بايدن يؤدي القسم الدستوري ليصبح الرئيس الـ46 واعداً بأن يكون رئيساً لكل الأميركيين

واشنطن – "القدس"دوت كوم- سعيد عريقات- أدى جوزيف بايدن مساء اليوم الأربعاء، القسم الدستوري أمام مجموعة رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، ليصبح الرئيس الأميركي السادس والأربعين على عتبات مبنى "الكابيتول"، الذي اقتحمه أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب قبل أسبوعين.

وبذلك يصبح بايدن أكبر الرؤساء سناً، وقد احتفل بعيد ميلاده الثامن والسبعين يوم 20 نوفمبر\ تشرين الثاني 2020، أي بعد انتخابه بـ17 يوماً.

وقبل أن يؤدي الرئيس بايدن قسمه، أدت نائبته، كاملا هاريس القسم الدستوري لتصبح أو امرأة في تاريخ الولايات المتحدة كنائب رئيس، وأول شخص في هذا الموقع من أصول هندية / أفريقية، مسطرة بذلك تاريخاً لا ينسى أمام الأميركيين.

وكان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، وزوجته ميلانيا، قد غادرا البيت الأبيض قبل ساعات من انتهاء ولايته متوجهاً إلى فلوريدا، حيث لم يشارك في حفل تنصيب الرئيس المنتخب، جو بايدن.

وتحدث ترامب بشكل مقتضب عن "ولاية رائعة امتدت على أربع سنوات" تمثل "شرف العمر"، وفق تعبريه.

وقبل إقلاعه للمرة الأخيرة على متن طائرة الرئاسة "إيرفورس ون"، أعاد ترامب التذكير بما حققه في الانتخابات الأخيرة، قائلًا: "حصلنا على 75 مليون صوت، وهذا رقم تاريخي في سجل أي رئيس".

وتطرق ترامب إلى جائحة كورونا متبجحاً، "أصبنا بضربة كبيرة جراء كورونا كباقي العالم"، مكرراً اتهام الصين بالتسبب به، وقال: "لقد طورنا اللقاح المضاد لكورونا في 9 أشهر، بدلاً من 9 سنوات".

أما بايدن، وفي خطابه الأهم في حياته السياسية الطويلة والحافلة، فقد خاطب أمته الأميركية التي يلفها الألم وغموض المستقبل، مؤكدًا على متانة الديمقراطية الأميركية، وقدرتها على مواجه الأزمات والخروج منها متعافية، واعداً "سأجلب كل الأميركيين معاً، متحدين، متكاتفين، بغض النظر عن توجهاتنا السياسية، لأن قوتنا في وحدتنا".

وتعهد بايدن أمام شعبه واعداً: "أعدكم بقول الحقيقة دائماً وأبدا".

وقال بايدن في خطاب التنصيب: "اليوم نحتفل بانتصار الديمقراطية، والعنف قبل أيام سعى لهز البلاد"، مضيفاً، "نتطلع إلى الطريقة الأميركية الفريدة"، وأؤكد أن "إرادة الشعب سمعت وتم تنفيذها".

وشكر بايدن الرؤساء السابقين الذين حضروا التنصيب، وقال: "هناك الكثير من العمل الذي سنقوم به".

وقال بايدن: "نشهد اليوم بروز تطرف سياسي ونظرية تفوق العرق الأبيض والإرهاب الداخلي، علينا مواجهتها وإلحاق الهزيمة بها".

وأضاف: "سنعمل على تحقيق حلم العدالة للجميع سريعاً"، وأشار إلى انتخاب أول امرأة لمنصب نائب الرئيس كإنجاز للبلاد.

وأكد بايدن قائلًا: "نستطيع أن نحارب الأعداء بالاتحاد"، واعدًا أن يكون رئيساً لكل الأميركيين.

وتعهد الرئيس الجديد باتخاذ إجراءات لمكافحة كورونا، مثل الأمر بارتداء الكمامات لمئة يوم، والتخطيط لإعادة افتتاح المدارس، وتوزيع مئة مليون جرعة لقاح في المئة يوم الأولى، وإنفاق 2 تريليون دولار من أجل إعادة إنعاش الاقتصاد الأميركي.

وحضر مراسم التنصيب، الؤءساء السابقون: أوباما، وبوش وكلينتون، فيما تغيب ترامب، وشارك نائب الرئيس السابق مايك بينس في الاحتفال إلى جانب العشرات من المسؤوليين الأميركيين الآخرين.

داخليًا، يواجه بايدن داخلاً أميركياً مضطرباً، في أعقاب أعمال العنف التي اجتاحت مبنى الكابيتول في 6 يناير\ كانون الثاني الجاري، وأدت إلى بدء إجراءات عزل ترامب لمرة ثانية، كما يقف أمام اقتصاد يترنح على حافة الخطر، فيما ينقسم الأميركيون فيما بينهم كما لم يكن أبدا في تاريخ بلادهم منذ الحرب الأهلية الأميركي (1861-1865).

وشرع بايدن على الفور لإلغاء حظر السفر من وإلى دول ذات غالبية مسلمة، الذي كان قد فرضه ترامب، وأعاد الولايات المتحدة إلى اتفاقية باريس للمناخ، ووقع على قرار تنفيذي بإلزام ارتداء الكمامات في المؤسسات الفدرالية وعلى متن وسائل النقل بين الولايات، وأصدر تعليمات بلم شمل الأطفال الذين فصلوا عن أسرهم على الحدود مع المكسيك.

ويطرح المراقبون أسئلة حول التغييرات المحتملة التي قد تطرأ على السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما في الشرق الأوسط مع بداية استعداد الرئيس جو بايدن وفريقه لتولي شؤون الحكم في الولايات المتحدة.

ففي الوقت الذي شهدت فيه فترة دونالد ترامب مقاربة العديد من الملفات وحلها عبر اتباع أساليبٍ وُصِفت بالخشنة كما تمّ إعلان العديد من المواقف بما فيها المتعلقة مع قادة العالم عبر شبكة التواصل الاجتماعي "تويتر"، فإن بايدن يأمل بإعادة الحنكة الدبلوماسية في السياسة الخارجية إلى سابق عهدها، دون التخلي عن الثوابت المعمول بها بوصف أميركا كالدولة التي تقود تحالف الدول الكبرى في الغرب وما يسمى بالعالم الحرّ لمكافحة التهديدات العابرة للحدود.

وعلى الرغم من التغيّر الذي طرأ على العالم في العقدين الأخيرين، إلا أن الدور الأمريكي لا زال محوريًّا في المؤسسات الدوليّة، ويستند إلى القيم الديمقراطية بالشراكة مع الدول الغربية.

وعلى الرغم من أنّ الدّستور الأمريكي يمنح الرئيس سلطات واسعة وكبيرة في القرارات الخارجيّة، الأمر الذي يجعل من شخصيَّة الرئيس عاملاً مؤثِّرًّا في السياسات، إلا أنّ ال‘ستراتيجيات الكبرى والخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأمريكية تقليدياً لا يطرأ عليها أيّ تغيير جوهري، لذلك فقد تختلف تكتيكات التنفيذ والوسائل المستخدمة بين الإدارتين، لكن دون أن يغير ذلك في جوهر السياسة نفسها شيئًا.

إلا أنه من المحتمل أن يكون هناك تغيرًا ملحوظاً عن سياسة ترامب، التي بدت أكثر اعتمادًا على القوّة الصلبة، وإعلان المواقف بشكل قد يبدو مستفزًّا أحيانًا، فمن المحتمل أن ينتهج بايدن القوّة الناعمة كوسيلة، ويعتمد خطابًا هادئًا يبدو أكثر دبلوماسية في التعاطي مع الملفات الخارجية، بما يُحافظ على الصورة الأخلاقية للولايات المتحدة في العالم.

ومنذ بداية انطلاق الحملات الانتخابية، عبّر الديمقراطيون عن قلقهم البالغ إلى ما آلت إليه علاقة بلادهم مع الحلفاء التقليديين خلال مرحلة ترامب، وقد بدا واضحًا أن بايدن يسعى إلى إعادة ترميم العلاقات المتوتِّرة بين الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تعزيز العلاقة مع الدول الأعضاء في حلف الناتو، وذلك من خلال الرّجوع إلى الاتفاقيات العالمية المبرمة والتحالفات الدوليّة المعهودة.

ومن أبرز تلك الاتفاقيات العودة إلى اتفاقية باريس للمناخ، إضافة إلى تفعيل التعاون مع منظمة الصحة العالمية لقيادة الجهود الدولية لمواجهة الوباء لا سيما مع الإعلان عن اكتشاف اللقاح المحتمل لفيروس كورونا.

فلسطينياً، من المتوقع أن تتعدل سياسات الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، لتعود على ما كانت عليه في فترة الرئيس الأسبق براك أوباما، وأن تكون أكثر سلبية تجاه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشكل شخصي بحال بقي في الحكم.

ومن المتوقع وضع “صفقة القرن” جانباً ما عدا ما تم تنفيذه منها، وتحديداً نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فيما عدا ذلك فإن بايدن لن يعتبر هذه الخطة أساساً للتسوية بين الطرفين، بل سيعمل على تسوية من خلال المفاوضات بين الطرفين مبنية على أساس "حل الدولتين".

وبحسب قوله، فإن بايدن لن يقبل بسياسة الضم الإسرائيلية لمناطق في الضفة الغربية، بل سيؤيد أي ضم ضمن تسوية نهائية بين الطرفين، مرجحاً أن تلجم الإدارة الجديدة الاستيطان في الضفة الغربية من دون تجميده نهائياً، ولن تسمح بهذه الكثافة غير المحسوبة للاستيطان كما يحدث الآن.

ومن المتوقع أن يعيد بايدن التفكير في القطيعة التي حدثت بين الولايات المتحدة ومؤسسات دولية ناقدة لإسرائيل، كما من المتوقع أن يعيد الدعم الأمريكي إلى وكالة الأونروا التابعة للأمم المتحدة، وضمن هذه الترجيحات، من المتوقع أن يجدد بايدن العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الإدارة الأمريكية والسلطة الفلسطينية.

إيرانياً، يرى مراقبون أن إدارة بايدن ستعود إلى سياسة حكم الرئيس باراك أوباما الذي أبدى رغبة ونهجاً تفاوضياً مع إيران مكن من إبرام الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، وإنّ كان سيسعى بايدن إلى دعوة إيران إلى الامتثال الصارم بتعهداتها كشرط محوري للعودة إلى الاتفاق النووي، حيث اعتبر بايدن أن إستراتيجية الضغط التي مارسها ترامب لم تؤتِ أُكلها، فقد استغلت طهران خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي إلى توسيع نشاطها في تخصيب اليورانيوم، بعيدًا عن عمليات المراقبة، مما قد يجعلها على مقربة من امتلاك السلاح النووي.

أمَّا شرق أوسطيًّا، فإن ملف حقوق الإنسان في بعض الدول العربية ربما سيعود للواجهة، وذلك بسبب ضغط الكونغرس المستمر ومطالباته المتكررة بضرورة التزام المعايير الدولية في التعاطي مع أوضاع الحريَّات وحقوق الإنسان، والأخذ بعين الاعتبار التوازن في الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة مع الدول النفطية في الخليج، مع محاولة لحلّ بعض القضايا الأخرى وأبرزها إيجاد صيغة ملائمة لوقف الحرب الدائرة في اليمن.

ومن غير المتوقع أن تشهد علاقة الولايات المتحدة مع القوى العظمى أو الخمسة الكبار تغييرًا كبيرًا، إذ إنّ هناك خطُّ واضحٌ يتفقّ عليه الجمهوريون والديموقراطون يتبلور في اعتبار كلاًّ من الصين وروسيا خصمًا للولايات المتحدة مع اختلاف وسائل وتكتيكات المواجهة بينهما، لذلك فإن إدارة بايدن ستواصل نهجَ سابقتها في مواجهة السياسات الاقتصادية للصين، ولكن بالتنسيق مع حلفائها الأوروبيين وغيرهم، فيما كانت إدارة ترامب تتخذ التدابير بشكل يبدو منفردًا أو أحاديّ الجانب.