكره؟

بقلم: عبدالعزيز آل إسحاق

انتهت 4 سنوات عاش فيها العالم مرحلة صعبة ملتهبة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبناء على حجم المتابعة العالمية للانتخابات الأميركية، يمكننا القول أن التركيز على مستوى العالم كان ينصب على نهاية ترامب الشخص، وقد حدثت، سواء نهايته السياسية، أو نهايته كرجل أعمال والتي يمكن أن تبدأ من خلال المحاكمات التي ستنطلق ضده قريباً، لكن السؤال الذي كان يشغلني: هل انتهى الفكر الترامبي؟

جاء ترامب بفكر عنصري، ضد كثير من الأمريكيين وأنه سيحميهم بسبب شعارات مغرية استخدمها الرئيس الأسبق مرتبطة بتوفير وظائف للأمريكيين على حساب المهاجرين أو اللاجئين، وسرعان ما انقلب الحديث عن الأمريكي ذي الأصول القادمة من قارات أخرى والأمريكي الأبيض، وهو الأمر الذي هدد بتمزيق كتلة التوحد في الولايات المتحدة الأميركية.

هذا الخطاب الذي جاء به ترامب عزز من خطاب اليمين المتطرف في أماكن متفرقة من العالم، ففي أوروبا مثلاً خلال العام 2019 سيطرت الأحزاب المتطرفة في دول مهمة، فقد سيطر حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف في فرنسا بـ23 في المائة من الأصوات على حزب الرئيس ماكرون، وفي إيطاليا نجح نائب رئيس الوزراء ماتيو سالفيني في قيادة حزب الرابطة اليميني المتطرف الشعبوي في حصد 34 في المائة من الأصوات متقدما على الحزب الديمقراطي اليساري.

أما في المملكة المتحدة فقد كان رئيس الوزراء البريطاني الجديد يلمح للخطاب الترامبي في بدايته، لكن المدهش أن هذا الخطاب المتطرف ساعد السياسي المتطرف نايجل فاراج أن يفوز بنسبة 30% من الأصوات في اقتراع مغادرة بريكسيت.

أما ميركل في ألمانيا فقد انخفضت نسبة حزبها بنسبة 12 في المائة مقابل حزب البديل لأجل ألمانيا اليميني المتطرف، وفي أسبانيا فاز حزب فوكس اليميني المتطرف بـ24 مقعدا في البرلمان.

إذا.. فإن فكرة التطرف العنصري، أيا كانت الوسيلة التي يستخدمها بدأت في الانتشار، والتطرف في كل أحواله لأي فكرة ينتهي بالعنف، ولعل أحداث الكونغرس خير شاهد على ذلك. لقد عانى العالم كثيراً من الحركات المتطرفة المسلحة، وليست القاعدة التي فرخت لاحقاً جبهات وحركات متعددة إلا دليلاً على أن الأفكار لا تموت، رحل أسامه بن لادن، فهل انتهى فكره، وهل انتهى أتباعه، بل أن الشواهد تدل على أن أتباع فكره الذين انفصلوا عن القاعدة كحركة رئيسية كانوا أكثر عنفاً وتطرفاً.

الولايات المتحدة الأمريكية اليوم أمام تحدٍ جديد وكبير في أن تبقى متحدة، لأن هذه الفكرة لن تؤثر على الأداء الأمريكي الخارجي بقدر ما ستصنع انقساماً حقيقياً في مجتمع بني على أساس تعدد الأعراق، واستقبال المهاجرين من كل مكان، ولا أعتقد أن أحداً في أمريكا يظن المهاجرين الذين جاؤوا من أوروبا الشرقية وآسيا وأفريقيا سيقبلون أن يكونوا هنودا حمرا جددا.

أمام جو بايدن تحدٍ حقيقي في السيطرة على انتشار الفكرة، سواء من خلال أكثر من 70 مليون شخص صوتوا لترامب، أو من خلال قيام ترامب بإعادة إنتاج خطابه بإنشاء قنوات إعلامية جديدة ينثر فيها هذا الخطاب، أو من خلال قيام مرشحين مستقبليين تقديم أنفسهم بنفس الطريقة، أو أكثر تطرفاً، طمعاً في كسب الأصوات التي فضلت عنصرية ترامب على مستقبل أميركا.

ولعل الحزب الجمهوري نفسه اليوم أمام تحدٍ كبير في النأي بالنفس عن خطاب ترامب، فإما أن يرضخ للضغوط النفسية ويخضع للسبعين مليون صوت ويراهن عليها في الانتخابات القادمة، وهذا سيكون مدمراً لأميركا، أو أن يرجح المصلحة العامة ويقوم بإصلاح نفسه من الداخل بعد التهشيم التي تعرضت له صورته والانقسام الذي هز أركان الحزب.

انقسام أميركا ليس في مصلحة العالم بالتأكيد، ليس لأنها تمثل شرطي العالم فقط، ولكن لأنها أيضا الوحيدة على الأقل القادرة على السيطرة على عصا الشرطة التي تملكها مقارنة بمن يقدمون أنفسهم كبدلاء ويريدون أن يكونوا الأقطاب الجديدة للعالم.

في كل الأحوال وبعيداً عن أمريكا، يجب أن ينهض المسلمون للتصدي للخطاب الأوروبي المتطرف، فإن كان الخطاب الأمريكي معني بالأعراق في البلد نفسه، فإن الخطاب الأوروبي المتطرف يركز في معظمة على المسلمين ودينهم وحجابهم ومساجدهم، وهذا الخطاب المتطرف أصبح يولد عنفاً قانونياً ينتهك الإجراءات والدساتير والقوانين في بعض البلدان مثلما يفعل وزير الداخلية الفرنسي حالياً، والسكوت الإسلامي عن هذا التطرف قد يدفع بالمسلمين لاتخاذ مواقف دفاعية عن أنفسهم، وأكثر ما أخشاه، أن يسود صمت إسلامي على الفعل الأوروبي المتطرف، وينطق كفراً على رد الفعل الإسلامي الأوروبي لاحقا.

عن "الشرق" القطرية