أزمة ثقة وتخوّف من أخذ الطعوم ضد كورونا.. ودعوات إلى التوعية والنمذجة

رام الله- تقرير خاص بـ"القدس" دوت كوم- بالرغم من بدء التطعيمات في مختلف دول العالم ضد فيروس كورونا المستجد "كوفيد 19"، فإنّ تخوف البعض من أخذ المطاعيم يستوجب تدخلات بشأن تعزيز الثقة بأخذه وأهميته.

في هذا التقرير يستطلع "القدس" دوت كوم آراء المواطنين حول أخذهم اللقاحات بشتى أنواعها في حال وصولها، إضافة إلى آراء خبراء أوبئة حول طبيعة اللقاحات وأهميتها لمواجهة الفيروس، وكذلك أبرز الأمور التي يجب اتباعها في تعزيز ثقة المواطنين باللقاح.

ثقة متباينة للمواطنين حول أخذ اللقاح

تبدو المواطنة جميلة قربيش من بلدة برقين غرب جنين غير متشجعة لأخذ طعم اللقاح ضد فيروس كورونا، لأنها تعتقد في حديثها لـ"القدس"دوت كوم، أن الأمور والأبحاث والدراسات بشأن اللقاح غير مكتملة وواضحة.

قربيش تؤكد أنه من المفروض على وزارة الصحة أن توضح للمواطنين مكونات اللقاح ومشكلاته، وأعراضه التي سوف تظهر على الإنسان السليم والمريض وكل ما يتعلق باللقاح من تفاصيل، والأصل وضع خطة للسير بها حول التعامل مع اللقاح وموعد وصوله وإعطائه وغيرها من التفاصيل.

وجميلة قربيش لا تثق بأخذ اللقاح لأنها لا تعرف عنه شيئاً، وتخشى أن يسبب لها مشاكل ومضاعفات صحية، وبالنسبة لها إن أصبح أخذ اللقاح إجبارياً، أو كان أخذه شرطاً لإنجاز معاملات على سبيل المثال، فإنها سوف ترفض إجراء المعاملة أصلاً، وتقول: "أنا أعتقد أن أخذ اللقاح هو إقدام على مغامرة خطيرة، خاصة أن لديّ 5 أطفال، وأنا غير معنية بالإقدام على مغامرة".

لكن الشاب رائد جمال من سكان مدينة رام الله بدا غير متخوف من أخذ اللقاح، ويؤكد في حديثه لـ"القدس" دوت كوم أنه سوف يأخذ الطعم في حال وصوله إلى الأراضي الفلسطينية، وأبدى استغرابه من تخوف بعض المواطنين تجاه اللقاح، ويقول: "إن هذا التخوف غير مبني على أُسس علمية، لو كانت تخوفاتهم علمية من الممكن لي أن أتفهم ذلك وأقتنع".

ويعتقد رائد جمال أن جميع اللقاحات لا توجد فيها مشكلة، لأنه تم اعتمادها من منظمة الصحة العالمية، فيما يبدي قلقه من تأخر اللقاح والبدء بعملية التطعيم، ويقول: "إن تأخر اللقاح، بغض النظر عن الأسباب ومن يتحمل نتيجتها، سوف يستنزفنا صحياً واقتصادياً، ويكلف الناس إصبات ووفيات جديدة نحن بغنى عنها".

ويدعو رائد إلى التوعية وتشجيع المواطنين على أخذ اللقاح، ويقول: "يجب على الرموز والشخصيات المعروفة والأطباء والطواقم الطبية أن تأخذ اللقاح حتى تزيد الثقة وتشجع الناس على أخذه، والتركيز على ذلك من خلال وسائل الإعلام وتنظيم الحملات الإعلامية للتوعية بأهمية أخذ اللقاحات ضد كورونا".

أما المحامية إيمان محمد من طولكرم، فإنها تبدو حازمة بأمرها من قضية أخذ اللقاح، خاصة بعد إصابتها بفيروس كورونا والألم الشديد الذي ألمَّ بها والآثار النفسية والجسدية، حيث تؤكد لـ"القدس" أنها نتيجة لإصابتها سوف تأخذ اللقاح بلا تردد.

وتشير إيمان إلى أن عدم ثقة بعض المواطنين باللقاح سببه عدم اعترافهم بوجود مرض كورونا أساساً، فيما تؤكد أن ذلك يتطلب من وزارة الصحة الفلسطينية تعزيز الجانب التوعوي لتعزيز ثقة المواطنين بأخذ اللقاح ووقف أي إشاعات تجاهه.

باسم الخطيب من بلدة يعبد، جنوب غرب جنين، يعتقد أن لقاحات كورونا يجب أن تأخذ الوقت الكافي في التجارب العملية، "هناك أمراض كمرض السرطان لم يجدوا لها علاجاً، فهل يعقل أن يكتشفوا علاجاً بهذه السرعة!"، مبدياً خشيته من تأثيرات أخذ اللقاح، ولذا فهو لن يأخذ اللقاح وعائلته، و"ربما إن كان له مفعول في المستقبل قد آخذه".

يقول باسم: "لا توجد ثقة بأخذ اللقاح، وتضارب المعلومات حول فيروس كورونا أصلاً أدى إلى عدم الثقة باللقاح، ويقول: "هناك تخوفات من أن تحدث أعراض وتأثيرات سلبية على البشر في حال تم أخذه، وهذا الأمر أدى إلى عدم الثقة باللقاح، لكن إن اضطررت فقد آخذه".

جبر: لتُرفع أصوات المختصين وعلينا بالنمذجة لتعزيز الثقة باللقاح

مع تفشي الشائعات بشأن اللقاح، فإن ارتفاع أصوات المتخصصين وقيادة برامج توعوية وحملات إعلامية بات أمراً مُلحاً لدحض تلك الشائعات وتعزيز الثقة باللقاح، وكسر الحاجز النفسي تجاه تلقي الطعومات ضد فيروس كورونا.

وتؤكد مدير وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة د. سماح جبر في حديثها مع "القدس" دوت كوم وجوب ارتفاع أصوات المتخصصين وقيادتهم حملة توعية بشأن اللقاح وطريقة تصنيعه، وإيضاح التشابه بينه وبين اللقاحات السابقة، وأن يتم الحديث للناس بلغةٍ قريبةٍ من لغة العامة، ما يساعد المواطنين على فهم الأُمور وتكوين الثقة لديهم باللقاحات.

وحول كسر الحاجز النفسي مع أخذ اللقاحات، تؤكد جبر أنه لا بد للمواطنين من الاستماع للمختصين فقط، وتقول: "إن كل لقاح قديم معتمد حالياً بدأ جديداً حين إنتاجه، والتخوف لا يزيد عن حداثة التخوف المبني على المؤامرة، وهو أمر في غير محله، وهو جزء من المؤامرة كالاعتقاد بوجود مؤامرة حول وجود فيروس كورونا المستجد أصلاً".

كما أن جبر تشدد على أنه "يجب البدء بتطعيم الطاقم الطبي، فالأطباء هم قدوة للمجتمع، ويساعدون على كسر الحاجز النفسي تجاه اللقاح، فالناس يتأثرون بشكل كبير بالنموذج، وهو ما يُحتم أهمية النمذجة بهذا الشأن لكسر الحاجز النفسي تجاه اللقاح".

تفنيد الشائعات حول اللقاح أمر مهم

يؤكد اختصاصي علم الجراثيم وعلم المناعة د. علاء أبو زنط في حديث لـ"القدس" دوت كوم أن الشائعات المتداولة بشأن اللقاحات المضادة لفيروس كورونا، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، هي شائعات غير مبنية على أُسسس علمية، والأصل أن لا يؤمن أحد بالشائعات، وإن كان حريصاً على نفسه وعائلته يتوجب عليه أن يأخذ الطعم ولا يسمع الشائعات.

ويرى أبو زنط أنّ وسائل الإعلام تلعب دوراً كبيراً لتعزيز الثقة باللقاحات، وعليها أن تنفد الشائعات التي يتداولها الناس بخصوص اللقاح، عبر حملات إعلامية وتوعوية وطنية شاملة في المدارس والجامعات والمعاهد، لتوعية الناس أنها تلك الشائعات غير صحيحة، والتركيز على أهمية أخذ الطعم، فأخذ الطعم مهم جداً إلا في حالات استثنائية، مثل كبار السن، فإنه يتوجب أن يتم إعطاؤهم اللقاح بحذر شديد لأنه قد تكون لديهم حساسية مفرطة من تلقيه.

أبوزنط: أي لقاح له أعراض جانبية ويمكن السيطرة عليها

ولأي لقاح، سواء لقاحات كورونا أو غيرها، أعراض جانبية، خاصة الحساسية من تركيبة اللقاح، وهي حالات قليلة جداً، ويمكن السيطرة عليها وعلاجها إن حدثت، ولكن بعض الناس من الممكن أن تكون لديهم حساسة مفرطة جداً تجاه أخذ اللقاح ويمكن علاجها، لكن الأهم، وفق اختصاصي علم الجراثيم وعلم المناعة د. علاء أبو زنط، أنّ اللقاح بشكلٍ عامٍّ لا توجد خشية من تلقيه.

ويوضح أبو زنط أنه لا يوجد الفيروس نفسه في تركيبة اللقاحات التي تم إنتاجها، باستثناء اللقاح الصيني، الذي يوجد فيه فيروس كورونا بعد القضاء عليه، أما بقية اللقاحات فيؤخذ الجين المسؤول الموجود على سطح الفيروس، ويتم تصنيع اللقاح من البروتين في الجين الذي يعمل على إنتاج أجسام مضادة للفيروس في جسم الإنسان، وهذا الهدف من كافة أنواع اللقاحات حتى الصيني، وهو تحفيز الجسم على إنتاج أجسام مضادة للفيروس.

وبشأن قضية أخذ اللقاح الروسي، فإن أبو زنط يؤكد أنه لا داعي للخوف منه، لكن الحذر من وجود حساسية لبعض أنواع اللقاحات ومن الممكن السيطرة عليها، حيث لا يُنصح بإعطاء الكبار في السن اللقاحات فوق سن الـ80.

الأولوية لكبار السن والمصاب قد يُعطَى اللقاح بعد شفائه

ويرى أبو زنط أن الأولوية في أخذ اللقاح لكبار السن، فيمكن إعطاء من هم فوق سن الـ18 عاماً حتى سن السبعينيات، مع الحرص لمن هم أكبر من وجود حساسية للجسم من تركيبة الطعم، بحسب نوعه، بينما مَن هو دون سن الـ18 عاماً فإنه يمكن إعطاؤهم، لكنهم أقل احتمالية للإصابة بالفيروس، لذا فإن الأولوية لمن هم أكبر سناً من ذلك.

ويؤكد أبو زنط أنه من الممكن أن يتناول المصاب اللقاح ضد كورونا بعد شفائه من الإصابة بالفيروس، ويقول: "صحيح أن الإنسان المصاب تتشكل لديه مناعة، لكنها قد لا تستمر مدةً طويلة، كما لا توجد لدينا معلومات كافية عن الفيروس، ولذا فإنه من الأفضل أن يأخذ من أُصيب اللقاح أيضاً".

ويشدد على أن الأولوية للفئة العمرية لأخذ اللقاح تكون من 18 عاماً فأعلى، لكن لا بد من البدء ضمن الأولوية بشكل أكبر لمن يعانون أمراضاً مزمنة، كالسكري والضغط.

فلسطين لا تحتاج وقتاً كبيراً لإنجاز عملية التطعيم

لا تحتاج فلسطين إلى وقت كبير لإنجاز عملية التطعيم في حال وصول اللقاحات، حيث يقول أبو زنط: "إننا قد نحتاج بين شهرين و6 أشهر على الأكثر، وكل ذلك يعود إلى حسب وجود مراكز التطعيم وكميات الجرعات المتوفرة".

من جانبه، يوضح الخبير في الصحة العامة واختصاصي الأوبئة أسعد رملاوي في حديث لـ"القدس" دوت كوم أن الانتهاء من عملية التطعيم في أوروبا لن تنتهي قبل شهر آب 2021، ومن أجل تغطية 70% من الشعوب، الأمر قد يحتاج إلى وقت لإنتاج وتصنيع 5 مليارات جرعة، وهو أمر يحتاج إلى وقت كبير.

أما في فلسطين، فإن رملاوي يوضح أن الشعب الفلسطيني عدده كبير، وفي حال وصول اللقاح فإن التطعيم قد يُنجَز خلال فترةٍ قد تصل إلى شهرين لجميع المواطنين، ويقول: "في حال وصول اللقاح، أتوقع أن ننهي عملية التطعيم قبل الدول الأوروبية، إذا أخذنا بالحسبان أيضاً أن عدد الأطفال الفلسطينيين أكبر، حيث يوجد 50% من الفلسطينيين تحت سنة 18، وهو أمر يقلل عدد من يحتاجون التطعيم أو الوصول إلى مناعة القطيع".

اللقاحات فعالة بنسبة 95% ويجب على المواطنين أخذها

ويوضح رملاوي أنه لا يوجد طعم يتم تصنيعه وإقراره من قبل دولته، إلا بعد مروره بأربع مراحل، أولها تجربته على الحيوانات، والثانية فئة قليلة من الناس، ثم الثالثة عدد أكبر أوسع فأوسع، والرابعة تكون بآلاف الأشخاص، بحيث تتم دراسة الآثار الجانبية التي تأتي من الطعم وفعاليته من ناحية إنتاج أجسام مضادة".

ويؤكد أن جميع اللقاحات أخذت حقها من الدراسات وموافقات منظمة الغذاء والدواء العالمية أو منظمة الصحة العالمية، والدراسات تشير إلى فعالية الطعومات بنحو 95%، وهي نسبة متوائمة مع بقية الطعومات الأُخرى.

وفيما يتعلق بالآثار الجانبية للقاحات، فإن رملاوي يؤكد أنها قليلة جداً، وهي: "ارتفاع الحرارة، وألم في مكان الطعم"، وهذه الآثار تزول خلال 3 أيام، "وهذه الأعراض موجودة في طعومات أُخرى".

وبشأن أهمية أخذ اللقاحات ضد كورونا، يؤكد رملاوي أنه حين الحديث عن نجاعة الطعم، فإنه يتوجب على المصابين بأمراض مزمنة أن يكونوا ضمن الأولوية، ثم بقية المواطنين، بأخذ اللقاح ضد كورونا، ويجب أن تكون لدى المواطنين ثقة بالطعم، برغم كل الشائعات ضد الطعم التي لا تستند إلى أُسس علمية.

ويتمنى رملاوي أن لا يكون للشائعات ضد اللقاحات تأثيرٌ سلبيٌّ على قناعات الناس، واللقاح حالياً يحمينا من الفيروس الموجود، ولا أحد لديه معلومات عن ما هي التغيرات والتحولات التي تحصل على الفيروس نفسه.

ويقول: "في حال حدثت طفرات وتطورات على تركيبة الفيروس نفسه، وكان التغير بالفيروس بنسبة 15% من تركيبته، فإن ذلك يعني أننا نتحدث عن فيروس جديد، وبالتالي طعم جديد، والطعم لا يُعطَى على مدى الحياة، نحن نراقب ومنظمة الصحة العالمية الطفرات التي حدثت بالفيروس، لكنّ اللقاحات الحالية فعالة ضدها".

والطعم، بحسب رملاوي، يعطى لغير المريض وقايةً من المرض، فاللقاح يعطي أجساماً مناعية لغير المصابين، إذ إنّ من أخذ اللقاح في حال إصابته بكورونا لا تحدث لديه مضاعفات، ومن شُفي لا داعي أن يأخذ الطعم، أما العلاج من مرض كورونا فإنه يختلف عن الطعم، ونأمل في المستقبل التوصل إلى علاج، "لا يجوز أن يأخذ من أُصيب بكورونا الطعم"، بحسب رأيه، بالرغم من آراء أُخرى تُفضل أخذ المصابين الطعم.

الحكومة تعاقدت مع 4 شركات لتوريد اللقاح وستصل خلال شهرين

ومنذ الإعلان عن إنتاج اللقاحات والحكومة ووزارة الصحة تسعى لجلب اللقاحات من مصادر مختلفة، حيث أكد رئيس الوزراء الدكتور محمد اشتية في تصريحات سابقة: "نحن متواصلون مع الجهات ذات العلاقة باللقاح، وستُكلفنا العملية حال إتمامها نحو 21 مليون دولار".

وقال اشتية: "تعاقدت وزارة الصحة مع أربع شركات لتوريد اللقاح، ستصل بالتوالي خلال الشهرين المقبلين، وستبدأ العملية بالطواقم الصحية، ثم المرضى وكبار السن، حتى تلقيح نحو 70% من أهلنا".