إرهاب المستوطنين بحماية الجيش والشرطة

بقلم : راسم عبيدات

لم يأت الإرهاب الصهيوني كردة فعل أو مجرد صدفة أو حالة مؤقتة، وإنما تعود جذوره إلى أصول دينية وإيديولوجية ورفعه الحاخامات إلى مستوى القداسة الدينية ولا تتورع دولة الإحتلال عن ممارسته بشكل سري أو علني.

ومن الواضح بأن إرهاب المستوطنين بحق أبناء شعبنا يأخذ منعطفاً حاداً، حيث أن ما يجري ويرتكب من إرهاب وجرائم وعنف من قبل سوائب المستوطنين بحق شعبنا وأهلنا على طول مساحة فلسطين التاريخية، ليس عملا عفويا او ممارسة شاذة من قبل مجموعات من اوباش وزعران المستوطنين، بل هو عمل منظم بدلالة أن تلك الجماعات تصطف على طول الشوارع وبالقرب من الأحياء والقرى الفلسطينية من شمال الضفة الغربية وحتى جنوبها، وفي مدينة القدس، وتقوم بهجماتها بشكل منظم ومتزامن.

هذه الأعمال الآخذة بالازدياد والتوسع، من الواضح أن جيش وشرطة الاحتلال يوفران الحماية لها، بل واكثر من ذلك عندما يتصدى المواطنون الفلسطينيون للدفاع عن انفسهم ووجودهم وممتلكاتهم امام هجمات المستوطنين، يشارك جيش الاحتلال وشرطته المستوطنين هجماتهم على المواطنين العرب، ولم تجر أية عقوبات رادعة بحق المستوطنين او اعتقالات جدية في صفوفهم حتى يتم ردع او وقف زعرناتهم وعربداتهم، ففي الوقت الذي تتقاعس فيه شرطة الاحتلال وأجهزته الأمنية عن كشف واعتقال جماعات المستوطنين التي تمارس كل حقدها وعنصريتها ضد شعبنا واهلنا الفلسطيني، نجد انها بمجرد القاء حجر تجاه سيارة أحد زعران المستوطنين تقيم الدنيا ولا تقعدها، من حيث متابعة ومصادرة الكاميرات،وعمليات الدهم والتفتيش والاعتقال.

المسألة لم تعد مقتصرة على من يسمون أنفسهم بشباب التلال او جماعات ما يسمى بـ" تدفيع الثمن"، بل حركة منظمة للمستوطنين لها قادة منظمين تقود كل أعمال البلطجة والزعرنة بحق شعبنا الفلسطيني، في ظل دولة باتت تختنق بعنصريتها، فسابقاً كان يجري الحديث عن جماعات وخلايا للمستوطنين في إطار ضيق وجماعات مغرقة في العنصرية والتطرف كانت تنفذ اعتداءاتها بشكل سري بحق المواطنين الفلسطينيين وبيوتهم وممتلكاتهم واماكنهم الدينية من مساجد وكنائس وأديرة وحتى المقابر لم تسلم من عربدتهم وزعرناتهم.

ما يجري من قبل المستوطنين من جرائم ترتكب بشكل يومي بحق شعبنا الفلسطيني يستدعي وقفة جادة من قبل كل أبناء شعبنا الفلسطيني لمكافحة هذا الوباء، فمن غير المعقول أن تترك الأمور، لكي نصل الى أبعد ما وصلت اليه كما حصل في مرات سابقة، كما جرى في عملية زرع القنابل في سيارات رؤساء البلديات المرحوم القائد القومي بسام الشكعة، حيث بترت ساقاه، وأصيب رئيس بلدية رام الله كريم خلف في احدى قدميه ونجا رئيس بلدية البيرة ابراهيم الطويل.

ومن بعد ذلك قام ما عرف بالتنظيم الإرهابي اليهودي بسلسلة عمليات ضد الفلسطينيين، والتي أحدثها قيام مجموعة من المستوطنين في 14/تموز /2014 بخطف وتعذيب وحرق الفتى الشهيد محمد أبو خضير حياً ومن بعد ذلك القت مجموعة من المستوطنين قنابل حارقة على بيت عائلة الدوابشة في دوما بمنطقة نابلس،ادت الى قتل عائلة الدوابشة باكملها.

واليوم وكل يوم نجد شعارات عنصرية تخط على الأسوار والمساجد والكنائس والبيوت والشوارع تدعو الى قتل المواطنين العرب والإنتقام منهم وطردهم وترحيلهم،وبالأمس كانت شعارات تخط في مستوطنة موديعن، تدعو الى قتل السائقين العرب،والذين تعرضوا اكثر من مرة للإعتداء عليهم من قبل المستوطنين،دون ان تتخذ أية وسائل حماية لهم حتى من قبل شركات الحافلات الإسرائيلية التي يعملون معها ،وكأن هناك سكوت وتواطؤ على سفك الدم الفلسطيني.

هذا الوضع الخطير الذي وصلنا اليه،هو طبعاً بفعل " بركات" اوسلو ونعمه، فالجميع يتذكر جيداً ان هؤلاء المستوطنين الذين يصولون ويجولون في طول البلاد وعرضها ويعربدون ويعتدون على مواطنينا وممتلكاتنا ومصادر رزقنا وعيشنا وبيوتنا واماكن عبادتنا ويحرقون مركباتنا ويعطبون إطاراتها، لم يكن احد منهم في انتفاضة الحجر الفلسطيني كانون اول/ 1987 ، يجرؤ على التجول بدون حراسة الجيش، وتنقلاتهم كانت تجري في حافلات محصنة ومرافقة الجيش لهم في كل تحرك او سفرة.

واليوم المعادلة انقلبت ليس فقط لأن الحركة الوطنية الفلسطينية تعيش حالة من التراجع، بل لأن من "نِعم" اوسلو أن الاستيطان في الضفة الغربية منذ اتفاق أوسلو وحتى اليوم تضاعف عشرات المرات،حيث يجري التخطيط لكي يصبح في الضفة الغربية مليون مستوطن، أي ما يسمونه بدولة يهودا والسامرة، وهناك من هو فلسطيني مصاب بالعمى السياسي والانفصال عن الواقع، ويعود لـ " تجريب المجرب" ليس مرة بل عشرات المرات، فبعد ماراثون تفاوضي عبثي ومفاوضات بكل أشكالها وانواعها عن قرب وعن بعد وسرية وعلنية ومن تحت الطاولة ومن فوق الطاولة، لم يجن شعبنا من تلك المفاوضات التي أصبح لها مؤلفو كتب ومنظرين ومؤدلجين في الساحتين الفلسطينية والعربية، سوى المزيد من مصادرة الأراضي وضمها وفرض وقائع عليها،حيث بتنا اليوم أمام " تسونامي" استيطاني لم يترك لنا أرضا قابلة للتواصل، وبما يجعل أي حديث عن خيار ما يسمى بحل الدولتين، نوعا من "الفنتازيا" الكلامية واجترار إسطوانة مشروخة باتت لغة العاجزين والمنهارين في ساحتنا الفلسطينية.

الحرب الشاملة التي يشنها المستوطنون وسوائبهم وقطعانهم على شعبنا الفلسطيني، هي شكل من أشكال التطهير العرقي، في ظل حالة ضعف وتشظي فلسطينية وفجور تطبيعي لنظام رسمي عربي مع دولة الإحتلال،وصل أقصى درجات العفونة والإنهيار، بحيث صار أقصى ما يسعى اليه،هو كما عبر عنه مغتصب لجنة القدس مليك المغرب محمد السادس،حينما اشترط على رئيس وزراء الإحتلال بنيامين نتنياهو،ان يلبي دعوته بزيارة دولته شرط استئناف المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، وكذلك نحن أمام صراع محتدم على السلطة في دولة الإحتلال مع قرب الإنتخابات التبكيرية الرابعة خلال عامين والتي ستجري في 22/آذار القادم، صراع على أصوات المستوطنين، بين قوى اليمين واليمين المتطرف، في وقت تلاشى فيه أي دور ووجود لما يسمى باليسار الصهيوني.

ما ترتكبه سوائب المستوطنين بحق شعبنا، هو بمثابة جرائم حرب بدعم وتشجيع من قادة دولة الإحتلال، وبالتالي هذه الجرائم يجب توثيقها ورفعها الى المحاكم الدولية، ونحن ندرك بان تلك المحاكم تخضع لسيطرة حلفاء اسرائيل من امريكان وقوى استعمارية غربية، ولكن لا بأس من أن نطرق أبوابها لعل وعسى ان يصحو ضمير القائمين عليها، او ان تتغير الظروف والأوضاع، لكي يتم جلب هؤلاء المستوطنين وقادتهم والداعمين لهم من قبل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية الى تلك المحاكم.

ان سكوت المجتمع الدولي على الجرائم المرتكبة بحق شعبنا الفلسطيني، سيبقى وصمة عار تلطخ جبين كل من يدعون بانهم أنصار الحرية والديمقراطية والإنسانية وحقوق الإنسان، تلك القيم والمبادىء التي يخرسون ويصابون بالعمي عندما يتعلق الأمر بحقوق شعبنا الفلسطيني أو عند الحديث عن قرارات او عقوبات قد تتخذ او تفرض على دولة الإحتلال لخروجها السافر والوقح على القانون الدولي.

سوائب المستوطنين تخرج من زرائبها لكي تعيث الخراب والخوف والرعب في صفوف أبناء شعبنا، ولكي تقول لقادة دولتها بان العرب والفلسطينيين لا يخضعون سوى بالقوة، والمزيد من القوة، ونحن سنمارس كل أشكال القمع والبطش بحقهم، لكي يركعوا وتتحطم إرادتهم ويسلموا بوجودنا وبان هذه "أرضنا"، وبانهم مجرد اغيار سائقين وحطابين عندنا.

علينا ان لا ننتظر لكي يصل إرهاب المستوطنين الى تنفيذ عمليات إرهابية كبيرة ضد شعبنا، فلا بد لنا من ان نكون يقظين وحذرين وفي أعلى درجات التضامن والتكاتف من أجل التصدي لهم وإفشال مخططاتهم ومشاريعهم الإرهابية، ولا بد من تشكيل لجان شعبية ولجان حراسة تحمي شعبنا من هذا الوباء.