محاولة لفهم "الآخر" و"نحن"

بقلم: المتوكل طه

يختلف معنى "الآخر" في فلسطين عنه في أي مكانٍ آخر، ذلك أنّ "الآخر" هنا ليس مجرد فكرة، أو مجرد مُنتج صناعي أو ثقافي، بل هو يوجد في مشروع استيطاني إحلالي مرعب، يستعمل ليس، فقط، تكنولوجيته وإنما أيدلوجيته أيضاً، وهو لا يأتي بذلك منفرداً، بل يأتي معززاً برؤية غيبية وسياسية وفيزيائية غريبة ومدعومة من الغرب، رؤية مسبقة وموتورة ولها أهداف وتستعمل وسائل مجازرية .

"الآخر" في فلسطين صاعق وقوي ومسيطر ومُذِلّ، لا يمكن تجميله أو أنسنته أو التوصل معه إلى نقاط اتفاق، ذلك أنه يهدف إلى سلب الأرض، من جهة، وطرد أصحابها منها، من جهة أُخرى، وتسمح له عقائده وأوهامه وقوته بذلك، في الوقت الذي يتم فيه استحسان هذا العمل أو شرعنته من قبل قوى كبرى كشفت فيه عن عطبها البنيوي وعيبها العضوي.

في فلسطين، لا تتم معرفة الآخر من خلال وسائل المعرفة العادية، وإنما من خلال لغة الدم ورائحة التراب. في فلسطين، يدفع الشعب الفلسطيني دمه من أجل أن "يفهم" هذا "الآخر".

أما ما هو خارجها، فنجد أن "الآخر" يتقدم على مستوى الحضور والدبلوماسية والقبول والشرعنة والاندماج في المنطقة والتدخل في شؤونها، ويتحول –عملياً– إلى أهم اللاعبين وأقواهم، بل يتحول – فعلياً – إلى بوابة العبور للراغبين في الدعم الغربي والأمريكي بخاصة.

هذا "الآخر" الغريب، المحتل، يشهد عمليات تحوّل حقيقية في وجوده وأهدافه وكيفية التعامل معه.

أما في الغرب، فإن تلك المنظومات السياسية والثقافية والاجتماعية التي طالبت بخروجه من بلادها، تقدم له اليوم الأسباب الفكرية والسياسية والعقدية ليمارس الدور ذاته بحقنا .

"الآخر" الصهيوني يتحوّل في الغرب إلى "اليهودي" الجديد المبادر والشجاع الذي من حقّه أن يقيم دولة على أرضٍ ليست له، وأن يطلب من العالم كله أن يعترف بها.

فجأة، وخلال أقل من مئة عام، يتحول "الآخر" الصهيوني إلى صانع المعجزات ومحقق النبوءات، وتتسابق دول الشرق والغرب على دعمه سياسياً وعسكرياً وفكرياً، وقد نستغرب أن الغرب عموماً والولايات المتحدة خاصة تسابقا في تقديم العون المادي لإسرائيل، في السنوات التي تلت إقامتها، وقد نستغرب، أيضاً، كيف أن اليسار العربي لاحظ ذلك ولم يفعل شيئاً.

هذا "الآخر" المنتصر، استطاع أن يغيّر إلى حدٍّ ما من صورته، وأن يعمل على تقديم نفسه بطرق مختلفة، واستطاع من خلال فرض سياسة الأمر الواقع وسياسة القوة وسياسة العصا والجزرة أن يبتزّ مواقف مختلفة من الأطراف العربية المتعددة، وأن يتحوّل من صورة "المحتل" إلى صورة "الشريك"، ومن دولة "الكيان" إلى الدولة "العبرية"، ومن "العدو" إلى "الصديق".

والمسألة بحد ذاتها تثير الغضب بالقدر ذاته الذي تثير فيه الحيرة والعجب. فهذا "الآخر" لم يغيّر من جلده ولم يغيّر من مصطلحاته ولم يغيّر من أهدافه ولا من أساليبه، فالذي تغيّر هو "نحن".

"نحن" هذه تثير الأسئلة أيضاً ؟! فمن هي "نحن" بالضبط ؟!

هل هي النخب السياسية الحاكمة ؟! أم هي النخب الثقافية والفكرية المسيطرة !؟أم هي الصورة العليا التي نعتقدها عن أنفسنا؟! من هي "نحن" هذه التي تغيّرت ورأت في "آخرنا" صديقاً بعد ما كان عدوّاً ؟!هل هناك عدة أنواع من "نحن" هذه ؟!

إنّ "الأنا" الجمعية التي تعبر عنها النخب الثقافية في حوارها مع "آخر" لا يعيرها الاهتمام ولا العناية، بل القتل والطرد والذبح والتفتيت والتغييب.. هذه "الأنا" العربية والفلسطينية، على وجه الخصوص، التي تعاملت وتفاعلت مع "آخر" لا يشاطرها الآراء أو الأفكار أو المعتقدات أو الأهداف، "آخر" وضع حدوداً ثقافية وإثنية وعرقية وعقدية لا يمكن القفز فوقها أو تجاهلها أو عدم اعتبارها، "آخر" نافٍ حاذف أعمى ومنتصر، و"أنا" مضطربة ومترددة ومهزومة.

المسألة لم تتوقف عند الشأن الفلسطيني فقط، فعلاقة "الآنا" بـ"الآخر" كانت جدلية تاريخية أيضاً، إذ إننا نعتقد أن أمّتنا العربية ومن ثم العربية الإسلامية المحددة بحدود ثقافية وإثنية تميّزها وتفصلها عن الأمم الأخرى تميزت بردود أفعال مختلفة تجاه "الآخر" حسب فترات الضعف والقوة. ففي فترات القوة كانت ثقافة هذه الأمّة ماصّة بامتياز وإبداع، كما شهدنا في القرن الثاني والثالث والرابع وحتى الخامس الهجري، فيما تميزت هذه الثقافة بامتصاصها الرديء والمقلّد والضعيف في فترات الضعف كما شهدنا ذلك في العصور الحديثة (لنوازن مثلاً بين ما كتبه ابن بطوطة أو أحمد بن فضلان عن "الآخر" وما كتبه الطهطاوي عن "الآخر"، لنوازن بين النصين من ناحية أسلوب اللغة وطريقة التناول والإحساس بالتفوق والتميز).

والثقافة العربية الإسلامية اعترفت بـ"الآخر" المتعدد، وكانت صارمة في تعاملها مع "الآخر" المعتدي، وكان هذا السقف هو الذي حكم العلاقة معه في القرون السابقة واللاحقة. ومن هنا، كان "الاضطراب" في التعامل مع "الآخر" على إطلاقه؛ إذ كيف نوفق بين الإنجليزي المستعمر والإنجليزي الشاعر والمفكر والباحث؟!

ما بين المطلق والنسبي كانت المراوحة وكانت منطقة الرماد، وما بين "المستحيل" و"الممكن" بلغة السياسيين، وقف الفكر الفلسطيني بالذات يحفر تحت هذا المعنى. إذ كيف نوفق بين ما نعتقده عن أنفسنا وعن ثقافتنا، من جهة، وإمكاناتنا، من جهة أخرى؟ كيف نُوفق بين التاريخ والواقع؟!

هذا سؤال صعب إذا عرفنا أن لغتنا العربية –وهي المحدد الأساس في اختلافنا عن الآخرين– تعطينا نموذجاً عالياً في الأخلاق والمطلقية- وهو ما اعتبره الجابري عيباً في تمثل ثقافتنا بثقافات الآخرين-.

من هذه الخلفية، جاءت هذه المقالة لترصد تحولاً عميقاً في الخطاب الفلسطيني بدأ بالتوقيع على اتفاق أوسلو في العام (1993). الاتفاق الذي ما كان ليتبلور لولا سلسلة الهزائم والزلازل التي حلت بالمنطقة، والذي ما كان ليتم إلا وفلسطين محتلة كلّها.

هذا الاتفاق كان حدثاً تاريخياً على المستويات كلها، وما عنيت به هو رصد "التحول" النوعي والبنيوي لصورة الآخر في الخطاب الفلسطيني ، ذلك الخطاب الذي أخذ على عاتقه ملاحقة هذا الآخر وتعريته وفضحه والتعبئة ضده.

بعد اتفاق أوسلو رأيت نبرةً جديدة في القول الفلسطيني، وصورة ملتبسة لـ "الآخر"، إذ انحلّ هذا المفهوم المطلق ليتحوّل إلى عدد من السياقات المختلفة. وتفتت "الآخر" –بفعل الهزيمة– إلى عديدين.

وصار المحتل المغتصب يجبرنا على البحث عن إنسانيته، أو نقاط التقاء معه، وإلى جلد ذواتنا، ومحاكمة ثقافتنا، ولعن أجدادنا، وإلى البحث عن أجداد آخرين، والعبث واللاجدوى.

لهذا السبب رأيت الصورة على حقيقتها، كما هي، عارية وقبيحة ومثيرة للحنق.

"الآخر" هو "الآخر"، لم يتغير.

أما "الأنا" فهي التي انهارت!

وأظن أن هذا الكلام الذي أسوقه ليس أكثر من محاولة لسَبْر غور هذا "الآخر"، ومحاولة لنفهم أكثر!