إسرائيل في ميزان الأمن القومي للعام 2020-2021

بقلم: العميد أحمد عيسى*

الجزء الثاني..

تناول الجزء الأول من هذه المقالة الذي نُشر على صفحات صحيفة "القدس" يوم الإثنين الموافق 18/ 1/ 2021 موضوع الفلسطينيين في ميزان الأمن القومي الإسرائيلي للعام 2020-2021، وفقاً للتقدير الإسرائيلي الاستراتيجي السنوي الصادر عن معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS) مطلع الشهر الجاري، إذ أظهر التقدير أنّ الفسطينيين هم المصدر الأضعف في قائمة المصادر التي تهدد الأمن القومي الإسرائيلي للعام 2021.

وعلى الرغم من وجاهة هذا الاستنتاج الذي يتوجب على الفلسطينيين عدم تجاهله وهم يتجهون لبلورة استراتيجيتهم الوطنية العليا الجديدة بعد توافقهم أخيراً على بدء الحوار حول الأُسس التي يجب أن تقوم عليها هذه الاستراتيجية، فإنّ القراءة المتفحصة للصورة الكلية الأوسع التي يقدمها التقدير لوضع إسرائيل الاستراتيجي تُظهر أنها لا تنعم بوضعٍ أفضل من الفلسطينيين، الأمر الذي يفرض على الباحثين الفلسطينيين، لا سيما المتخصصين منهم في دراسات الأمن القومي، أخذ ذلك بعين الاعتبار عند تقديم توصياتهم للقيادة السياسية الفلسطينية.

وفي هذا الشأن تجادل هذه المقالة أنّ القراءة المتفحصة للتقدير تُظهر أنّ إسرائيل لم تُحقق أيّاً من أهدافها العليا، وقد غادرت العام المنصرم 2020 بميزان استراتيجي تفوق السلبيات فيه الإيجابيات، كما أنها تبدأ العام الجديد 2021 بمروحة واسعة من التحديات والتهديدات في بيئتها الاستراتيجية (المحلية والإقليمية والدولية)، دون أن تتمكن من تطوير استراتيجيةٍ متكاملةٍ واضحةٍ تُجمع عليها كل المكونات السياسية في الدولة.

من جهته، سيكتفي هذا الجزء من المقالة بتسليط الضوء على ما تضمنه التقدير من قرائن تُثبت صحة هذه المجادلة دون شرح دلالات ذلك وتداعياته على الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، وستخصص الجزء الثالث منها لهذا الغرض، وذلك تجنباً للإطالة.

فمن حيث الأهداف العليا للدولة التي وظّفها التقدير كمعايير لقياس الإيجابيات والسلبيات في ميزان الأمن القومي السنوي، فقد حدّدها التقدير بستة أهداف تتعلق جميعها بالمحافظة على بقاء إسرائيل دولة (يهودية، ديمقراطية، آمنة، مزدهرة، أخلاقية وصادقة، تعيش بسلام مع جيرانها).

أما من حيث السلبيات والإيجابيات في الميزان الاستراتيجي، فقد وضح التقدير أنّ إسرائيل خرجت من العام الماضي 2020 بميزان إيجابي على الصعيدين الدولي والإقليمي، وعدّد الإيجابيات بأربع نقاط، الأوُلى كانت التطبيع مع أربع دول عربية (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب)، والثانية في نجاح إسرائيل بالتخلص من شخصيتين استراتيجيتين في دائرة التهديد الإيراني الجنرال قاسم سليماني، مهندس مشروع إطالة ومد أذرع إيران العسكرية إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة، والجنرال مسعود زادة، المسؤول عن الشق العسكري في البرنامج النووي الإيراني، وتتجلى الثالثة في الهدوء النسبي الذي شهدته الحدود الإسرائيلية رغم أن تقدير العام 2019 توقع أن يكون العام 2020 عاماً متفجراً، أما النقطة الرابعة فكانت في انشغال الدول المعادية لإسرائيل في مواجهة جائحة كورونا وتداعياتها أكثر من التركيز على العمل ضد إسرائيل.

ومقابل هذه الإيجابيات، أفرد التقدير مساحةً واسعةً منه لإظهار النقاط السلبية في ميزان الدولة الاستراتيجي التي عدّدها التقدير في سبع نقاط، يقف على رأسها الانقسام الداخلي وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، الأمر الذي بدوره خلخل الركائز التي تقوم عليها معادلة الأمن القومي، وألحق كثيراً من الضرر في مبنى القوة الإسرائيلية (حيث تبدّل على وزارة الدفاع أربعة وزراء خلال سنتين، وتُرك الجيش بلا موازنة أو خطة متعددة السنوات متفق عليها)، كما أضعف ثقة الجمهور بمؤسسات السلطة، وأضرّ كثيراً بالتضامن الاجتماعي والمناعة القومية للمجتمع، وكشف أنّ الحكومة تعمل منذ وقت طويل دون استراتيجيةٍ واضحةٍ متفقٍ عليها، وعمّق من الحاجة لتطوير مفهوم الأمن القومي للدولة.

وتتجلى ثانية هذه النقاط في الأزمة متعددة الأبعاد (الصحية والاجتماعية والاقتصادية) التي أنتجتها جائحة كورونا، ما ساهم في تعميق الانقسام الداخلي. وتُمثل إيران ثالثة هذه النقاط، إذ واصلت، على الرغم من عدم تنصلها من الاتفاق النووي، تطوير برنامجها النووي، حيث أصبحت على حافة إنتاج قنبلة نووية، علاوةً على تطوير برنامجها الصاروخي.

أما رابعة هذه النقاط، فتكمن في استمرار تآكل التفوق النوعي لإسرائيل في المنطقة الذي يتمثل من جهةٍ في تطور إيران الملموس تكنولوجياً، لا سيما في مجالات السايبر وإنتاج وتطوير الصواريخ الدقيقة والأقمار الصناعية، ويتمثل من جهة أُخرى في مساهمة اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية في كسر الحصار العسكري وتمكينها من شراء أسلحة متطورة من الولايات المتحدة الأمريكية.

وتتجلى خامسة هذه النقاط في نهاية عهد الرئيس ترامب الذي انسحبت واشنطن في عهده من الاتفاق النووي الإيراني، وأعلنت صفقة القرن التي غيّرت الأُسس التي تقوم عليها التسوية السياسية للصراع، واعترفت بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية، ودعمت تطبيع الدول العربية مع إسرائيل. وتكمن النقطة السادسة في استمرار إسرائيل في العمل بدون استراتيجية شاملة ومتكاملة ومجمع عليها، ما أدى إلى فشل إسرائيل في توظيف قوتها لتحقيق إنجازات سياسية. وتدور آخر هذه النقاط حول مخاطر الانزلاق نحو الدولة الواحدة نتيجة سياسة الحكومة الحالية.

وتُبيّن هذه المروحة من السلبيات أنّ الوضع الداخلي يطغُو على باقي السلبيات، وقد جاءت نتائج مسح الرأي العام السنوي الخاص بمقياس الأمن القومي لتكشف الخلل غير المسبوق الذي أصاب معادلة الأمن القومي، لا سيما في الشق المتعلق بالقدرات من هذه المعادلة، حيث أظهرت نتائج المسح أن الغالبية العظمى من مواطني الدولة اليهود فقدوا ثقتهم بمؤسسات الدولة، خاصة الحكومة والشرطة والمحكمة العليا، وذلك بواقع 75%، 66%، 57% على التوالي.

وفي السياق ذاته، أظهرت نتائج مسح الرأي العام قلق مواطني الدولة من آثار هذا الانقسام على الأمن القومي، إذ أعرب ما نسبته 42% من مواطني الدولة اليهود عن أنهم قلقون من الانقسام الداخلي بدرجةٍ مُساويةٍ لقلقهم من التهديدات الخارجية، في حين يرى 39% أن الانقسام الداخلي أكثر إثارةً للقلق من التهديدات الخارجية، مقابل 11% يرون أن التهديدات الخارجية أكثر إثارةً للقلق من الانقسام الداخلي، ورفض 8% الإفصاح عن رأيهم.

وأظهرت النتائج كذلك أن 75% من المواطنين يرون أن التضامن الاجتماعي داخل المجتمع الإسرائيلي قد تضاءل، ويعتقد 60% منهم أن سبب هذا التضاؤل يعود إلى التوتر المتصاعد بين اليمين واليسار، في حين يعتقد 14% أنّ السبب يعود إلى التوتر بين العلمانيين والمتدينيين، مقابل 14% يرون أنه يعود إلى الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ويرى 8% أن هذا التضاؤل يعود إلى العلاقات المتوترة بين العرب واليهود في إسرائيل، فيما يعتقد 7% أن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي هو المحرك لهذا التضاؤل.

ومن حيث مروحة التهديدات للعام الجاري، فقد رتبها التقدير وفقاً لدرجة خطورتها بعشرة تهديدات على النحو التالي: احتمالات اندلاع حرب ضد حزب الله وإيران وحلفائها، قفزة إيرانية نحو القتبلة النووية، تطور الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة، مواصلة جائحة كورونا بالانتشار رغم التحصين، إيقاف الاقتصاد نتيجة هجمات سيبرانية، معركة عسكرية في غزة، انتشار الجريمة نتيجة فقدان الثقة بمؤسسات الدولة، حدوث كارثة طبيعية، اندلاع أعمال عنف بين مجموعاتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ في المجتمع الإسرائيلي، اندلاع مواجهات في الضفة الغربية.

ويبدو هنا أنه على الرغم من احتلال التهديدات الخارجية، لا سيما التهديدات التي مصدرها إيران وحزب الله اللبناني، المراتب الأولى في قائمة التهديدات من حيث درجة الخطورة، فإن التقدير أوصى بأن تنحصر الأهداف العليا للدولة في العام الجاري في أربعة أهداف، أولاً: معالجة الانقسام الداخلي، وثانياً: تعزيز التحالف والشراكة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وثالثاً: الاستعداد لاحتمالات اندلاع حرب متعددة الجبهات مع إيران وحلفائها، ورابعاً: عمل كل ما يلزم لضمان عدم انزلاق الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي نحو الدولة الواحدة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الركائز التي بُني على أساسها مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي (الردع، والإنذار المبكر، والدفاع، والحسم) قد صُممت لمعالجة التهديدات الخارجية، حيث خلت هذه الركائز مما يشير إلى الوضع الداخلي أو ما أشارت إليه معادلة الأمن القومي الإسرائيلي بالقدرات (كالوحدة الداخلية والقوة النفسية والاجتماعية وقدرة النظام على العمل في كل الظروف... إلخ)، الأمر الذي يكشف مشكلةً مفاهيميةً في مفهوم الأمن القومي، ويكشف من جهةٍ أُخرى خللاً واضحاً وملموساً في معادلة الأمن القومي التي تتكون في إسرائيل من ثلاثة مكونات: القدرات القومية كطرفٍ من أطراف المعادلة، تُقابلها في الطرف الآخر الغايات القومية، وتربط بينهما الوسائل واجبة التوظيف والتشغيل.

* المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي